الخرطوم ـ «القدس العربي»: اتهم قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، سفراء ودبلوماسيين لم يسمهم، بالقيام بتحركات مشبوهة وبتحريض السودانيين، محذرا من مغبة ذلك. وفي وقت توجّه فيه رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان فولكر بيرتس، إلى نيويورك، لتقديم تقرير لمجلس الأمن الدولي، حول الأوضاع في السودان، اختطفت مجموعة مجهولة مهندسيين أتراكا، من الذين يعملون في الشركة التركية لتوليد الكهرباء في الفاشر، عاصمة شمال دارفور.
وقال البرهان خلال مخاطبته ختام التدريب السنوي للقوات المسلحة السودانية في ولاية نهر النيل، إنه «لن يتردد في اتخاذ أي قرار لمصلحة البلاد، ولن يسمح بجرها للفوضى» أو «اختطاف الشعب السوداني» و«استلاب فكره».
وبيّن أن «رمزية الجيش باقية، ولن تضيع ببقاء أو بذهاب البرهان».
وأضاف: «البعض يعتقد أن البرهان إذا ذهب، سينتهي الجيش» مؤكداً مسؤوليتهم عن حماية وحراسة السودان.
وزاد: «من يشكك في ذلك فعليه أن يزور الجبهات المختلفة» مشيرا إلى مقتل 16 جنديا سودانيا خلال المعارك في الحدود الشرقية الأيام الماضية.
دعم حمدوك
وواصل: «ندعم (رئيس الحكومة عبد الله) حمدوك وحكومته ونقول له امض للأمام نحو العبور والانتصار بعد التحرر من القيود السياسية» مؤكدا أن «التحضير للانتخابات يحتاج إلى إشاعة جو من الحرية والأمن».
وأوضح أنهم «بدأوا مرحلة جديدة يعملون فيها بصدق وإخلاص لاستكمال الفترة الانتقالية».
وأبدى أسفه لسقوط ضحايا خلال التظاهرات، متعهدا بتقديم الجناة للمحكمة وإنصاف الضحايا، مؤكدا أنهم «قادرون على محاكمة من أجرم في حق الشعب السوداني، وأن القوات المسلحة السودانية مصممة على استكمال الفترة الانتقالية وصولا لانتخابات حرة ونزيهة».
ويأتي خطاب قائد الجيش، في ظل أزمة ثقة غير معلنة بين مكونات الإعلان السياسي الموقع بين رئيس الوزراء، وقائد الجيش في الحادي والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني، حسب ما قال الصحافي والمحلل السياسي إسماعيل حسابو لـ«القدس العربي» معتبرا أن «خطاب البرهان أمام تدريب الجيش، خطاب أزمة، وقد يحمل في طياته تغييرات قادمة في المشهد السوداني، في ظل التصعيد الشعبي والموقف الدولي الحذر».
وبيّن أن «قائد الجيش يرسل خلال خطابه تحذيرات أولية لسفراء الاتحاد الأوروبي والترويكا، وقد تتطور فيما بعد إلى أزمات دبلوماسية وإبعاد وطرد لبعض السفراء، كتكتيك سياسي يبعد به الضغط عن نفسه، مثلما كان يحدث أيام الرئيس السابق عمر البشير، الذي أقدم على طرد عدد من الدبلوماسيين لأسباب قريبة لأسباب البرهان».
وأضاف: «البرهان يرى أن هؤلاء السفراء يعملون مع القوى المعارضة، فضلا عن أنهم التقوا رئيس الوزراء وعددا من المسؤولين ولم يلتقوا به، الأمر الذي أثار مخاوفه في ظل أزمة الثقة الراهنة».
ولفت إلى أن «البرهان، يحاول حشد تأييد الجيش لرؤيته السياسية التي يسوق من خلالها لنموذج شبيه بالنموذج المصري، ولوجود الجيش كقوة قابضة على السلطة وتكوين حكومة شبه مدنية، الأمر الذي يبدو صعبا في ظل التصعيد الشعبي الرافض للانقلاب وللخطوات التي لحقته ».
وأشار إلى أن الأيام المقبلة، وصولا لتظاهرات 19 ديسمبر/ كانون الأول المليونية والتي يتوقع أن تكون حاشدة لارتباطها بذكرى الانطلاقة الأوسع لثورة ديسمبر 2019 في عدد من مدن السودان، قد تكون فاصلة لأنها تثير قلق قائد الجيش لخطورتها رغم استخفافه بالقوى السياسية والأحزاب».
خطف مهندسين أتراك في دارفور… وبيرتس يعتزم تقديم تقريره لمجلس الأمن
ووفق المصدر «البرهان في خطابه، لم يتحدث عن الانتقال المدني بل عن كيفية الوصول للانتخابات» وتوقع أن «يكون ذلك تمهيدا لانقلاب جديد قد يقوم به البرهان أو قد يطيح بالبرهان».
وبيّن أن «التوترات الأمنية، وصناعة الأزمات في الولايات، وانتشار العصابات المسلحة، هي الأدوات نفسها التي استخدمت كمبرر للانقلاب السابق» لافتا إلى أن «سيناريو الأزمات يعيد نفسه من جديد، والذي قد يكون إشارة لانقلاب جديد».
وكان آخر لقاء بين البرهان وسفراء دول الترويكا، الولايات المتحدة، بريطانيا والنرويج، في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أي بعد قرابة الأسبوعين من انقلابه على الحكومة الانتقالية في السودان، في وقت لم يلتق فيه سفراء الاتحاد الأوروبي منذ الانقلاب، بينما التقى عددا من المبعوثين الدوليين، كان آخرهم المبعوث الفرنسي للاتحاد الأفريقي، فريدريك كلافير.
«بناء نظام ديمقراطي»
في غضون ذلك، التقى سفراء الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، برئيس الوزراء عبد الله حمدوك» وناقش الجانبان «الأزمة الناجمة عن التدخل العسكري» مؤكدين أن «استئناف العمل لبناء نظام ديمقراطي يتطلب إجماعا وطنيا واجراءات بناء الثقة».
وأكدوا أن «العدالة الانتقالية والاحترام الفعال لحقوق الإنسان، هما عنصران لا غنى عنهما في عملية انتقال وطني قابلة للاستمرار». وبينوا أنهم «ظلوا يدعمون الشعب السوداني لتحقيق تطلعاته في الحرية والسلام والعدالة ودعمهم للنموذج السوداني في التحول الديمقراطي».
وأكد حمدوك على أن «تتضمن إجراءات استعادة المسار الديمقراطي إجماعا وطنيا يعتمد على مهام الفترة الانتقالية وفق الوثيقة الدستورية لعام 2019 واتفاقية سلام جوبا لعام 2020 مع أهمية استكمال عملية السلام مع الحركات غير الموقعة على اتفاق السلام الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور». وتوافق الجانبان على «أهمية بناء الثقة للشروع في عملية صناعة دستور وطني شامل يعبر عن جميع السودانيين والإعداد لانتخابات حرة ونزيهة والعمل على بناء أطر وطنية لتحقيق العدالة والعدالة الانتقالية واحترام حقوق الإنسان».
سلسلة لقاءات
وفي الأثناء، توجّه رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان فولكر بيرتس، أمس، إلى نيويورك، لتقديم تقرير لمجلس الأمن الدولي حول الأوضاع في السودان.
وقال في تغريدة على حسابه في «تويتر»: «قبيل ساعات من سفري لنيويورك للقاء مجلس الأمن الدولي، والمقرر في وقت لاحق من الأسبوع الحالي، عقدت سلسلة لقاءات مع عدد من القادة السودانيين حول سبل الخروج من الأزمة السياسية».
وأضاف: شملت لقاءاتي رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشمس الدين الكباشي، والمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير» دون إشارة للقاء بينه وبين قائد الجيش.
وكان فولكر قد دعا لجان المقاومة السودانية للقاء الأحد، لكنها اشترطت نقله على صفحاتها بشكل مباشر، الأمر الذي تحفظ عليه رئيس البعثة الأممية، لينتهي الأمر بتقديم اللجان لمذكرة أوضحوا من خلالها موقفهم من الوضع الراهن في السودان وأنهم ماضون نحو إسقاط الانقلاب، ومتمسكون بشعاراتهم اللاءات الثلاث «لا شراكة، لا شرعية، لا تفاوض».
وقالت قوى «الحرية والتغيير» في بيان الثلاثاء، إنها «التقت المبعوث الأممي عشية سفره إلى نيويورك لتقديم تقريره للأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن حول السودان».
وحسب البيان، أكدت قوى «الحرية والتغيير» «موقفها الثابت المتمثل في مقاومة وإسقاط الانقلاب ومساندتها ودعمها الكامل لما ترفعه الجماهير من شعارات رافضة للانقلاب ولاتفاق البرهان حمدوك وضرورة حماية المدنيين والمظاهرات السلمية واحترام حقوق الإنسان».
إلى ذلك، وفيما يتعلق بالأزمة في دارفور، هاجمت أمس مجموعات مسلحة منطقة جبل مون في ولاية غرب دارفور مجددا، بعد أقل من أسبوعين على هجوم راح ضحيته العشرات من القتلى والجرحى، بينما نزح المئات.
وقال المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين أدم رجال لـ«القدس العربي» إن «مجموعات مسلحة ترتدي زي قوات الدعم السريع، هاجمت جبل مون بولاية غرب دارفور من جديد أمس الأربعاء، بينما تحاصر قوات أخرى ترتدي الزي نفسه بشكل كامل معسكرات زمزم للنازحين».
وحمّل الحكومة «مسؤولية ما يحدث للنازحين والمدنيين في منطقة جبل مون ومعسكر زمزم، غرب وشمال دارفور».
ودعا المنظمات الإنسانية والحقوقية وكافة الناشطين لـ«الوقوف على الوضع بالغ الخطورة في دارفور والتصدي بكافة الوسائل وبأسرع ما يكون لمنع وقوع كارثة إنسانية هناك».
وأطلقت المجموعات المسلحة أيضا الرصاص على سكان منطقة دونكي شطة شمال غرب الفاشر عاصمة شمال دارفور، وقد أصيب أربعة أشخاص بجروح متفاوتة، تم نقلهم إلى مستشفى الفاشر لتلقي العلاج، في وقت اختطفت مجموعة مجهولة أمس الأول، اثنين من المهندسين الأتراك، من الذين يعملون بالشركة التركية لتوليد الكهرباء في الفاشر، عاصمة شمال دارفور.
وأكد حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، في تغريدة أمس، في حسابه على تويتر أن حكومة الإقليم «ستبذل قصارى جهدها للبحث عنهم وإيجادهم» مطالبا الخاطفين بإعادتهم وعدم إلحاق الأذى به».
على صعيد منفصل، نفذ العشرات من الإعلاميين وقفة احتجاجية، أمس الأربعاء، أمام مباني إذاعة «هلا 96» وسط الخرطوم، احتجاجا على إيقاف السلطات لها منذ انقلاب قائد الجيش في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.