الخرطوم ـ «القدس العربي»: يبدو أن اتفاق قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك يواجه تحديات واسعة، خاصة بعد تلويح الأخير، للمرة الثانية بتقديم استقالته، ثم عدوله عن ذلك، بعد تدخل وسطاء، وحصوله على «ضمانات» خلال اجتماع عقده، أمس الأربعاء، مع البرهان.
وكانت، وكالة «رويترز» نقلت الثلاثاء، عن مصادر مقربة من حمدوك أنه يعتزم الاستقالة من منصبه خلال ساعات.
وأرجعت سبب الاستقالة إلى خلافات حول التعيينات والإقالات للموظفين بالخدمة العامة، حيث اعترض حمدوك على تدخلات المكون العسكري، بالإضافة إلى شعوره بعدم بقدرته على إحداث توافق سياسي، مع تصاعد الاحتجاجات في البلاد الرافضة لاتفاقه مع البرهان.
وكان حمدوك أصدر، مساء الثلاثاء، قرارا أنهى بموجبه تكليف مدير عام هيئة الإذاعة والتلفزيون، إبراهيم البزعي، الذي عينه قائد الجيش وأعاد المدير السابق لقمان أحمد، وسبق ذلك إعفاء وكلاء وزارات وولاة ولايات عينهم البرهان، وتكليف آخرين.
«شعور بالإحباط»
وحسب تصريحات صحافية للقيادي في حركة «العدل والمساواة» الداعمة للانقلاب محمد زكريا، تقدم حمدوك فعلا باستقالته منذ الإثنين «بسبب شعوره بالإحباط ورفض جزء كبير من القوى السياسية الاتفاق الموقع بينه وبين البرهان بالإضافة لعدم الوصول لتوافق حول ميثاق سياسي يمكنه من تشكيل حكومته».
وأكد أن «حمدوك تراجع عن الاستقالة واشترط عدم اعتراض المتظاهرين والسماح لهم بالتعبير» مشددا على أنهم «كتلة منفصلة عن المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ولا يجب تجاوزها».
وقال إن «استقالة «حمدوك لا علاقة لها برفضه الوزراء من الحركات» مؤكدا أنه وصل لتوافق معهم بخصوص استمرارهم في مناصبهم.
لكن مصادر مطلعة أكدت لـ«القدس العربي» أن حمدوك «يرفض استمرار بعض وزراء الحركات المسلحة الذين ساندوا انقلاب قائد الجيش، ومتمسك بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، وأن الاستقالة تأتي في إطار الضغط على العسكريين لانتزاع مزيد من الصلاحيات».
وعاد حمدوك إلى منصبه بعد أربعة أسابيع من انقلاب البرهان على الحكومة الانتقالية في الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وأكد حمدوك الذي ظل قيد الإقامة الجبرية، إلى حين توقيعه اتفاق إعلان سياسي مع البرهان، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أنه وقع الاتفاق حقنا لدماء المدنيين والحفاظ على مكتسبات العامين الماضيين من عمر الفترة الانتقالية.
تصاعد الاحتجاجات
وكان ينتظر أن تهدأ الاحتجاجات بعد عودة حمدوك، نظرا لشعبيته الواسعة، إلا أن التظاهرات الرافضة للانقلاب ولاتفاق حمدوك البرهان زادت حدتها، في وقت واصلت الأجهزة الأمنية استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، الذي وصل ذروته في تظاهرات الأحد الماضي، أمام القصر الرئاسي بعد مقتل اثنين من المتظاهرين وإصابة المئات واغتصاب 13 امرأة. ووصل عدد القتلى في التظاهرات منذ الانقلاب إلى 47، ثلاثة منهم قتلوا بعد عودة حمدوك لرئاسة مجلس الوزراء.
وتظاهر مئات الآلاف الأحد، بالتزامن مع ذكرى الثورة السودانية الثالثة، أمام القصر الرئاسي متخطين كل الحواجز الأمنية والطرق والجسور المغلقة، وصولا للقصر الرئاسي، حيث أعلنت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين الاعتصام، إلا أن الأجهزة الأمنية فضت الاعتصام بعد ساعات مستخدمة القوة المفرطة.
وكان من المنتظر أن يشكل حمدوك حكومة كفاءات مستقلة بعد إبعاد قادة الانقلاب لأعضاء حكومته من قوى «الحرية والتغيير» إلا أنه لم يستطع تكوينها حتى الآن لأسباب تتعلق بعدم وجود حاضنة سياسية لحكومته المنتظرة، وتخوف المرشحين للمناصب الوزارية من الأوضاع الدقيقة في البلاد وطلبهم ضمانات لقبول الترشيح، فضلاً عن خلافات بين حمدوك والحركات المسلحة بخصوص حصصها الوزارية حسب اتفاق سلام جوبا، خاصة الحركات التي ساندت الانقلاب.
تظاهرات اليوم للتنديد بانتهاكات وقعت خلال الذكرى الثالثة للثورة
ووفق الصحافي والمحلل السياسي، ماجد محمد علي، «في حال قدم حمدوك استقالته، سيفتح الباب لتنصل العسكر من الالتزامات الدولية المقطوعة على أرضية اتفاق حمدوك ـ برهان، وتمهد الطريق لإكمال الانقلاب على التحول الديمقراطي بتعيين رئيس وزراء من الحاضنة الانقلابية، وإكمال هياكل الدولة وأجهزة الانتقال بحرية من حاضنتهم، وأيضا، الترتيب بشكل مريح لطبخ الانتخابات سواء أجريت في موعدها أو قبله».
وقال لـ«القدس العربي»: «المطلوب من حمدوك الآن، هو استعادة زمام المبادرة من داخل الدولة من أجل تنفيذ مهام وأجندة المرحلة الانتقائية، وهو تحد كبير يكامل معركة إسقاط وحصار الانقلاب في الشارع».
وشدد على أن «البلاد تواجه وضعا انقلابيا فريدا من نوعه، وأن تفكيك هذا الوضع يستلزم تكامل أدوار بين حمدوك والشارع».
واعتبر أن «تهديد حمدوك بالاستقالة يأتي في إطار تفكيك المتاريس التي تمنعه من أداء الدور الذي ارتضاه عندما قبل التوقيع على اتفاق برهان، وأن نجاحه في هذا الدور يعتمد على نجاحه في مواجهة مخططات الانقلابيين وحاضنتهم، وأيضا على استمرار معركة الجماهير في الشارع» مشيرا إلى «انعكاس هذه المعركة على أداء حمدوك نفسه بشكل واضح».
وقال إن «حمدوك لن ينجح لوحده وقد يستقيل بعد أيام» مشددا على أن «تفكيك الوضع الراهن في السودان يتطلب توحيد قوى الثورة واستمرار معركتها في الشارع، بينما يواصل حمدوك عمله على عدم سقوط الجهاز التنفيذي للدولة في يد الانقلابين، الذي يعتبر أمرا بالغ الخطورة». ولفت إلى أن «دور حمدوك مرحلي ويرتبط بالأساس بمنع اكتمال الانقلاب وانتزاع المزيد من الصلاحيات، بالإضافة إلى إنجاز ما يمكن إنجازه من مهام الانتقال وإيصال البلاد بشكل آمن للانتخابات».
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد علي، فقد أكد أن «أبرز الأسباب التي يمكن أن تجعل حمدوك يقدم استقالته هو عدم نجاحه في تحقيق التوافق الذي يمكنه من تكوين حكومته والوصول لصيغة يستطيع بموجبها القيام بمهامه من خلال جبهة مدنية تدعمه وتسانده».
وزاد: «استقالة رئيس الوزراء ستخلق فراغا واسعا، وأن اختيار بديل له سيحتاج لوقت طويل بسبب مشاكل عدم وجود الحد الأدنى من التوافق، الأمر الذي سيزيد من تعقيد المشهد السياسي الراهن». ولفت إلى أن «عدم التزام الأطراف الموقعة على الإعلان السياسي بتنفيذ مخرجاته سيسرع من انهياره».
وحسب علي «التعقيدات الراهنة في السودان ستجعل دفع عجلة الانتقال الديمقراطي في السودان أمرا متعثرا للغاية ما لم يتم حسم مسألة الجيوش المتعددة وإصلاح الجهاز التنفيذي للدولة والمؤسسات السياسية بالإضافة لحل الأزمة الاقتصادية الراهنة».
ولفت إلى أن «ذهاب حمدوك سيحدد خيارات العسكريين بتقصير الفترة الانتقالية وإقامة انتخابات مبكرة العام المقبل».
احتجاجات
وفي سياق آخر، دعت لجان المقاومة وعدد من الأجسام النسوية والمطلبية لوقفات احتجاجية وتظاهرات الخميس، تنديدا بالانتهاكات والاغتصابات التي تعرضت لها النساء في تظاهرات الأحد الماضي.
وأكد تجمع المهنيين السودانيين في بيان أمس، مساندته الكاملة لكل الوقفات الاحتجاجية والمواكب وكل أشكال المقاومة التي أعلنتها لجان المقاومة والأجسام النسوية والمطلبية لمجابهة هذه الجرائم والمطالبة بوقفها ومحاسبة مرتكبيها.
ودعا كل «القطاعات المهنية للمشاركة الواسعة والفعالة في تظاهرات الخميس» مشيرا إلى أن «نضالات النساء السودانيات وتعزيز مشاركتهن في الحياة السياسية والاجتماعية والمجال العام، هو جذر أصيل في الثورة السودانية».
واعتبر أن «انتصار السودانيات على آلة الهيمنة القمعية البالية بكل أشكالها ومصادرها وتحريرها من قيودها هي فروض وشروط أساسية لانتصار ثورة ديسمبر المجيدة والوصول لغاياتها» حسب البيان.