على الرغم من إعلان أطراف القتال في السودان الهدنة نحو سبع مرات، منذ انطلاق مفاوضات جدة، ظلت تتواصل الخروقات وسط أوضاع إنسانية بالغة التعقيد.
الخرطوم ـ «القدس العربي»: وسط حالة من الترقب الحذر، أعلنت أطراف النزاع في السودان، هدنة جديدة، ليوم واحد، بدأت صباح أمس السبت، جاءت بعد أكثر من أسبوع على تعليق المباحثات المتعثرة بين الجانبين، بوساطة أمريكية سعودية.
وأفاد شهود عيان بأن العاصمة السودانية الخرطوم، شهدت مع انطلاق الهدنة، صباح السبت، حالة من الهدوء، ولم يسمع صوت دوي انفجارات أو تبادل إطلاق نار. فيما أبدى مواطنون تحدثوا لـ«القدس العربي» تخوفهم من عدم التزام الجانبين بوقف العدائيات مشيرين إلى إعلان الجانبين الهدنة عدة مرات دون جدوى منذ اندلاع المعارك منتصف نيسان/ابريل الماضي.
على الرغم من إعلان أطراف القتال في السودان الهدنة نحو سبع مرات، منذ انطلاق مفاوضات جدة في 6 أيار/مايو الماضي، ظلت تتواصل الخروقات وسط أوضاع إنسانية بالغة التعقيد بلغت ذروتها في العاصمة الخرطوم وولايات إقليم دارفور غرب البلاد.
وبذات الوتيرة السريعة التي تصاعدت بها الحرب، جاء الجلوس للتفاوض،على الرغم من إعلان الجانبين رفض ذلك الخيار بشكل مطلق، والتي انطلقت بشكل غير مباشر، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بوساطة سعودية أمريكية في مدينة جدة الساحلية في 6 أيار/مايو الماضي. إلا أن الأوضاع على الأرض ما تزال تراوح مكانها. لاحقا بعد نحو أربعة أسابيع أعلنت تعليق الوساطة بسبب عدم التزام الأطراف السودانية بوقف إطلاق النار. وحسب بيان مشترك للوساطة الأمريكية السعودية، فإن هدنة السبت، الغرض منها إيصال المساعدات الإنسانية، وكسر حالة العنف والمساهمة في تعزيز تدابير بناء الثقة بين الطرفين بما يسمح باستئناف مباحثات جدة. فيما حذرت من أن حالة عدم التزام الطرفين بهذه الهدنة، سيضطر الوساطة إلى تأجيل المباحثات.
وقالت واشنطن والرياض، انهما يتشاركان مع الشعب السوداني حالة الإحباط من عدم الالتزام بالهدن السابقة.
ويشمل اتفاق هدنة اليوم الواحد، التزام الجيش وقوات الدعم السريع بوقف الهجمات والقصف المدفعي والجوي وعدم استخدام الطائرات المسيرة وتحريك القوات وعدم تمركزها وامدادها. وعدم السعي للحصول على ميزة عسكرية أثناء فترة وقف إطلاق النار.
وقالت الوساطة أن الجانبين اتفقا على السماح بحرية الحركة للمساعدات الإنسانية ووصولها إلى جميع أنحاء البلاد.
ورأى المحلل السياسي مصعب محمد علي، في حديثه لـ«القدس العربي» أن الأطراف العسكرية ترى أن المعارك العسكرية الجارية قد تحقق نتائج، الأمر الذي ساهم في عدم الالتزام باتفاقات الهدنة السابقة. فيما تعد هدنة اليوم الواحد فرصة لإعادة الثقة من أجل وقف إطلاق نار دائم.
وأشار إلى أن إعلان جدة يأتي في إطار محاولات الأطراف الإقليمية والدولية الوصول لتسوية للأزمة السودانية والذي يمكن التأسيس عليه في المفاوضات الأيام المقبلة.
وقال إن الوضع الإنساني يأتي في قائمة الأولويات باعتبار أن المدنيين متضررين جراء الحرب الجارية الآن لذلك تم البدء بالترتيبات الإنسانية متوقعاً أن تكون الخطوة الآتية بداية فعلية لجولة تتعلق بإيقاف دائم لإطلاق النار، بالرغم من أن الأطراف ترى في المعارك العسكرية الجارية أنها ستحقق نتائج.
ورأى بأن ما يدور على الأرض حالياً له تأثير كبير على الدخول في مفاوضات، لأن استمرار الحرب يعني إنهاك الجانبين وخروج الأمر عن السيطرة وربما يوسع رقعتها بدخول أطراف جديدة تجعل الأزمة أكثر تعقيدا مما هي عليه.
وعلى الرغم من تعثر مباحثات جدة، وعدم التزام الأطراف السودانية بما تم إبرامه من اتفاقات بخصوص حماية المدنيين ووقف إطلاق النار، وصولا إلى تعليقها الأسبوع قبل الماضي، إلا أن المحلل السياسي، عبد الله رزق، اعتبر في حديثه لـ«القدس العربي» إعلان جدة، خطوة إيجابية إلى الأمام، مع أنها لم تحدث أثرا ملموسا وفوريا على واقع الحرب اليومي. وليكون الإعلان حاكماً، وفق رزق يتعين أن يتحول لاتفاق أو عدة اتفاقات، وهو يمهد لما سيأتي لاحقاً من محصلة تفاوض الطرفين، في جدة، من اتفاقات حول أجندة مبرمجة أشار إلى أن أولها وقف إطلاق نار قصير المدى للحاجات الإنسانية ومراقبته وحماية المدنيين ووضع جدول أعمال المفاوضات اللاحقة. وصولا إلى اتفاق وقف إطلاق نار دائم وما يرتبط بذلك من التزامات، مثل نقل القوى العسكرية خارج العاصمة، وتفكيك الميليشيات وتسريحها وإعادة دمج منسوبيها.
وأضاف: المرحلة الختامية، للمباحثات، تتعلق بالمشاورات السياسية لتكوين حكومة مدنية، والتي يتوقع أن تشمل القوى السياسية المدنية.
وأكد المحلل السياسي، أنه ما لم تنجز هذه الاتفاقات والتي تتعلق بوقف إطلاق النار على المديين القصير والدائم، فإن إعلان جدة لن يكون أكثر من إطار أخلاقي، لكنه ملزم باتفاق طرفيه، أثناء انخراطهما في الحرب.
ورأى أن إعلان جدة، يشكل موقفاً مبدئياً ضد الحرب في أنحاء البلاد المختلفة، وداخل العاصمة، أكبر تجمع سكاني واقتصادي في البلاد. إذ أن الاستمرار في الحرب بشكلها الراهن وسط المدنيين والمنشآت المدنية، هو أمر يرقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
وعلى الرغم من التداعيات الراهنة، رجح أن لا تطول الحرب إلا إذا تدخلت قوى خارجية لدعم أحد الطرفين أو كليهما. موضحاً أنه بدون تدخل خارجي، فإن الحرب قد تتوقف تلقائيا بسبب الإرهاق واستنفاد القوى وبلوغ سقفها «العبثي».
وفيما يلي الضمانات لتنفيذ مخرجات مباحثات جدة حال استئنافها، رأى المحلل السياسي آمين مجذوب أن التمثيل الرفيع لممثلي الجانبين والوساطة القوية الأمريكية السعودية التي تمثل المجتمع الدولي والإقليمي فضلا عن استخدام آلية رقابة قد تكون باستخدام تكنولوجيا عالية الجودة لمعرفة من يخرق الهدنة ووقف إطلاق النار، تشكل ضمانات جيدة.
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن المباحثات، المرتقب استئنافها حال التزام الجانبين بالهدنة الأخيرة، ما تزال في مرحلتها الحالية عسكرية. وبعد تنفيذ وقف إطلاق النار والآلية المطلوبة للمراقبة والفصل بين القوتين، قد تتطلب المرحلة التالية عقد مفاوضات لمناقشة جذور الأزمة السياسية، تناقش أصل المشكلة المتعلق بالاتفاق السياسي ودمج قوات الدعم السريع في الجيش والذي تسبب في اندلاع المعارك في البلاد.