لندن ـ «القدس العربي»: من المرتقب، خروج تظاهرات، اليوم السبت، منددة بالانقلاب الذي نفذه الجيش في السودان، وسط دعوات دولية للعسكر، لعدم استخدام العنف، تزامنا مع كشف مصادر مطلعة أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، يحاول إقناع رئيس الحكومة (التي جرى حلها) عبد الله حمدوك، بالعودة إلى المنصب، شريطة أن يختار الجيش حكومة جديدة.
وكان البرهان، أعلن الإثنين حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وإعفاء الولاة وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية الخاصة بالمرحلة الانتقالية، وقبل ساعات من هذه القرارات نفذت السلطات اعتقالات شملت حمدوك (تم الإفراج عنه لاحقا) ووزراء ومسؤولين وقيادات حزبية.
«محاكمات عاجلة»
وأعلنت «تنسيقية لجان المقاومة» في السودان، الجمعة 7 مطالب للثوار خلال التظاهرات الحاشدة التي دعت إليها قوى سياسية عدة اليوم السبت ضد ما سمته بـ «الانقلاب العسكري».
ووفق بيان للتنسيقية، فإن الثوار حددوا مطالبهم في تظاهرات 30 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وأبرزها «إسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة كاملة للمدنيين، وتسليم جميع أعضاء المجلس الانقلابي لمحاكمات عاجلة وفورية بتهمة الانقلاب العسكري».
وقال بيان التنسيقية إن «لا حوار ولا تفاوض مع أي من أعضاء المجلس العسكري الانقلابي، وكل أعضاء اللجنة الأمنية ورفض المحاور الدولية». كما طالبت بـ«حل كل الميليشيات المسلحة وإعادة تكوين قوات الشعب المسلحة خلال فترة محددة، وفق عقيدة وطنية هدفها حماية حدود الوطن وحقوق الشعب في الحرية والسلام والعدالة». ودعت إلى «إبعاد القوات النظامية من العملية السياسية نهائيا، بتجريم ومنع ممارسة السياسة من جانب العسكر، وتكوين كل هياكل السلطة الانتقالية في فترة محددة، بإشراف الكيانات المهنية والأكاديمية». وشددت تنسيقية لجان المقاومة على «الاستقلالية التامة لسيادة الدولة السودانية بشأن كل القرارات الاقتصادية والسياسية والأمنية» وفق البيان ذاته.
وفي السياق ذاته، دعا «تجمع المهنيين السودانيين» إلى «جعل مليونيات 30 أكتوبر/تشرين الأول ضربة مزلزلة لإسقاط المجلس العسكري وتسليم السلطة كاملة لحكومة مدنية ترشحها القوى الثورية». وطالب التجمع، في بيان نشره الجمعة على فيسبوك، بـ «تقديم جميع أعضاء المجلس العسكري الانقلابي للمحاسبة على جرائمهم منذ 11 أبريل/نيسان 2019 (عزل الجيش للرئيس السابق عمر البشير من الرئاسة)» مشددا على أنه «لا تفاوض مع المجلس».
واعتبر أن «كل من يقبل أو يشارك في مثل هذا الحوار يفتقر للتفويض من الشارع» مشددا على أن «من يعمل لإعادة إنتاج الشراكة المقبورة سيسقط معها».
وطالب التجمع كذلك بـ«حل جهاز أمن الإنقاذ وكل الميليشيات المسلحة وعلى رأسها ميليشيا الدعم السريع فورا، وإعادة هيكلة قوات الشعب المسلحة وفق عقيدة مهنية ووطنية هدفها حماية الوطن والدستور». ودعا إلى «إنهاء سيطرة وتدخلات المحاور الإقليمية والدولية المعادية للإرادة الحرة للسودانيين في العملية السياسية وتحريضها للإضرار بمصالح الشعب السوداني وحقه في حكم نفسه».
في الموازاة، حض الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الجيش السوداني على «ضبط النفس» خلال التظاهرات المرتقبة اليوم في الخرطوم. وقال خلال مؤتمر صحافي الجمعة عشية افتتاح قمة مجموعة العشرين في روما «أدعو العسكريين إلى إظهار ضبط النفس وعدم التسبب في سقوط مزيد من الضحايا. يجب أن يسمح للناس بالتظاهر سلميا».
وافادت لجنة أطباء السودان المركزية أن ثمانية متظاهرين على الأقل قتلوا وأصيب أكثر من 170 آخرين في مواجهات مع قوات الأمن منذ الانقلاب الذي نفذه الفريق أول عبد الفتاح البرهان الاثنين، قاطعا الطريق على عملية انتقال ديمقراطي وانتخابات حرة مقررة نهاية 2023.
البرهان يحاول إقناع حمدوك بالعودة لمنصبه مشترطا اختيار الجيش للحكومة الجديدة
وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية إن المظاهرات المقررة اليوم السبت ضد استيلاء الجيش على السلطة في السودان، ستكون اختبارا لنوايا الجيش من الآن فصاعدا. وحث القوات المسلحة، على الإحجام عن أي شكل من أشكال العنف ضد المحتجين. وأضاف المسؤول، الذي تحدث للصحافيين، وطلب عدم نشر اسمه، أن واشنطن تشعر بالارتياح للسماح لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك بالعودة إلى منزله، لكنه لا يزال رهن الإقامة الجبرية، ولا يمكنه مواصلة عمله.
وتابع أن واشنطن تطالب البرهان باتخاذ خطوات لإعادة الحكومة، مشيرا إلى أن سعي السودان للحصول على عشرات المليارات من الدولارات لتخفيف عبء الدين لن يتحقق إذا واصل الجيش محاولات قيادة البلاد منفردا. والأربعاء، أفادت السفارة الأمريكية لدى السودان بأن الاحتجاجات الشعبية المناهضة للجيش في العاصمة السودانية أسفرت عن سقوط 13 قتيلا و100 جريح منذ الإثنين.
مدينة أشباح
ورغم قطع الإنترنت في البلاد، ينظم المتظاهرون أنفسهم للنزول إلى الشوارع في الخرطوم ومدن أخرى. ورغم إعلانه حل النقابات المهنية، إلا أن هذه المؤسسات التي دعت الى «عصيان مدني» وما زالت تحشد أعضاءها وقادرة على تنظيم «إضراب عام» حول العاصمة السودانية إلى مدينة أشباح منذ الإثنين. ويحاول العسكريون إسكات المعارضة عبر اعتقال شخصيات سياسية وناشطين وأشخاص بشكل عشوائي وكذلك بالسيطرة على وسائل الإعلام.
واقتحم جنود مقر التلفزيون الرسمي الذي أقيل رئيسه الخميس، وقد كان مدافعا شرسا عن الحكم المدني. كما اقتحموا مقر وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا). وتتعرض وسائل الإعلام الخاصة كذلك الى الترهيب.
واستهدفت أمس الجمعة صحيفة «الديمقراطي» عندما جاء جنود وأرغموا حارس المبنى على الرحيل، وقالوا له «لا تعد» وفق ما روى أحد الصحافيين في الوسيلة الإعلامية.
والخميس، تم وقف جميع المحطات الإذاعية التي تبث على موجة «أف أم» ومن بينها راديو «هلا».
ونقل التلفزيون الرسمي خطبة الجمعة، التي دعت إلى دعم العسكريين. وقال الخطيب، الذي جلس قبالته العديد من الجنود بزيهم العسكري، «لا بد أن يكون لنا ولاء وحب للقوات النظامية وألا نسيء إليها». وأضاف «إن أسأت لقواتك النظامية، فكأنك أسأت إلى وطنك».
«ليس لدينا اعتراض»
وحول الدعوة إلى احتجاجات اليوم، قال البرهان لوكالة «سبوتنيك»: «ليس لدينا اعتراض على التظاهر السلمي فهو حق مكفول ومشروع، ومتى ما كانت المظاهرات سلمية القوات الأمنية لن تتدخل». وبخصوص مصير المسؤولين الموقوفين، قال: «هناك لجنة قانونية تعمل على تصنيفهم ومن وجدت في مواجهته تهمة سيحال إلى الأجهزة العدلية ومن لم تجد في مواجهته تهمة سيخلى سبيله». وبين أن «الحكومة الجديدة سيقودها تكنوقراط». وأضاف «لن نتدخل في اختيار الوزراء».
وتابع: «سيختارهم رئيس الوزراء الذي سيتوافق عليه من مختلف قطاعات الشعب السوداني ولن نتدخل في من يختاره». وأضاف أنه سيتم تعيين أعضاء جدد في مجلس السيادة وهو هيئة مدنية عسكرية حلها البرهان أيضا».
وكان البرهان قد أكد في خطاب ألقاه الخميس إنه عرض على حمدوك فرصة العودة كرئيس للوزراء. وبين في الخطاب الذي بثته قناة الجزيرة «الليلة دي أرسلنا له الناس ودخلنا له و(قلنا له). كمل معانا المشوار حتى قعدتنا وقعدتكم دي أرسلنا ناس يتفاوضوا معه وما زال لدينا أمل».
وتابع قائلا «قلنا له احنا نضفنا لك الميدان الآن… وهو حر يشكل الحكومة، ما بنتدخل في تشكيل الحكومة، أي زول (أحد) يجيبه ما هنتدخل إطلاقا».
ولم يصدر رد علني على الفور من حمدوك على الاقتراح بإمكانية عودته لكن حلفاءه، قالوا سابقا إنه يريد استعادة الدور المدني في الحكومة وإطلاق سراح جميع الوزراء المحتجزين.
وقال وزير في حكومة حمدوك المخلوعة، طلب عدم الكشف عن هويته، إن أعضاء الحكومة لا يعارضون التنحي جانبا لتشكيل حكومة جديدة شريطة أن يقودها ويختارها حمدوك وأن يتم استعادة الاتفاق الانتقالي بالكامل. وكشفت مصادر مطلعة أن البرهان، يحاول إقناع حمدوك، بالعودة إلى المنصب، شريطة أن يختار الجيش حكومة جديدة، حسب ما ذكرته وكالة بلومبرغ للأنباء. ويرى البرهان أن مشاركة حمدوك أساسية من أجل بناء مصداقية دولية للإدارة الجديدة، وفقا لما ذكرته المصادر التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها.
«ليس انقلابا»
ويؤكد البرهان أن قراراته «ليست انقلابا» إنما هي إجراءات «لتصحيح مسار الثورة».
لكن المجتمع الدولي يصعد الضغوط على العسكريين. وطالب مجلس الأمن الدولي، في بيان صدر بإجماع أعضائه الخميس العسكريين في السودان «بعودة حكومة انتقالية يديرها مدنيون» مبديا «قلقه البالغ حيال الاستيلاء العسكري على السلطة». وقال الرئيس الأمريكي، جو بايدن «رسالتنا إلى السلطات العسكرية في السودان واضحة، ينبغي السماح للشعب السوداني بالتظاهر سلميا، وإعادة السلطة إلى الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون» مؤكدا أن «الولايات المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوداني ونضاله اللاعنفي للمضي قدما نحو أهداف الثورة السودانية».