السودان: التحديات التي تواجه نظام الحكم

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

عندما يرتكب موظف أو مسؤول غربي خطأ عاما أو تثار حوله فضيحة فإنه يتقدم على الفور باستقالته، كما حدث مع مدير صندوق النقد الدولي ‘دومينيك ستراوس كان’ وما حدث مع كبار رجال الشرطة البريطانية بعد إثارة قضية التنصت الأخيرة، والسبب في مثل هذه الاستقالات هو معرفة هؤلاء المسؤولين أنهم لا يقومون بأعمالهم الخاصة بل هم يؤدون وظائف عامة تتطلب منهم النزاهة والبعد عن الشبهات، ولكن يبدو أن مثل هذه الثقافة لم تصل بعد إلى عالمنا العربي بدليل أننا نرى العقيد معمر القذافي يقتل شعبه وذلك ما يفعله الرئيس بشار الأسد لمجرد أن الناس يرفضون استمرار حكميهما مع أنهما لم يأتيا إلى الحكم بوسائل شرعية وحتى لو أتيا بها فإن بقاءهما في الحكم تجاوز الحد المعقول لتولي السلطة في أي بلد من البلاد.

ولا يقتصر الأمر على ليبيا وسورية وحدهما إذ نحن نرى في السودان وضعا لا يقل غرابة، وإن كان السودانيون لا يستخدمون مثل هذا العنف في التعامل مع المعارضين في الرأي.

ذكرت السودان بسبب التطورات الأخيرة وخاصة تلك المتعلقة بانفصال جنوب السودان الذي هو حدث كبير ستكون له تداعيات كثيرة ربما لا يراها الكثيرون، ذلك أن المواقف ما زالت تسير في منحاها التقليدي، إذ يرى الكثيرون أن انفصال جنوب السودان قد أراح شمال البلاد من عناء الحروب التي ظل يواصلها منذ أن أعلن البريطانيون نيتهم في مغادرة السودان قبل ستين عاما، أما من جانب الحكومة فهي ترى أن الوقت قد حان لكي تشكل حكومة وحدة وطنية تشتمل على سائر أطياف المجتمع السوداني، ولكن بالطبع ستكون هذه الحكومة تحت جناح نظام الحكم القائم وهو ما ترفضه هذه الأطياف التي ترى أنه قد حان الوقت كي يزول النظام ويفسح المجال إلى نظام حكم جديد تتغير به صورة البلاد.

وعلى الرغم من وجود مثل هذه الاتجاهات، فإن هناك عناصر في داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم تقول إن التطورات الأخيرة سوف تفسح المجال أمام العلمانيين كي يجمعوا صفوفهم من أجل مقاومة النظام، وبالطبع لا يقصد بالعلمانيين الأحزاب القديمة ذلك أن معظم هذه الأحزاب أحزاب طائفية ولا يمكن أن تحسب على الاتجاهات العلمانية. ولكن مثل هذا التوجه من الحزب الوطني يؤكد أن الكثيرين من أعضاء هذا الحزب ليسوا مستعدين حتى الآن أن يستوعبوا فكرة الدولة الحديثة التي لا تقوم على أسس أيديولوجية سواء كانت فكرية أو عقدية، كما أنهم لا يدركون أن مثل هذه الدولة لا تتعارض مع المبادىء الدينية، ذلك أن معظم الدول الغربية تقيم وزنا كبيرا للدين ومع ذلك فهي تقيم أنظمتها المدنية التي لا تتعارض مع قيم الأديان مطلقا.

لكن قبل أن نتعرض لطبيعة النظام المرجو في السودان علينا أن نتوقف عند بعض التحديات التي أفرزتها التطورات الأخيرة وخاصة تلك المتعلقة بانفصال جنوب السودان.

وفي البداية نتوقف عند موقف مجلس الأمن، إذ عبر مجلس الأمن عن قلقه حول ما يجري في جنوب كردفان ومنطقة أبيي، وعبر عن هذا الموقف ‘بيتر وينبج ‘ سفير ألمانيا في مجلس الأمن ورئيس الدورة الحالية للمجلس، وقال السفير إن أعضاء المجلس يحثون سائر الأطراف أن يسمحوا للمساعدات الإنسانية كي تصل إلى المحتاجين في تلك المناطق، ولا اعتراض في أن يبدي أعضاء مجلس الأمن قلقهم في أي منطقة من مناطق العالم ولكن التجربة علمتنا أن سائر التدخلات الأجنبية في شؤون السودان كانت لها أهداف إستراتيجية لا يصب معظمها في صالح السودان.

ومن جانب آخر فإن الحركة الشعبية في جنوب السودان حققت انتصارها على حكومة الشمال بتحقيقها لاستقلال جنوب السودان ولكن هل تنتهي الحركة الشعبية عند هذا الحد؟ بالطبع لا إذ كشفت الحركة الشعبية في ما يعرف بقطاع الشمال أنها أجرت اتصالات مع بعض دول الإيقاد لبحث ما دعته تنصل الحكومة السودانية عن الاتفاقات التي تمت في أديس أبابا أخيرا في ما يتعلق بقضية جنوب كردفان، وقالت الحركة إنها اتصلت بالوسيط الأفريقي ‘تامبو مبيكي’ تخبره إنها ترفض بحث هذه القضية خارج الإطار الذي تم الاتفاق عليه في أديس أبابا، والحقيقة هي أنني غير معني في هذا السياق بالمشكلة موضوع الخلاف ولكني معني باستمرار الحركة الشعبية في التدخل في الشؤون الشمالية وأيضا بواسطة رجل هو أصلا من الشمال وأقصد به ياسر عرمان، فلماذا إذن تواصل الحركة نشاطها في شمال السودان بعد أن حققت أغراضها في جنوب البلاد من منطلقات عرقية وعنصرية؟ الإجابة هي أن للحركة أهدافها الكبرى التي لا تقتصر على جنوب السودان وحده بل تمتد إلى الشمال أيضا، بسبب الطبيعة الأيديولوجية للنظام الحاكم في الخرطوم.

وعلى الرغم من الدور الذي قامت به الولايات المتحدة في تقسيم السودان، فإنها ما زالت تتحدث أن الوضع في السودان محفوف بالمخاطر وقد ورد ذلك على لسان السفير ‘برنسون لايمان’ وهو المبعوث الأميريكي الخاص للسودان.

ولا شك أن من أهم المشاكل التي تواجه السودان الحديث مشكلة دارفور، وعلى الرغم من أن الجهود التي قامت بها دولة قطر أثمرت اتفاق سلام دارفور، فإن هناك بعض الفصائل ما زالت خارج الاتفاق وهي لم تنضم لاتفاقية سلام الدوحة، وهو ما يثير الشكوك حول مواقف تلك الحركات لأنه إذا كان هدفها الأساسي هو التوصل إلى اتفاق مع حكومة الخرطوم فإن منبر الدوحة كان هو المكان المناسب لتحقيق هذا الاتفاق أما إذا كانت لها أجندة أخرى تستهدف الانفصال فذلك أمر آخر.

وعلى الرغم من كل هذه التداعيات فإن أمين الإعلام في حزب المؤتمر الوطني الحاكم إبراهيم غندور يزعم بأن الحزب يتبع في الوقت الحاضر نهجا توافقيا من أجل التراضي مع جميع الأطراف في السودان ووعد بأن تظهر نتائج إيجابية في المستقبل القريب.

وإذا نظرنا إلى مجمل هذه التطورات في السودان، وجدنا أنها تنطلق من رؤية ضيقة لما ينبغي أن يكون عليه حكم البلاد، ذلك أن معظم المشاركين في العمل السياسي يعتقدون أن الحكم هو تراض أوتقاسم أو إنفراد بالسلطة، دون أن يدرك الجميع أن السلطة لا تحقق التقدم إذا لم تكن منبثقة عن نظام مؤهل لأن يدير دولة خاصة إذا كانت في حجم السودان، ولكن إذا نظرنا إلى ما يجري في السودان منذ فجر استقلاله وجدنا أنه محاولة مستمرة لاجترار الفشل، ذلك أنه لم يفكر أحد في الأسس التي تبنى عليها الدولة الحديثة وظل الجميع يفكرون في اتجاه واحد هو كيفية الجلوس على سدة الحكم ليس من أجل تحقيق الخير للبلاد بل فقط من أجل الفساد الإداري الذي ذكر تقرير الشفافية الدولية أن السودان من أكثر البلاد التي يستشري فيها الفساد، ولعل من أكثر التداعيات مأسوية أن السودان الذي استقل قبل نحو ستين عاما ظل يحكم أكثر من أربعين عاما بأنظمة عسكرية لم يكن هناك مبرر لتوليها الحكم، كما أن الفترات القليلة التي حكم فيها المدنيون لم يكونوا يفكرون في إقامة نظام مبني على معايير الدولة الحديثة بل كان كل همهم أن يحققوا الفوائد الاقتصادية والسلطوية لطوائفهم وقبائلهم دون اهتمام بمصلحة الدولة، وذلك ما يجعل الدولة تواجه الآن أقسى مراحلها، وقد ذكرت سابقا أن وحدة السودان تفرضها ظروف جغرافية لكن الحكومة ومعارضيها لم يدركوا حتى الآن أن حركات الانفصال الجهوية لا مستقبل لها وأنها لن تحقق شيئا سوى مزيد من التخلف في هذا البلد، ويبدو هذا الاتجاه واضحا في القرار الأخير الذي اتخذه البرلمان السوداني وقرر فيه سحب الجنسية من جميع الجنوبيين الذين يسكنون الشمال، والسؤال هو كيف نحدد هؤلاء الجنوبيين، ثم ألا يعتبر مثل هذا القانون عنصريا في وقت نرى فيه أن كل من يقيم خمس سنوات في بلد غربي يحصل على جنسيته، فكيف لا يسمح للجنوبيين الذين ولدوا أو عاشوا معظم حياتهم في الشمال أن يكونوا مواطنين شماليين؟

ومؤدى قولنا أن السودان يواجه تحديات خطيرة ولن تواجه هذه التحديات في إطار منظومة النظام، بل يجب أن يكون هناك تصور حقيقي لكيفية إنشاء نظام الدولة الذي يتعايش فيه الجميع دون تغول عرقي أوعنصري، ودون أن تحاول أي عقيدة أن تفرض نظامها على الآخرين خاصة إذا لم يستطع أصحاب هذه العقيدة أن يحددوا طبيعة النظام الذي يعملون في إطاره.’ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية