السودان: الخروج من مأزق دارفور

حجم الخط
0

السودان: الخروج من مأزق دارفور

د.يوسف نور عوضالسودان: الخروج من مأزق دارفور في أعقاب الاجتماع الدولي الذي شارك فيه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا لبحث الوضع في دارفور، صرح كوفي عنان أن السودان وافق علي ارسال قوات دولية مشتركة للاقليم، وقد رأي الكثيرون في ما قاله الأمين العام حلا وسطا للخلاف القائم بين الحكومة السودانية من جهة والادارة الأمريكية والأمم المتحدة من جهة أخري. ولم تكد هذه الاخبار تخرج من العاصمة الاثيوبية حتي سارعت الحكومة السودانية باعلان نفيها وقالت ان القوات الوحيدة المسموح لها بالوجود في اقليم دارفور هي قوات الاتحاد الأفريقي. وأثار ذلك استغراب الكثيرين الذين رأوا أن الحكومة السودانية ربما واجهت حرجا من خلال الاعلان المفاجئ للأمين العام للأمم المتحدة علي الرغم من أنه ركز علي حل يلتقي في منتصف الطريق مع الحكومة السودانية، وهو ما رجح الاحتمالات بأن الخلاف القائم يدور فقط حول السلطة التي تتحكم في تلك القوات. وعلي الرغم من الترحيب الأمريكي السريع بالتطورات التي أعلنت في أديس أبابا عادت الأمور من جديد الي تعقيدها، بعد أن أعلن ممثل الرئيس الامريكي جورج بوش في دارفور اندرو ناتسيوس أن علي السودان أن يتخذ قراره النهائي قبل الأول من شهر كانون الاثني (يناير) المقبل والا فستضطر الحكومة الأمريكية الي التحول الي الخطة بي ولم يوضح المندوب الأمريكي تلك الخطة، ولكن بدا الأمر وكأن الحكومة السودانية تعلم بها، ولعل ما ذهب اليه المندوب كان بسبب التغيرات السياسية في واشنطن حيث لم تعد للرئيس الأغلبية في الكونغرس، وهو ينتظر مجلسا جديدا في أول العام المقبل قد لا يقر بشكل كامل سياسة الرئيس القديمة. وقد اعترف اندرو ناتاسيوس أن هناك عدم ثقة بين الحكومة السودانية والحكومة الأمريكية وقد أوضح ناطق في السفارة السودانية في واشنطن أن لعدم الثقة بين الجانبين ما يبرره بكون الحكومة الأمريكية لم تف بوعودها التي قطعتها للسودان، ولعله كان يعني بذلك أن واشنطن لم تطبع علاقتها مع السودان علي الرغم من استجابة الحكومة السودانية لكل مطالبها بالتوصل الي اتفاق سياسي في قضية جنوب السودان وتوقيعها علي أتفاق أبوجا.ويبدو الآن واضحا أن الحكومة السودانية تدرك أن الحكومة الأمريكية ربما لا تبدو في أقوي حالاتها، فهي تواجه مشكلات في العراق وفي أفغانستان وقد يصعب عليها فتح جبهة جديدة في دارفور علي الرغم من أنه قد يكون في مقدورها أن تفتح هذه الجبهة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة السودانية.ولا يبدو أن المواجهة مع الحكومة السودانية ستقتصر علي الحكومة الأمريكية وحدها بل ستتجاوزها الي سائر الدول والمؤسسات التي تتخذ خطا مشابها لخط واشنطن، وقد أمرت الحكومة السودانية أخيرا مجلس اللاجئين النرويجي بمغادرة منطقة جنوب دارفور بعد أن اتهمته بأنه يقوم بعمليات تجسس وأنه ينشر معلومات غير صحيحة عن السودان. تتمثل في تقارير عن تحركات القوات السودانية في المنطقة وكان رئيس برنامج المساعدات الانسانية في الأمم المتحدة يان ايغلاند قد قطع زيارته في الأسبوع الماضي لاقليم دارفور بعد أن أخطرته السلطات الحكومية أن رحلاته للمناطق خارج العاصمة قد لا تكون آمنة. وتوضح كل هذه التطورات أن المجتمع الدولي لم يجد حتي الآن الصيغة المناسبة التي يتعامل بها مع الحكومة السودانية وأن الطرفين يمضيان في تنفيذ أجندتهما دون أن تكون بينهما أرضية مشتركة للتفاهم وذلك ما يدعونا لأن نتوقف عند أسباب الخلاف بين الطرفين وكيفية معالجتها.أولا لا بد أن نتساءل هل الخلاف بين الحكومة السودانية والحكومة الأمريكية يرتكز أساسا علي ما يجري في دارفور؟كل الدلائل تشير الي غير ذلك ولا يبدو حقيقة أن الحكومة السودانية لها مصلحة في صراع دارفور علي الرغم من قول الكثيرين ان الحكومة تساند الجنجويد لأنهم يكبتون المعارضة لها في دارفور وهو قول لا يبدو أنه يقوم علي منطق سليم لأنه لا يحدد من هؤلاء المعارضون؟ ولماذا يتخذون مواقف قتالية علي هذا النحو مع الحكومة السودانية؟ حقا هناك من قال ان حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي كانت له يد في تحريك الأحداث ولكن كل الدلائل تشير الآن الي أن الصراع لا علاقة له بتيارات دينية تريد أن تصل الي السلطة بقدر ما أصبح يرتكز علي قضايا جهوية وجدت مرتكزا لها في قضية الجنوب، ولكن ذلك بكل تأكيد ليس حافزا للحكومة الأمريكية لترمي بكل ثقلها لنصرة فريق علي آخر، خاصة أن الحكومة الأمريكية لا يبدو أنها تغلب خيارات مختلفة من أجل حل مشكلة دارفور، كما أن كل دعاواها في ما يتعلق بالوضع الانساني في الاقليم لا تجد صدي بكون السودانيين بصفة عامة سواء كانوا في الحكومة أو المعارضة لم يعودوا يهتمون بالمواقف الأمريكية لأنه لو كانت الحكومة الأمريكية تستهدف أغراضا انسانية في اقليم دارفور كان بامكانها أن تساعد بتقديم المعونات الانسانية لا أن تركز فقط علي الجوانب العسكرية التي تنظر اليها الحكومة السودانية بمنتهي الريب ليس خوفا من الوجود العسكري ذاته بل لأن مجرد قبول الوجود العسكري الاممي علي أرض سودانية في مثل هذا الوضع يعني اعترافا من جانب الحكومة السودانية بأنها طرف في هذا النزاع وأنها تقوم بالدور الذي تنسبه اليها الولايات المتحدة في مساعدة الجنجويد، ولكن هل تستطيع الحكومة السودانية أن تواجه المجتمع الدولي منفردة؟في الواقع كانت الحكومة السودانية ترجو موقفا عربيا قويا ولكن الجامعة العربية تمر بمرحلة ضعف لم تعرفها في تاريخها كله، كما ظلت الحكومة ترجو أن تجد دعما قويا من الاتحاد الأفريقي، ولا شك أنها تلقت دعما محدودا من الاتحاد وهو لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك لأن القضية طرفاها ينتميان الي نفس القارة ولأن الاتحاد الأفريقي لا يملك الامكانات المادية التي تجعله يدعم وجوده في دارفور، وحتي لو كانت له هذه الامكانات فهو لا يوظفها في هذه المرحلة في مثل هذه الأعمال، ولا ينفي ذلك وجود تحرك أفريقي محدود كما حدث في القمة المصغرة التي عقدت في طرابلس والتي وجهت دعما معنويا محدودا للحكومة السودانية وحاولت أن تتوسط بين السودان وجارتيه تشاد وأفريقيا الوسطي وهي وساطة لن تجدي كثيرا ليس بسبب تعقيد المشكلة بل بسبب ان القوي الأجنبية وعلي رأسها الولايات المتحدة لا تريد حلا وتريد أن تورط السودان في مشكلة كبيرة لتحقيق أهداف خارجية، ولا نستطيع أن نري أهداف الولايات المتحدة الا من زاويتين الأولي عدم رضاها عن وجود نظام اسلامي في بلد افريقي كبير مثل السودان والثاني ادراكها وخاصة من جانب اليمين المتطرف أن تسبيب مشكلات للسودان ستنعكس في المستقبل سلبا علي مصر وبالتالي ستوظف لصالح اسرائيل.ولا شك أن أمام السودان الكثير الذي يستطيع فعله من أجل تجاوز هذا المأزق، ليس ذلك فقط بالمواجهة التي تحمل مخاطر كثيرة ـ أولها احضار الحرب الي داخل السودان وثانيها عدم التأكد من أن جميع الأطراف ستساند الحكومة حين تأتي ساعة الجد ـ بل باعادة النظر بشكل كامل في المنطلقات السياسية للحكومة التي اتضح أنها لا تلبي احتياجات السودان الحقيقية، ذلك أن بلدا متعدد الثقافات والأعراق مثل السودان لا يمكن أن يحكم من خلال أيديولوجية واحدة أو من خلال حزب صغير بل يجب أن يمثل نظام الحكم فيه كل ألوان الطيف، وهذه مسألة بدأت تظهر بشكل واضح الآن، وستزداد وضوحا حين تجد الحكومة نفسها متورطة في التزامات مادية كبيرة لا تستطيع تلبيتها بسبب تقسيم الموارد علي أقاليم غير منتجة ووضعها في أيدي أشخاص ليسوا موثوقين في ذممهم أو أهدافهم. ومؤدي قولنا أن الوضع في السودان في مرحلته الراهنة لا يحتاج فقط الي صمود في مواجهة قوي خارجية بل هو في الأساس يحتاج الي حلول عقلانية لا يمكن أن تتحقق الا من خلال توسيع دائرة الحكم والعودة الي نظام تشاركي لا يعتمد علي متطلبات الأيديولوجية والنظرة الحزبية الضيقة. ہ كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية