الخرطوم ـ «القدس العربي»: لم تعد شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، تشكو الازدحام، مثل سابق عهدها، بعد ما حولتها الحرب المندلعة منذ منتصف نيسان/أبريل الماضي، إلى مدينة للأشباح، وشردت أكثر من نصف سكانها، ما بين نازح في الولايات ولاجئ في دول الجوار.
الخرطوم ليست وحدها. حيث امتدت المعارك إلى مدن أخرى، وأشتدت على نحو مروع في إقليم دارفور، في ظل تحول القتال إلى نزاع ذو طابع قبلي، أودى بحياة والي غرب دارفور خميس أبكر، وأكثر من 1000 شخص، حسب إحصاءات حكومة إقليم دارفور. فيما قالت قبائل المساليت أن عدد الضحايا تجاوز 5000.
تحشيد قبلي
وشهدت الأشهر الأخيرة قبل اندلاع الحرب، دعوات عديدة لتكوين جيوش ذات طابع عشائري، في مناطق لم تشهد حروبا أو نزاعات، شمال ووسط البلاد، دعت بعضها إلى الانفصال وأخرى قادت خطابا رافضا لاتفاق السلام واعتبرت اتفاقات تقسيم الثروة والسلطة التي نص عليها، تؤسس لتمكين قبائل دون غيرها.
ومع تصاعد خطاب الكراهية والتحشيد القبلي، اندلعت حرب الجيش والدعم السريع، منتصف نيسان/ابريل الماضي. والتي يبدو أنها تمضي نحو تجييش المدنيين، الأمر الذي قد يقود البلاد نحو الإنهيار.
وفي وقت فتح الجيش معسكرات لتجنيد المدنيين، أعلن عدد من الزعماء العشائر في دارفور، غرب البلاد، دعم قوات الدعم السريع، داعية أبنائها من منسوبي الجيش إلى الانحياز إلى قوات الدعم السريع.
وعلى خلفية أحداث العنف في دارفور، أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، الخميس، عن فتح تحقيق جديد بشأن جرائم حرب وقعت في ولاية غرب دارفور يُزعم أن مرتكبيها عناصر يتبعون لقوات الدعم السريع.
عقوبات
وفرضت المملكة المتحدة، الأربعاء، عقوبات على شركات تابعة للأطراف العسكرية السودانية، قالت إنها تقدم الدعم المالي للجيش وقوات الدعم السريع، ما مكنها من مواصلة المعارك المندلعة منذ منتصف نيسان/ابريل الماضي.
وشملت ست شركات ضخمة، تتحدث المملكة المتحدة عن أنها واجهات وتكتلات اقتصادية تابعة للجيش وأخرى تقوم بتمويل نشاط الدعم السريع.
وطالت العقوبات شركة الجنيد للأنشطة المتعددة التابعة للدعم السريع والتي تأسست في آذار/مارس 2009 وتنشط في تعدين الذهب والمنشآت. ووفق شهادة تأسيس الشركة هي مملوكة لشقيق زعيم قوات الدعم السريع ونائبه عبد الرحيم دقلو وأبنائه عادل وعلاء الدين.
وتتهم المملكة المتحدة شركة الجنيد بتقديم عشرات الملايين على الأقل من الدعم المالي للميليشيات، لمواصلة الصراع، مشيرة إلى أنها تكتل كبير مملوك لقوات الدعم السريع أنشأه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي».
وضمت قائمة الشركات التابعة للدعم السريع، المقيدة بالعقوبات شركة «جي أس كي – GSK Advance Company Ltd – « مشيرة إلى أنها شركة واجهة رئيسية مملوكة لقوات الدعم السريع وتوفر بعض التمويل لشراء العتاد العسكري. وشركة تراديف للتجارة العامة، وهي شركة مرتبطة بقوات الدعم السريع، تزودها بالأموال والعتاد مثل المركبات التي تم تحديثها بمدافع رشاشة لقوات الدعم السريع للقيام بدوريات في الشوارع.
وامتدت العقوبات البريطانية لشركة الصناعات الدفاعية، وهو تكتل اقتصادي كبير مملوك للجيش السوداني، يضم أكثر من 200 شركة ويحقق أرباحًا قدرها 2 مليار دولار سنويًا. يواجه اتهامات بتوفير الموارد المالية للجنرال عبد الفتاح البرهان لمواصلة القتال.
كذلك، شركة سودان ماستر تكنولوجي وهي شركة سودانية تعمل في مجال بيع الأسلحة وتربطها علاقات تجارية وثيقة بمنظومة الصناعات الدفاعية، الذراع الاقتصادي والتصنيعي للقوات المسلحة السودانية التي تزودها بالأموال والمعدات. وشركة زادنا الدولية للاستثمار المحدودة المملوكة للجيش. وقالت المملكة المتحدة إنها تلقت بلاغات تشير إلى أن هذه الشركة تعد واحدة من أكبر ثلاث شركات ربحية في البلاد.
وعلى الرغم من الضغوط الدولية، والتحركات العديدة التي تقوم بها القوى المدنية لإيقاف الحرب ما تزال تتصاعد المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع داخل الأحياء والمناطق السكنية، من دون الوصول إلى نصر حاسم. بينما تزداد معاناة المدنيين العالقين وسط القتال، في ظل نقص حاد في الخدمات والغذاء.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ونظيره السعودي فيصل بن فرحان، على مواصلة جهود إيقاف النزاع في السودان.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، إن بلينكن تحدث مع فرحان، الجمعة، وناقشا عبر اتصال هاتفي الصراع المدمر في السودان وتوفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة للشعب السوداني.
وفي 3 حزيران/يونيو الماضي، أعلنت الوساطة الأمريكية السعودية، تعليق مباحثات غير مباشرة بين الجيش وقوات الدعم السريع بمدينة جدة بسبب عدم التزام الجانبين باتفاقات وقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
لاحقا، تسارعت التحركات الإقليمية لاحتواء الأزمة في السودان، وسط قلق من امتداد تداعياتها إلى الإقليم، والتي كانت آخرها قمة دول جوار السودان، التي انعقدت الخميس في القاهرة.
وأكدت مخرجات قمة القاهرة على الاحترام الكامل لسيادة ووحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والتعامل مع النزاع القائم باعتباره شأناً داخلياً، مشددة على أهمية عدم تدخل أي أطراف خارجية في الأزمة بما يعيق جهود احتوائها ويطيل من أمدها.
وأشارت إلى أهمية الحفاظ على الدولة السودانية ومقدراتها ومؤسساتها، ومنع تفككها وانتشار عوامل الفوضى بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة في محيطها، لافتة إلى التداعيات بالغة الخطورة على أمن واستقرار دول الجوار والمنطقة.
وأعربت عن قلقها البالغ إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان، منددة بالاعتداءات المتكررة على المدنيين والمرافق الصحية والخدمية.
واتفقت دول جوار السودان على تسهيل نفاذ المساعدات الإنسانية المقدمة للسودان عبر أراضيها بالتنسيق مع الوكالات والمنظمات الدولية المعنية.
وأكدت على أهمية الحل السياسي لوقف الصراع الدائر في البلاد، وإطلاق حوار جامع للأطراف السودانية يهدف لبدء عملية سياسية شاملة تلبي طموحات وتطلعات الشعب السوداني.
سبقها بثلاثة أيام، اجتماع اللجنة الرباعية لحل الأزمة السودانية المنبثقة عن إيغاد، والذي شهد مشاركة دولية واسعة.
وحضر الاجتماع فضلا عن رؤساء وممثلي قادة اللجنة ممثلون عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، والوساطة السعودية الأمريكية، فضلا عن المملكة المتحدة ومصر والإمارات. بالمقابل رفض ممثلو الجيش المشاركة احتجاجا على رئاسة كينيا للجنة إيغاد المعنية بحل الأزمة السودانية.
وأكد البيان الختامي لاجتماع اللجنة الرباعية لإيغاد، على عدم وجود حل عسكري للصراع في السودان، مشيرا إلى ضرورة حشد وتركيز جهود جميع أصحاب المصلحة لعقد لقاء وجهاً لوجه بين قادة الأطراف المتحاربة.
وحث بشدة الأطراف على وقف العنف على الفور والتوقيع غير المشروط على وقف إطلاق نار إلى أجل غير مسمى من خلال اتفاق لوقف الأعمال العدائية مدعوما بآلية فعالة للإنفاذ والرصد. ودعا إلى عقد قمة للقوة الاحتياطية لشرق إفريقيا «إيساف» من أجل النظر في إمكانية نشر قوة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية في السودان. الأمر الذي رفضه الجيش محذرا من أنه سيعتبر أي قوة تدخل أراضيه قوة معادية.
وأعرب عن قلق إيغاد العميق من تداعيات الحرب الدائرة في السودان، التي راح ضحيتها آلاف الأشخاص وتشرد ما يقرب من 3 ملايين شخص بما في نحو 3 مليون نازح وما يقرب من 615000 لاجئ عبروا الحدود إلى البلدان المجاورة.
وحذر من تصاعد الصراع وتكرر الانتهاكات المتنوعة لاتفاقيات وقف إطلاق النار وانتشار العنف خارج العاصمة الخرطوم إلى أجزاء أخرى من السودان خاصة في دارفور وكردفان، في ظل استقطاب ذو أبعاد دينية وعرقية يهدد بتعميق الأزمة في البلاد. مبديا أسفه لدفع أطراف خارجية هذا التصعيد. الأمر الذي يطيل أمد تفاقم الصراع.
ولفت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان، وأهمية اتخاذ خطوات ملموسة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية الفورية لجميع السودانيين المتضررين من النزاع مع التركيز على الفئات الضعيفة بشكل خاص، النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.