الخرطوم ـ «القدس العربي»: ارتفع إلى ستة عدد القتلى، الأحد، الذين سقطوا خلال تظاهرات نظمت السبت في الخرطوم احتجاجاً على الانقلاب العسكري، وفيما عبرت دول غربية عن قلقها بعد سقوط ضحايا، شدد القيادي في تحالف «الحرية والتغيير» مجدي عبد القيوم، على أن ما حدث «يعيد إلى الأذهان أساليب نظام عمر البشير القمعية، مؤكداً لـ«القدس العربي» أن التحالف يعتزم وضع خريطة طريق لمقاومة الانقلاب، وبالتزامن تعهد مجلس السيادة الجديد بتشكيل حكومة مدنية، خلال أيام، في حين أكد مصدر أن هذه الحكومة لن يرأسها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي عزله الجيش.
وقالت «لجنة أطباء السودان» في بيان: «ارتقت صباح اليوم (أمس) روح الشهيد مجاهد محمد فرح (15 عاما) في مستشفى شرق النيل (حكومي) شرقي الخرطوم بعد تعرضه لرصاص حي في البطن والفخذ خلال مليونية 13 نوفمبر/تشرين الثاني».
وأضافت أن عدد القتلى في صفوف المحتجين بمظاهرات السبت يرتفع بذلك إلى 6، و21 منذ بداية الاحتجاجات، في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي؛ رفضا لإجراءات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المتعلقة بحل مؤسسات الانتقال الديمقراطي.
ومن بين ضحايا السبت، الشيخ ياسر علي، الشاب السوداني البالغ من العمر 18 عاما والذي كان يتظاهر في مدينة أم درمان للمطالبة بحكم مدني.
وقال عمه لوكالة فرانس برس «حضرت تشريح الجثة وقد أظهر أنه أصيب برصاصة في الكتف أصابت القلب والرئتين». وأضاف «كان كل شيء مؤلمًا للغاية. كدت أنهار في المشرحة».
«نظام شمولي»
بعد القمع الواسع الذي واجه به العسكريون التظاهرات الرافضة للانقلاب في السودان أمس الأول، بدأت تظهر ملامح وتوجهات النظام الذي يريد البرهان بناءه في السودان. فبعد انقلابه على شركائه في قوى «الحرية والتغيير» في الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بات واضحا، بالنسبة لمراقبين، أن البرهان يسعى لعسكرة العملية السياسية في السودان، وبناء نظام شمولي، يكون الجيش فيه هو السلطة القابضة على كل مفاصل الدولة.
ويبدو أن البرهان نجح في خلق أو فرض شراكات مع الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، والتي يبدو أنها أصبحت أمام خيارين، إما العودة إلى الحرب أو الحفاظ على مكتسباتها من اتفاق السلام والمضي في شراكة، ولو مرحلية مع البرهان.
وعقد المجلس السيادي الجديد أول اجتماعاته أمس الأحد، بحضور أعضاء الجبهة الثورية الثلاثة الهادي إدريس والطاهر حجر ومالك عقار، الذين رفضوا أداء القسم مرة أخرى، واكتفوا بالقسم الذي أدوه في المجلس الأول.
وحسب بيان للمجلس، فقد «عقد مجلس السيادة الانتقالي اليوم (أمس) اجتماعه بكامل عضويته برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس، والذي رحب بالأعضاء الجدد ووعد برؤية مستقبلية جديدة تحقق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وفي مقدمتها تنفيذ شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة» تبعاً للبيان، الذي أضاف أن «الأعضاء تعهدوا بتقديم نموذج أمثل في إدارة شؤون البلاد بصورة ترضي الشعب السوداني، وتشكيل حكومة مدنية في الأيام القليلة القادمة».
ونقلت قناة «الجزيرة» عن مصدر سوداني قوله إن الحكومة التي تعهد المجلس بتشكيلها، لن يرأسها عبد الله حمدوك.
انقسام
بينما يمضي الجيش في إكمال خطوات الانقلاب، تعاني القوى السياسية في السودان من الانقسام والتشظي، فالمجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» أعلن موقفه الرافض للانقلاب ورفض التفاوض مع الانقلابيين، في وقت برزت تيارات في داخله تدعو للتفاوض، وفتح قنوات للحوار مع العسكريين.
وما بين انقلاب الجيش وانقسامات قوى «الحرية والتغيير» يبدو أن الشارع السوداني متقدم على الجميع، والسواد الأعظم منه حدد مطالبه بثلاث لاءات « لا للتفاوض، لا للشراكة، لا للشرعية» حيث خرج عشرات الآلاف من السودانيين السبت في تظاهرات رافضة للانقلاب، دعت لها لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين.
ورغم أن الجيش استطاع خلق تسوية مع قادة الحركات المسلحة، التي سبق ورفضت الانقلاب، لكن الشارع ماض في رفضه للشراكة مع العسكريين.
وفي السياق، قالت عضو تنسيقية لجان مقاومة جبرة، شاهيناز جمال لـ«القدس العربي» إن أعداد لجان المقاومة في الأحياء السودانية تضاعفت بعد انقلاب 25 أكتوبر، وإن مطالبها واضحة لا شراكة لا تفاوض لا شرعية».
وشددت على أن «لجان المقاومة ليست أداة لسلطة سياسية حاكمة، وكذلك ليست أداة في أيدي الأحزاب السياسية، وأنها ليست رد فعل، بل هي الفعل نفسه» على حد قولها.
وأضافت «أندهش عندما يتم تصوير المشهد الآن وكأنه صراع مجلس مركزي لقوى الحرية والتغيير مقابل مكون عسكري انقلابي. الصراع الآن واضح ومفهوم. صراع بين قوى الثورة الحية كلها وبين المجلس العسكري وأدوات ذلك المجلس من مدنيين انقلابيين، وهم قلة».
ارتفاع عدد قتلى تظاهرات السبت إلى 6… والشارع يواصل رفضه «الحكم العسكري»
ولفتت إلى أن «الشارع السوداني يواجه في الوقت الراهن عنف الدولة وجبروتها بكامل السلمية. المتظاهرون شهروا هتافهم فقط وأدواتهم هي أدوات المقاومة السلمية من مواكب واعتصامات وعصيان مدني شامل، إضافة لابتداع المزيد من الأدوات السلمية وتطويرها».
وتابعت إنهم في تنسيقيات لجان المقاومة المختلفة رفعوا شعار «لا تفاوض، لا شراكة، لا مساومة» وأن العودة لما قبل 25 أكتوبر ليست هدفهم فقط، بل على العكس، هم يرفضون الشراكة التي أفضت لهذا الانقلاب بالمطلق، مطالبين بإبعاد المكون العسكري من العملية السياسية، وأن يقوم بدوره في حراسة الوطن وشعبه وممتلكاته وحدوده».
وأشارت إلى أن «أي مكون له دوره ومهامه، وأن الحكم للمدنيين، وأن لجان المقاومة تنادي بسلطة مدنية كاملة لا شراكة مع المكون العسكري، وتطالب بحل الميليشيات، وإطلاق سراح المعتقلين خاصة ثوار الأحياء الذين لا يتحدث عنهم أحد، والذين تم اعتقال العشرات منهم ويواجهون الآن عنف الدولة المفرط، من قتل وتعذيب وبطش وحلق للرؤوس بالسكاكين وعنف لفظي».
انقلاب كامل
وشددت على أن «ما حدث في السودان انقلاب كامل، وأن فردا واحدا فقط قام بحل مجلس السيادة والوزراء والنقابات واللجان التيسيرية وأقال السفراء واللجان والمدراء العامين للشركات الحكومية والمشاريع الزراعية ويقوم وحده بتعيين حكومة كاملة ثم يدعي أنها حكومة مدنية».
واعتبرت أن «الانقلاب الذي قام به البرهان فرصة للمضي نحو إبعاد العسكريين من المشهد السياسي السوداني بالكامل، والوصول للحكم المدني الكامل في السودان».
وبخصوص ما حدث يوم السبت، قالت جمال إنهم «تحركوا من مناطق الكلاكلة وجبرة جنوب الخرطوم، وكانت وجهتهم نقطة التجمع المركزية لمدينة الخرطوم، محطة سبعة» مشيرة إلى أنهم «مع بداية تحركهم فوجئوا بقوات عسكرية تلقي كما هائلا من عبوات الغاز المسيل للدموع ليس فقط على التظاهرة ولكن حتى على النساء والرجال كبار السن الذين كانوا يودعونها».
في السياق، شدد القيادي في قوى «الحرية والتغيير» مجدي عبد القيوم، على أن ما حدث من قمع «مرفوض ومدان ويعيد إلى الاذهان أساليب نظام عمر البشير القمعية بشكل أكثر وحشية».
وقال لـ «القدس العربي» إن «قوى الحرية والتغيير ماضية في اجتماعاتها لوضع خريطة طريق للتعامل مع الأوضاع الراهنة ومقاومة الانقلاب، ووضع خطة للعمل السياسي في المرحلة المقبلة والاتصال مع الشارع ومع الشركاء والبعثات الدبلوماسية والدبلوماسية والمجتمع الدولي لوضع خطة لمقاومة انقلاب العسكريين».
«قوات عمالة واحتلال»
كذلك وصف تجمع المهنيين السودانيين أحداث السبت بـ«المجزرة» واصفا قادة الانقلاب بقوات «العمالة والاحتلال» مشيرا لاستخدام العسكريين للقناصة للقتل بالرصاص الحي، واقتحام الأحياء والمنازل وممارسة الاعتقال العشوائي، فضلا عن محاصرة المستشفيات والمراكز الطبية لمنع وصول الجرحى لتلقي العلاج والخدمات الطبية.
واعتبر في بيان الأحد الممارسات التي قام بها قادة الانقلاب جرائم ضد الإنسانية ويعاقب عليها القانون السوداني والمواثيق الدولية، مؤكدا لكل المشاركين فيها أنهم مرصودون وسيتم تقديمهم للمحاكمات العاجلة والناجزة.
ودعا التجمع المواطنين السودانيين لإغلاق الطرق العامة والداخلية بالمتاريس لتعطيل وشل حركة العسكريين. وأكد البيان أن المقاومة السلمية ستستمر بتنوع أدواتها حتى إسقاط المجلس العسكري الانقلابي، وتقديم المجرمين للعدالة على ما اقترفوه بحق العزل السلميين، وتأسيس السلطة الوطنية المدنية الانتقالية الكاملة النابعة من القوى الثورية الحية المتمسكة بخط التغيير الجذري وأهداف ثورة ديسمبر.
ونددت السفارة الأمريكية في الخرطوم، باستخدام القوة من جانب قوات الأمن، وقالت في بيان إنها «تأسف بشدة لمقتل وإصابة عشرات المواطنين السودانيين الذين تظاهروا اليوم من أجل الحرية والديمقراطية».
كذلك قالت وزيرة الشؤون الأفريقية في الخارجية البريطانية، فيكي فورد، إنها «قلقة للغاية بشأن التقارير التي تفيد بمقتل متظاهرين في السودان».
وأضافت، على حسابها على موقع «تويتر»: «يجب أن يكون الشعب السوداني قادرًا على التعبير عن آرائه بعيدًا عن الخوف من العنف. وعلى الجيش السوداني أن يستمع إلى الأعداد الهائلة التي تدعو إلى استعادة الانتقال الديمقراطي».
وحسب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إمدرمان الإسلامية، صلاح الدومة، فإن «المشهد في السودان يمضي نحو ثلاثة سيناريوهات، خاصة وأن وفدا من الاتحاد الأفريقي، سيصل الخرطوم اليوم.
وبين أن السيناريو الأول يتوقف على نجاح الوفد في إحداث اختراق وإعادة رئيس الحكومة عبد الله حمدوك لرئاسة مجلس الوزراء، والذي سيؤدي إلى اتزان المشهد إلى حين الانتخابات.
أما السيناريو الثاني، وفق الدومة فهو» استمرار البرهان في انقلابه وتعيين حكومة جديدة، والذي يبدو أن تقدمه سيكون صعبا، في ظل الشارع المحتقن، ومع تمسك الشارع بسلميته قد نرى المزيد من القمع، والذي قد يفضي إلى السيناريو الثالث وهو انفلات الوضع وتخلي الشارع عن سلميته والدخول في حرب شوارع وحرب اهلية والذي ستكون مآلاته سيئة للغاية».
ورأى أن «فرص الوصول لتسوية ما زالت موجودة، طالما قبل البرهان بأن يحضر أعضاء الجبهة الثورية الثلاثة اجتماعات المجلس دون أن يؤدوا القسم انطلاقا من تمسكهم بشرعية قسمهم في المجلس السيادي الأول، وأن ذلك قد يؤدي أيضا إلى تنازله عن إعادة تعيين حمدوك وقيامه بإداء قسم جديد، الأمر الذي يرفضه حمدوك».
إلى ذلك دعا المكتب الموحد للأطباء جميع الكوادر الصحية لوقفة احتجاجية مشتركة في كل من مستشفى (إبراهيم مالك ـ بحري – أمدرمان) رفضا للانقلاب العسكري، وتمسكا بحبل الديمقراطية والمدنية، وتنديداً بالانتهاكات والتنكيل الممارس ضد التظاهرات السلمية في السودان.