كيف يمكن التفكير بأقل قدر من الانفعال بشأن الفيديوهات التي تسربت وانتشرت بعد عودة شبكة الإنترنت بعد قطعها عشية فض الاعتصام أمام مباني قيادة القوات المسلحة في العاصمة السودانية الخرطوم؟
تطرح الفيديوهات مجموعة من الأسئلة المشروعة:
هل كان اعتراف الفريق الكباشي بأن كل القيادات العسكرية قد اتخذت قرار فض الاعتصام في حضور القضاء والادعاء العام لأخذ مشورتهم؟ هل كان في ذلك الاعتراف إخفاء للحقيقة؟ هل كان ذاك الاعتراف حقيقياً أم انه تحمُّل جماعي لجريمة ارتكبها عضو واحد من أعضاء المنظومة؟
هل كان ذلك الاعتراف الجماعي يتضمن تسليم أشرطة فيديو تم فيها تصوير فقرات من عمليّة فض الاعتصام بغية التحكم في بعض عناصر الاعتصام وتركيعهم عند اللزوم؟
هل مصوّر أشرطة الفيديو متطوّع أم محترف، وهل أقدم على عمل كهذا بدون إذن من سلطة عليا؟ ولما لم يثر إقدامه على التصوير اعتراضا من زملائه؟
من الذي احتفظ بالصور طوال هذه الفترة الممتدة من 4 حزيران/يونيو إلى 9 تموز/يوليو 2019 وأين احتفظ بها؟ وهل كان قطع الإنترنت قد تم بقصد منع تسرب الفيديوهات؟ وهل يفهم في هذا السياق فهم ما قاله أحد أعضاء المجلس العسكري بان قطع الإنترنت يمثل إجراءً يتعلق بالأمن القومي؟
ما الهدف وراء تسريبها ونشرها الآن؟
القتلى والانتهاكات
منذ أن تم فض الاعتصام كانت ثمة تقديرات تشير إلى أن هناك جريمة أكبر وصور فيديو أكثر ولأهداف متعددة، لذلك ارتفعت عدة أصوات مطالبة بإعطاء أولوية لعملية التحقيق في كل عملية فض الاعتصام. وقد حاول المجلس العسكري أن يقيم مغالطة بشأن تقديرات نقابة الأطباء وتقديرات وزارة الصحة حول عدد القتلى، ولكن أي حكومة تحترم نفسها كانت ستهتم بعدد المفقودين، فهو المعيار العددي الذي تبدأ منه أي محاولة للتحقق من عدد القتلى والجرحى والغرقى والذين ما زالو مجهولي المصير. إن ما تظهره الفيديوهات يمثل عملية استباحة تقوم بها جيوش أجنبية غازية في أزمان غابرة.
كان الفريق البرهان قد قال إنهم أوقفوا المفاوضات حين سمعوا بعض أعضاء الفريق المفاوض لهم يقول “لقد كسبنا”؛ إن ما تظهره الفيديوهات يمثل استباحة كاملة شملت نساء وأطفالا وصبيانا وصبيات وشريحة اجتماعية وصلت لما قد يبلغ حد اليقين بالأمان في ذلك المكان بعد أن طمأنهم القادة العسكريون بانه لن يتم فض الاعتصام. وجاء تنفيذ المذبحة في فجر يوم 3 حزيران/يونيو الموافق 29 رمضان من الساعة الثالثة وحتى التاسعة صباحاً.
الفيديوهات
إن الفيديوهات البشعة بما حملته من عنف وقتل وإذلال واغتصاب تفرض الآن على كل المشاركين في عمليات التفاوض الماضية والآنية والمقبلة اعتبار التحقيق في عملية فض الاعتصام أولوية، وأن أيّ معيق لها يعتبر مجرماً وأيّ إعاقة لها جريمة ويُحوّل التفاوض من ممكن على تقاسم سلطة بين عسكريين ومدنيين إلى تفاوض مستحيل لتقاسم سلطة بين مجرمين وضحايا.
إن ما حدث يجعل التحقيق في المذبحة على رأس أولويات المرحلة الانتقالية.
وهناك أسئلة أخرى يمكن التحقق منها بسهولة مثل: من هم العسكريون الذين ظهروا في الفيديوهات؟
وبالطبع فإن ظهور فيديو واحد من هذه الفيديوهات يلزم القيادة العسكريّة والمدنيّة بإجراء تحقيق عاجل حوله.
ونتساءل كيف يُسمى أو يُعرّف المجلس العسكري بأنّه المجلس العسكري الحاكم – بينما الذين يظهرون في الفيديوهات ويقتلون الناس ويذلونهم عسكريون يرتدون الزي العسكري؟
تفشي الحقد
كنت أود الكتابة عن التحديات التي ستنتصب أمام الحكومة بعد التوقيع على الاتفاق من جانب المجلس العسكري وقوى بيان الحرية والتغيير، فاستطلعت آراء البعض وعلى رأسهم احمد الحاج، وهو زميل دراسة سابق لم يغادر السودان إلى المهاجر، عن تصوره لهذه التحديات فقال “على المدى القريب لا أشك في نية الطرفين الشريكين في تنفيذ الاتفاق: أما على المدى البعيد فإن أكثر ما أخشاه هو الحقد الدفين الساكن في صدور الإسلامويين والمتمثل في رفضهم الظاهر لأي تحول ديمقراطي للمشهد السياسي في البلد، بل أخشى أن تكون لديهم خلايا داخل القوات المسلحة تقامر بالقيام بانقلاب على السلطة التي توقع الآن على الاتفاق، وأضيف بأن الإسلاميين هم مجموعة لا تعرف ممارسة العمل السياسي بهدوء وروية وانما يلجأون دائماً للعصا والبندقية، وبعد ذلك يفشلون في الحكم”. ويضيف احمد قائلاً إن “النقطة الهامة الأخرى – احدى غايات الثوار، هي محاكمة الفاسدين الذين نهبوا مليارات ودفعوا بالملايين نحو خانات الفقر المدقع. أخشى أن يتباطأ العسكر في محاكمتهم وذلك مما يشكك في أنهم على علاقة بالحكام السابقين. فإذا مرت الأشهر الأربعة الأولى بسلام فلا خوف علينا”.
عوائق
قال مدني عباس مدني، أحد قادة قوى بيان الحرية التغيير في لقاء جماهيري يوم 9 تموز/يوليو في حي كوبر في مدينة الخرطوم بحري “كلما أحرزنا تقدماً في مسار التفاوض واجهتنا عمليات إعاقة كبيرة” فهل تسرب وانتشار أشرطة الفيديو “عملية إعاقة كبيرة أخرى”؟ قد تكون. ولكنها وضعت التحقيق في عمليّة فض الاعتصام، وما صاحبها من جرائم وما تمخض عنها من أدلة نقلتها الفيديوهات، أولويّة تكاد تكون دوليّة.
خطوط حمراء
كتب عثمان النصيري مؤخراً مقالة تم نشرها وتداولها على نطاق واسع تحت عنوان “الجريمة والعقاب” تناول فيها حديثا دار في مؤتمر كان مترجماً فيه حضره نصر أبو زيد وجورج طرابيشي وآخرون، وقال أن “الفقيدة مي غصوب، الناشرة اللبنانية، تساءلت: كيف نفسر الاغتصابات واسعة النطاق التي وقعت في البوسنة بينما لم تجر تلك العمليات البشعة طيلة خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية في لبنان؟ أجاب كاتب فلسطيني من المختصين بالأمراض العصبية لا أذكر اسمه، أن الاغتصاب يمثل خطاً أحمر في ثقافتنا يستحيل بعده التعايش أو التساكن بين مجموعتي الجناة والضحايا”.
وأضاف النصيري يقول: “أفهم هذا التفسير إذا كان من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً فإن من اغتصب امرأة واحدة فالوزر لا يكون عليه وحده وانما تحمله بالمثل من تستر عليه أو قام بحمايته، بذلك فان مجلس العسكر الكيزان بجنجويدهم يحتلون منزلة التواطؤ إن لم نقل التحريض على ارتكاب المزيد”. وأضاف النصيري “الجوهر هو الاعتراف بكرامة الفرد والإقرار بوقوع الانتهاكات وضرورة الانصاف بشأنها فضلا عن العمل على عدم تكرارها. هناك أهداف تكميلية تتمثل في جعل سبيل النفاذ إلى العدالة سالكاً ميسوراً للمستضعفين عقب الانتهاكات واحترام حكم القانون وتيسير عمليات السلام ورعاية التسويات المستدامة للنزاعات ومبدأ المصالحة وبرامج التعويض والاسترداد وتأسيس قاعدة لتحري الأسباب الكامنة وراء النزاعات وغيرها”.
المعتل النفساني والمعتل الاجتماعي
أما طبيب الطب النفساني الدكتور مجدي اسحق، فأورد في معرض تحليله لجرائم القتل والاغتصاب التي حملتها الفيديوهات اللعينة ان “علم النفس يقسم عالم الوحوش إلى معتل نفسي وهو الذي يحرك الخيوط؛ ومعتل اجتماعي وهو الذي يقوم بالتنفيذ”.
يعتبر مجدي اسحق أن المعتل النفسي والمعتل الاجتماعي يشتركان في السمات العامة بذاتيتهما المفرطة المريضة مع فقدان الاحساس والتعاطف واحاسيس عقدة الذنب والندم. ويختلفان في أن المعتلين النفسيين عادة يكونون أكثر ذكاء ومقدرة في إخفاء مشاعرهم والسيطرة على انفعالاتهم مما يجعلهم ناجحين اجتماعياً وأكثر مقدرة في السيطرة على الآخرين وتحقيق مطالبهم. بينما يكون المعتل الاجتماعي أقل ذكاء وأقل سيطرة على مشاعره وأكثر دموية وعنفاً. ويحتاج المعتل النفسي، الذي عادة لا يلوث أياديه بالدماء، للمعتل الاجتماعي لتحقيق أهدافه وتنفيذ جرائمه بالنيابة عنه.
ويستنتج مجدي اسحق أن المعتل الاجتماعي يكون في الواجهة وينال النصيب الأعلى من الذنب والعقاب لأن أياديه هي الملطخة بالدماء ولكن في الحقيقة فإن المعتل النفسي إن لم يماثله في الجرم فهو أسوأ منه وأكثر خطراً وتوحشاً. لذلك، يخلص إلى أن “الحملة الغاضبة ضد الجنجويد وكوادر الأمن وكتائب الظل والمطالبة بالقصاص تغفل عن منطق العلم وحقائقه عندما تنظر فقط لمن ضغط الزناد وتتجاهل من صنع الوحوش وأطلقها من عقالها”.