الخرطوم ـ «القدس العربي»: تواصلت التظاهرات في السودان، أمس الإثنين، رفضا للاتفاق الذي وقعه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الحكومة، عبد الله حمدوك.
وفي وقت برر فيه الأخير قبوله العودة لمنصبه بـ«الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال العامين الماضيين» قدّم 12 من الوزراء المعزولين استقالتهم لحمدوك، اعتراضا على اتفاقه مع البرهان، فيما أفرجت السلطات عن أربعة مسؤولين سبق أن اعتقلوا عند الانقلاب الذي وقع في 25 أكتوبر/ تشرين الأول.
وينص اتفاق حمدوك ـ البرهان على 14 بندا، أبرزها عودة حمدوك رئيسا للوزراء، وتشكيله حكومة كفاءات، وأن يكون المجلس السيادي مشرفا على الفترة الانتقالية، بالإضافة إلى التأكيد على الالتزام بالوثيقة الدستورية واتفاق السلام.
ورغم أن الاتفاق نص كذلك على الإفراج عن المعتقلين السياسيين، لم يتم إطلاق إلا أربعة منهم، وهم رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، ورئيس حزب البعث العربي الاشتراكي علي الريح السنهوري، بالإضافة إلى نائب رئيس الحركة الشعبية، (جناح عقار) ياسر عرمان، والقيادي في حزب الأمة الصديق الصادق المهدي.
«أثر إيجابي»
وقال حمدوك أمس إن الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال العامين الماضيين كان من بين الأسباب التي دفعته للعودة إلى منصبه بموجب اتفاق مع الجيش.
وفي مقابلة مع «رويترز» في مقر إقامته في الخرطوم، حيث كان رهن الإقامة الجبرية بعد الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/ تشرين الأول، أوضح «نتوقع أن يكون أداء حكومة التكنوقراط له أثر إيجابي على الأداء الاقتصادي ومعيشة المواطنين».
وزاد: «من ضمن أسباب عودتي هي المحافظة على المكاسب الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي على العالم».
وتابع: «سنواصل تواصلنا مع مؤسسات التمويل العالمي، وموازنة العام الجديد التي ستبدأ في يناير ستمضي في نهج الإصلاح الاقتصادي وفتح أبواب الاستثمار في السودان».
لكن حمدوك قال إن حكومة التكنوقراط يمكن أن تساعد في تحسين الاقتصاد السوداني الذي عانى من أزمة طويلة شهدت واحدا من أعلى معدلات التضخم في العالم بجانب نقص في السلع الأساسية.
وأضاف أن الحكومة قد تعمل أيضاً على إتمام اتفاق سلام وُقع العام الماضي مع بعض الجماعات المتمردة لإنهاء سنوات من الصراع.
وقال «الحفاظ على السلام وتنفيذ اتفاق جوبا وإكمال عملية السلام مع الأطراف التي لم توقع على اتفاق جوبا في أعلى جدول أعمال الحكومة الجديدة».
في الأثناء، أعلن 12 وزيرا من الوزراء المعزولين بقرار البرهان، الإثنين، تقديم استقالاتهم مكتوبة لحمدوك رفضا للاتفاق.
وقال الوزراء المعزولون، في بيان الإثنين: «تقدمنا باستقالاتنا مكتوبة لرئيس مجلس الوزراء، وتم تسليمها له باليد».
وأوضحوا أن «الاستقالات قُدمت من د. مريم المنصورة الصادق المهدي وزيرة الخارجية، د. نصر الدين عبد الباري وزير العدل، د. الطاهر حربي وزير الزراعة، د. ياسر عباس وزير الري، د. الهادي محمد إبراهيم وزير الاستثمار، م. جادين علي العبيد وزير الطاقة، د. انتصار صغيرون وزيرة التعليم العالي، ا. تيسير النوراني وزيرة العمل، م. ميرغني موسى وزير النقل، د. عمر النجيب وزير الصحة، د. يوسف الضي وزير الشباب والرياضة، ا. نصر الدين مفرح وزير الشؤون الدينية».
وأضافوا : «أما بقية الوزراء الخمسة الذين تمت تسميتهم من قوى الحرية والتغيير، ومن ضمنهما الوزيران أ. حمزة يلول وزير الإعلام وم. هاشم حسب الرسول وزير الاتصالات، فلم يتمكنا من حضور الاجتماع التفاكري للوزراء».
وتابع الوزراء المستقيلون: «الوزيران م. خالد عمر يوسف وزير شؤون مجلس الوزراء، و ا. إبراهيم الشيخ وزير الصناعة، لم نتمكن من الاتصال بهما لأخذ رأيهما في تقديم الاستقالة للدكتور عبد الله حمدوك، لأنهما لا يزالان رهن اعتقال السلطة الانقلابية».
بينما «وزير التجارة علي جدو تحفظ على تقديم استقالته» وفق البيان.
ولم يوضح الوزراء المعزولون، في بيان الإثنين، سبب تقديم استقالتهم، لكنها تأتي غداة بيان أعربوا فيه عن رفضهم لاتفاق الأحد، معتبرين أنه «يشرعن للحكم الانقلابي العسكري» حسب الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة والإعلام.
وتتألف الحكومة المعزولة من 26 وزيرا، منذ إعلان حمدوك تشكيل هذه الحكومة، في 8 فبراير/ شباط الماضي.
بالتزامن، شيعت مدينة أمدرمان، غربي العاصمة الخرطوم مساء الأحد، الضحية يوسف عبد الحميد الذي قتل برصاص في الرأس في تظاهرات الأحد الرافضة للاتفاق.
وتحرك موكب تشييع عبد الحميد ذي الـ16 عاما، من مشرحة مستشفى أمدرمان وصولا لمقابر أحمد شرفي، حيث ووري الثرى وسط هتافات المشيعين المنددين بالانقلاب، وبكل أشكال التسوية مع قادة المجلس العسكري.
وأمس الإثنين، انطلقت أيضا، تظاهرات حاشدة من «تقاطع شقلبان» و«محطة الرومي» في أمدرمان وصولا لمنزل عبد الحميد، في حي الثورة في أمدرمان، كانت قد دعت لها لجان مقاومة كرري.
ورفع المشاركون شعارات رافضة للانقلاب والاتفاق، أبرزها «شهدائنا ما ماتو عايشين مع الثوار، اللي مات ضمير خاىن. حالفين نجيب الثأر».
الاستعداد لمليونية
وأعلنت تنسيقية لجان مقاومة أمدرمان عن تظاهرات «مليونية الوفاء للشهداء» الخميس المقبل، بينما شمل «البرنامج الثوري» الذي نشرته أمس، مقاطعة لشركات الاتصال للأفراد والدول الداعمة للانقلاب، وخصصت الأربعاء، لكشف انتهاكات الأجهزة الأمنية وتظاهرات دعائية للتحضير لـ(مليونيات) الخميس.
رئيس الحكومة: الحفاظ على المكاسب الاقتصادية دفعني للعودة إلى المنصب
ووصفت تنسيقية لجان مقاومة جنوب الحزام – جنوب الخرطوم – في بيان الإثنين، الاتفاق بـ«الترهات» داعية «جماهير الثورة لعدم الالتفات له ومواصلة التصعيد إلى حين إسقاط الانقلاب بشكل كامل».
وقال البيان «في هذه المرحلة الحرجة من عمر الثورة تتقدم جماهير الشعب بخطواتها بخطوات كبيرة في معركة إسقاط اللجنة الأمنية» مضيفاً «خوفا من مد الثورة المتعاظم استشعر العديد من القوى الخطر على مصالحها وبدأت في عقد اللقاءات في الغرف المغلقة لفرض تسوية سياسية تعيد إنتاج أزمة الشراكة المجربة باستخدام عبد الله حمدوك في محاولة يائسة لتهدئة الشارع».
وأكدت التنسيقية رفضها القاطع لأي اتجاه لفرض تسوية تعيد الحياة مرة أخرى للعسكر وتكون بمثابة طوق نجاة لهم، حسب البيان.
«مواصلة النضال»
وقالت إنها «ستواصل النضال في الشوارع حتى إسقاط المجلس العسكري وفاءً لدماء الشهداء التي لم تجف بعد» معتبرة «كل من يجلس معهم عدوا لها، وعدوا لمصالح الشعب وسيسقط ويحاسب معهم».
وطالبت التنسيقية الشارع بـ«التركيز على تنظيم الصفوف ومواصلة الحراك وصولا للسلطة المدنية الكاملة».
كذلك، دعت لجان مقاومة الحاج يوسف، في جدول التصعيد الذي نشرته، إلى إغلاق الشوارع الرئيسية والفرعية في المنطقة، وتظاهرات داخل الأحياء يوم غداً الأربعاء، وصولا لتظاهرات الخميس المليونية.
«تصعيد ثوري»
وشمل جدول «التصعيد الثوري» لمدينة الحصاحيصا في ولاية الجزيرة وسط السودان، موكبا مركزيا ليليا، الإثنين، ثم تظاهرات دعائية يوم الأربعاء تبدأ بساحة المولد وسط المدينة وتتجه نحو الأحياء الشمالية للمدينة، وبعدها التحضير لتظاهرات الخميس.
كما نشر عدد من لجان المقاومة في بورتسودان والقضارف شرقي السودان وعطبرة شمالي السودان جداول للتصعيد والتظاهرات رفضا لما وصفوه استمرار مسلسل الانقلاب.
ووصف مكتب الأطباء الموحد في بيان أمس اتفاق «البرهان – حمدوك» بأنه «استمرار لمسلسل الانقلاب الذي يستوجب تصعيد وسائل المقاومة السلمية للإطاحة به» مؤكدا أن «التأسيس للتحول المدني الديمقراطي يتعارض مع وجود السلطة العسكرية».
وأكد أن «قضايا الشهداء والجرحى والمفقودين في كامل السودان قضية لا تسقط بالتقادم».
انتهاكات
وحسب تقرير نشره المكتب أمس للانتهاكات التي حدثت للمرافق والكوادر الطبية منذ بداية الانقلاب، فقد «تم منع موظفي مركز بنك دم الخرطوم بالقوة من أداء مهامهم في اليوم الأول لانقلاب البرهان، وتم منع 5 معتقلين في مدينة الضعين، غربي البلاد، من تلقي العلاج في اليوم الثاني للانقلاب رغم تأكيد الفحص إصابتهم بفيروس كورونا».
وكشف التقرير أيضا عن «منع المصابين من تلقي العلاج في مستشفى السلاح الطبي التابع للقوات النظامية في مليونية 30 أكتوبر».
في السياق ذاته، رفضت الحركات غير الموقعة على اتفاق السلام، اتفاق حمدوك البرهان الأخير. وقالت حركة «جيش تحرير السودان» بزعامة عبد الواحد نور في بيان مساء الأحد، إنها «ترفض الاتفاق السياسي الذي تم توقيعه بين قائد الجيش ورئيس الوزراء وتعتبره شرعنة للانقلاب وردّة عن أهداف وشعارات الثورة».
وانضمت الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى الرافضين أيضاً، موضحة أن «حمدوك خيب آمال الشعب بحديثه عن الدماء ومن تسبب بها يجلسون بالقرب منه». كما ندد حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي السوداني، والتجمع الاتحادي، بالإضافة لحزب الأمة القومي، والمؤتمر السوداني، بالاتفاق، وأكدوا مواصلة التصعيد ضد الانقلاب.
في المقابل، اعتبر نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو «حميدتي» ان «الاتفاق السياسي يستهدف استكمال مسار التصحيح الديمقراطي» في بلاده.
جاء ذلك خلال لقائه مع ضباط في الشرطة السودانية في الخرطوم، وفق بيان لمجلس السيادة.
وأوضح حميدتي «الاتفاق السياسي تعهدت من خلاله الأطراف بضرورة العمل معًا لاستكمال مسار التصحيح الديمقراطي، وإنجاح الفترة الانتقالية وصولاً إلى حكومة منتخبة من الشعب». وأضاف أن «الإجراءات التي اتخذت في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، جاءت لتصحيح مسار ثورة ديسمبر المجيدة (2018)».