الخرطوم ـ «القدس العربي»: احتدم القتال في السودان، الجمعة، بالتزامن مع تعليق الوساطة السعودية الأمريكية لمحادثات جدة، بعد اتهام الطرفين بارتكاب انتهاكات جسيمة متكررة لوقف إطلاق النار، ما عرقل إيصال المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية.
واستعداداً للتصعيد العسكري، حشد كل من الجيش و«الدعم السريع» قواتهما بالقرب من معسكر طيبة جنوب الخرطوم الذي يتبع للأخير، بعد مناوشات مستمرة وقصف للطيران الحربي ومدفعية الأسلحة الثقيلة خلال الثلاثة أيام الماضية.
ويعتبر معسكر طيبة من أهم المناطق العسكرية لدى «الدعم السريع». ووفقاً لمراقبين، فهو يحتوي على مخزون ضخم من الأسلحة والذخائر، ما يعني أن سقوطه في يد الجيش، الذي يهاجمه من عدة محاور، سيغير كثيراً من موازين السيطرة، لذلك توقع المراقبون أن تكون معركة عنيفة وممتدة لعدة أيام.
انفجارات واشتباكات
في الموازاة، شهدت مناطق أخرى في جنوب الخرطوم وأمدرمان، اشتباكات متقطعة ودوي انفجارات المدافع والقصف الجوي.
وأوضح شهود عيان لـ«القدس العربي» أن القذائف سقطت على المناطق المأهولة بالسكان، خاصة في منطقة جنوب الحزام وأحياء السلمة والأزهري ومايو والأندلس ومدينة الأمل.
وقال عضو غرفة طوارئ جنوب الحزام، محمد كندشة لـ«القدس العربي» إنهم رصدوا سقوط (9) قذائف «دانات» في أجزاء متفرقة في منطقة جنوب الحزام، مما أدى لمقتل (5) أشخاص وأكثر من (14) جريحا نقلوا إلى مستشفى بشائر لتلقي العلاج.
وحسب قوله، المنطقة تشهد اشتباكات عنيفة منذ اندلاع الأعمال العدائية في الخرطوم، وسقط الأربعاء (19) قتيلا من أبناء المنطقة بعد سقوط (7) دانات وعدد آخر من المصابين
وفي السياق، أفادت مصادر لـ «القدس العربي» باستمرار الاشتباكات حول مقر الفرقة (21) في مدينة زالنجي، في وقت تشهد في المدينة التي تمثل حاضرة ولاية وسط دارفور، عمليات نهب وسرقة طالت محطة الكهرباء وإدارة المحلية وجامعة زالنجي.
وقال الشهود إن المدنيين يواجهون أوضاعاً صعبة في الحركة والتنقل خاصة خارج المدنية بسبب الاعتقالات، في حين خرج مستشفى زالنجي الرئيسي عن الخدمة بعد وقوع قاذفة في داخله، كما أغلق عدد من المراكز الصحية مع وجود أزمة حادة في الأدوية المنقذة للحياة.
وكانت إدارة دفن الجثث عبر فرق الطوارئ التابعة للهلال الأحمر السوداني، قد كشفت عن دفن (102) جثة في مقابر الشقيلاب جنوب الخرطوم، و(42) جثة في ولاية شمال دارفور و(19) في ولاية غرب دارفور، بالإضافة إلى (17) جثة أخرى في ولاية جنوب دارفور.
الجيش متفاجئ
وعلى صعيد تعليق المفاوضات، قال الجيش إنه تفاجأ بهذا القرار من قبل الوساطة، داعياً إياها إلى مواصلة جهودها، في إقناع الطرف الآخر بتنفيذ مطلوبات الهدنة ووقف إطلاق النار المؤقت بما يمكن من العودة مجدداً لمسار التفاوض.
وأوضح في بيان له، أن «قبول الدخول في مفاوضات جدة، كان بهدف بحث سبل تيسير النواحي الإنسانية لتخفيف معاناة المواطنين جراء العمليات الجارية، كذلك في سبيل التوصل إلى ترتيبات عسكرية واضحة تنهي التمرد وتعيد البلاد إلى مسار التحول الديمقراطي».
اشتباكات حول مقر الفرقة 21 في زالنجي… وتبادل اتهامات بين طرفي الصراع
وأشار إلى إن «الجيش وافق على أكثر من هدنة ومقترحات بوقف إطلاق النار على الرغم من عدم التزام المتمردين، وتماديهم في ارتكاب خروقات متكررة بجانب عدم تنفيذهم لأي من النقاط التي تم التوقيع عليها في اتفاق جدة، وأهمها الخروج من الأحياء السكنية والكف عن استخدام المواطنين كدروع بشرية وإخلاء المستشفيات والمرافق العامة».
وتقدم الجيش حسب البيان بـ«مقترح يحوي مصفوفة تم تشاور غير رسمي حولها مع الوسطاء لتنفيذ الاتفاق بشكل يؤسس لاستمرار التفاوض، إلا إن الوساطة فأجأتهم ببيان تعليقها للمحادثات دون الرد على المقترحات المقدمة من قبلهم وتجاهلتها تماماً ولم تشر إليها في بيانها» لافتاً إلى أن «هذا لن يساعد على التوصل لحلول عادلة تلبي رغبات الشعب في الأمن والسلام».
أما «الدعم السريع» فقال إنه قد تلقى يوم الأربعاء «إخطاراً من الوساطة بتعليق مشاركة الانقلابيين وفلول النظام البائد في المباحثات، وأيضاً صدر بيان من الوساطة قررت بموجبه تعليق المفاوضات إلى وقت يحدد لاحقاً».
وأوضح أنه «لقد حضر وفد الانقلابيين إلى جدة بواجهات متعددة تمثل عددا من مراكز اتخاذ القرار، وبلا صلاحيات أو تفويض، مما أحدث ربكة وتأخيرا في المباحثات، وقد انعكس ذلك في عدم الالتزام الواضح من جانب الفلول باتفاق وقف إطلاق النار، مما جعل الهدنة الإنسانية من طرف واحد، فيما ارتكب الانقلابيون خروقات وانتهاكات متعددة».
«انتهاكات»
وتمثلت «الانتهاكات» حسب «الدعم السريع» بـ«القصف الجوي الذي تسبب في مقتل وجرح المئات من المدنيين، وتدمير المرافق العامة والخاصة بما في ذلك مقرات الأمم المتحدة، وطلعات طيران الاستطلاع والمسيرات، والقصف المدفعي العشوائي على المناطق المأهولة بالسكان مما خلف عدد من القتلى والجرحى» فضلا عن «احتلال المستشفيات العامة والمراكز الصحية» واغتصاب الحرائر وترويع المواطنين في مناطق شمال أمدرمان، ونهب المنازل، والتحركات التعبوية للقوات وتسليح المواطنين، وعمليات القنص وتصفيات المواطنين على أساس عنصـري، واعتقال المدنيين والكوادر الطبية ولجان المقاومة».
وقد تسببت هذه الانتهاكات المتكررة في «عرقلة وإعاقة الهدف الرئيسي من الهدنة وهو معالجة الوضع الإنساني الذي يعيشه الشعب السوداني بسبب هذه الأزمة» تبعا لقوات «الدعم السريع» التي أشارت إلى أن ما سمتهم «الانقلابيين من خلال تعليق مشاركتهم في التفاوض، سعوا إلى تفخيخ المباحثات بشروط تعجيزية مسبقة من أجل إفشال عملية التفاوض، وهو هدف خطط له وفد الانقلابيين منذ اليوم الأول رغبة منهم في تأجيج نار الفتنة وتوسيع دائرة الحرب».
وأكدت «العمل بكل عزم وصبر لإجهاض كافة مخططاتهم الانقلابية وصولاً إلى تحول مدني ديمقراطي يحقق الأمن والاستقرار لشعبنا».
وكانت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنتا تعليق محادثات جدة بصفتهما المسهلين. والقرار جاء نتيجة «الانتهاكات الجسيمة المتكررة لوقف إطلاق النار قصير الأمد وتمديد وقف إطلاق النار المؤخر من قبل القوات المسلحة السودانية والدعم السريع» حسب البلدين اللذين أكدتا أن تلك الانتهاكات «أعاقت إيصال المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الاساسية التي هي هدف وقف إطلاق النار قصير الأمدة».
ولفتتا إلى «إبلاغ الطرفين بالخطوات التي سيتعين عليهما اتخاذها لإثبات التزامهما الجاد في محادثات جدة، وجددتا الاستعداد لإعادة عقد محادثات جدة بمجرد أن يتخذ الطرفان الخطوات اللازمة.
وقبل ذلك، كان الجيش السوداني قد أعلن تعليق مشاركته في محادثات جدة الاربعاء، بسبب ما وصفها بـ «الخروقات المتكررة « التي يقوم بها الدعم السريع لاتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد وعدم إخلائه للمستشفيات ومرافق الخدمات.
ورغم تعليق المحادثات، أكد الوسطاء أن وقف إطلاق النار الأول لمدة (7) أيام أدى إلى بعض الانخفاض في القتال، مما مكّن من وصول المساعدات الإنسانية إلى ما يقدر بمليوني سوداني ومنحهم قدراً من الراحة، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن الطرفين ارتكبا انتهاكات خطيرة لوقف إطلاق النار، وشمل ذلك احتلال منازل مدنية وشركات خاصة ومباني عامة ومستشفيات، كذلك الضربات الجوية والمدفعية والهجمات والتحركات المحظورة.