السودان: حمدوك والبرهان يوقعان اتفاقا جديدا وسط رفض سياسي وشعبي واسع

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: وقّع رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، الأحد في القصر الجمهوري، اتفاقا سياسيا جديدا، في محاولة لإنهاء الأزمة التي بدأت بعد انقلاب الجيش على الحكم المدني في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وسط تظاهرات منددة واعتراض قوى وأحزاب.
وقال حمدوك إن توقيعه على الاتفاق جاء لـ«حقن الدماء ولفك الخناق الداخلي والخارجي على البلاد، واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي الذي يتيح إمكانية الحفاظ على مكتسبات العامين الماضيين».
وبين أن الاتفاق «سيحصن التحوّل المدني الديمقراطي عبر توسيع قاعدة الانتقال في السودان».
أما البرهان، فقد أكد أن «الاتفاق أسس للفترة الانتقالية التي تخيلناها» متعهدا بـ«الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية».

«سيظل محل ثقة»

وقال: «كل الأطراف تنازلت للوصول» إلى الاتفاق، مشيرا إلى أن حمدوك «سيظل محل ثقة».
وأوضح في كلمة له في مراسم التوقيع على الاتفاق في العاصمة الخرطوم، والتي بثها التلفزيون الرسمي، أن «كل الأطراف تنازلت للوصول لهذا الاتفاق من أجل إكمال الفترة الانتقالية بتوافق تام».
وأضاف: «نعاهد الشعب السوداني على الوصول لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية».
وتابع: «سنكون متوافقين ومتحدين مهما حصل بيننا من خلافات وحمدوك سيظل محل ثقة».
وأشار أن «موقفنا اليوم للدفاع عن ثورة ديسمبر وهذا الاتفاق هو التأسيس الحقيقي للمرحلة الانتقالية، ونريد أن نؤسس لشراكة حقيقية مع كل القوى الوطنية ولا نريد إقصاء أحد أو أي جهة في السودان».
ولفت إلى أن «الانسداد حتم علينا ضرورة التوقف في مسيرة الانتقال وإعادة النظر في ما تم وسيتم في المستقبل».

ما هي بنود الاتفاق؟

وتضمن الاتفاق، الذي حضر مراسم توقيعه عدد من القيادات العسكرية والسياسية، 14 بندا،
تمثلت بالتأكيد على الوثيقة الدستورية لسنة 2019 والمعدلة في 2020، وأنها المرجعية الأساسية القائمة لاستكمال الفترة الانتقالية، وضرورة تعديل الوثيقة الدستورية بالتوافق بما يضمن مشاركة سياسية واسعة عدا حزب «المؤتمر الوطني» المحلول (حزب الرئيس السابق عمر البشير).
كما قضى بأن الشراكة بين المدنيين والعسكريين هي الضامن لاستقرار وأمن السودان، بناء على ذلك، اتفاقا على إنفاذ الشراكة بروح وثقة، والالتزام بتكوين حكومة مدنية من الكفاءات المستقلة (تكنوقراط).
ونص على أن يكون مجلس السيادة هو المشرف على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية، دون التدخل المباشر في العمل التنفيذي، وعلى ضمان انتقال السلطة الانتقالية في موعدها المحدد إلى حكومة مدنية منتخبة، وعلى إدارة الفترة الانتقالية بموجب إعلان وإطار سياسي بشراكة بين العسكر والمدنيين والإدارة الأهلية ولجان المقاومة وقوى الثورة الحية وقطاعات الشباب والمرأة والطرق الصوفية.
وأكد على إجراء تحقيق في أحداث وقعت أثناء التظاهرات من وفيات وإصابات للمدنيين والعسكريين، وكذلك على تنفيذ اتفاق سلام جوبا واستحقاقاته وإلحاق غير الموقعين، و إكمال جميع مؤسسات السلطة الانتقالية وذلك بتكوين المجلس التشريعي والأجهزة العدلية من محكمة دستورية، وتعيين رئيس القضاء والنائب العام، وإكمال إنشاء بقية المفاوضات ومؤسسات الانتقال الأخرى.
ونص أيضاً على ابتداء حوار واسع مع كل القوى السياسية والمجتمعية وقوى الثورة الحية يؤسس لقيام مؤتمر دستوري، وعلى إعادة عمل لجنة إزالة تفكيك نظام 1989 ومراجعة أدائها في الفترة السابقة فضلاً عن إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، والعمل على بناء جيش قومي موحد، وكذلك إلغاء قرار البرهان بإعفاء حمدوك.
وخرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في مدن العاصمة السودانية الثلاث أمدرمان، الخرطوم والخرطوم بحري، وعدد من الولايات، احتجاجا على الاتفاق.
وفرقت السلطات التظاهرات، بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع، وسط حملات اعتقال واسعة، خاصة في وسط الخرطوم والمنطقة المحيطة بالقصر الجمهوري.
وانطلقت التظاهرات حسب المسارات المعلن، من «موقف جاكسون» و«تقاطع «شارع البلدية مع المك نمر» وسط الخرطوم، وأيضا من جوار مباني كلية الهندسة جامعة الخرطوم وصولا للقصر الجمهوري السوداني النقطة المقررة لنهاية التظاهرات.
وهاجمت الأجهزة الأمنية التظاهرات المتوجهة إلى القصر الجمهوري، بالغاز المسيل للدموع في تقاطع شارعي «الجمهورية» مع «القصر» القريب من القصر الرئاسي، لتعود وتتجمع الحشود في شارع «السيد عبد الرحمن» القريب من محيط القصر الجمهوري، ثم في شارع المؤسسة وسط بحري والستين شرق الخرطوم، والشهيد عبد العظيم، شرق أمدرمان.
ونقلت وكالة إخبارية عن أطباء تأكيدهم مقتل فتى بالرصاص في التظاهرات.
وقالت لجنة أطباء السودان المركزية في بيان : «ارتقت روح الشهيد يوسف عبد الحميد، 16 سنة، بعد إصابته برصاص حي في الرأس في مليونية21 نوفمبر في مدينة أمدرمان، بواسطة ميليشيات الانقلابيين متعددة الأسماء والمهام والأشكال».

تجمّع المهنيين اعتبره «خيانة ومحاولة لشرعنة الانقلاب»… ولجان المقاومة دعت للتصعيد

وأضافت: «بهذا يرتفع عدد الشهداء المؤكدين من جانبنا منذ الخامس والعشرين من اكتوبر إلى 41 شهيدا، وهو الشهيد الأول في مقاومة الاتفاق الانقلابي المداهن المعلن».
وزادت: «يوجد عدد كبير من الإصابات بالرصاص الحي وحالة بعضهم حرجة، يجري الآن علاجهم وحصرهم».
وأكدت قوى «الحرية والتغيير» رفضها للاتفاق، واختيارها الوقوف الى جانب مطالب الشارع الرافض لأي اتفاق مع قادة العسكريين الحاليين. ا
القيادي في المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» شهاب الدين الطيب، قال لـ«القدس العربي» إن «المجلس المركزي لم يتم التشاور معه حول أي اتفاق» مؤكدا أن حمدوك «لا يملك أي تفويض لإجراء أي تسوية مع العسكريين».
وشدد على أن «أي تسوية مع المجلس العسكري الحالي الذي يترأسه البرهان مرفوضة سواء كان حمدوك جزءا منها أم لا» لافتا إلى أن «مطالب الحرية والتغيير تخطت مسألة العودة إلى ما قبل الانقلاب، خاصة بعد مقتل حوالى 40 متظاهرا وإصابة العشرات خلال قمع العسكريين للتظاهرات».
وبين أن «قادة المجلس العسكري الحالي قاموا بتقويض النظام الدستوري في البلاد ولا يمكن الوثوق بهم أو عقد أي تسوية معهم».

التصعيد مستمر

كذلك، شدد القيادي في تجمع المهنيين السودانيين الوليد علي، لـ«القدس العربي» على إن «أي اتفاق يفضي لبقاء الانقلابيين في السلطة مرفوض» مؤكدا أن «مطالبهم واضحة وهي سلطة مدنية ثم حكومة مدنية».
وأضاف: «وجود حكومة مدنية في ظل سلطة عسكرية تسوية مرفوضة» مؤكدا أن «التصعيد مستمر حتى انصياع العسكريين لصوت الشارع، وأنهم متمسكون بشعاراتهم لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية».
ووصف تجمع المهنيين، في بيان، أمس، الاتفاق بـ«الخيانة» واعتبره «مرفوضا جملة وتفصيلا ولا يخص سوى أطرافه» وهو «مجرد محاولة باطلة لشرعنة الانقلاب».
وقال إن الاتفاق «يمثل انتحاار سياسيا لحمدوك، وإنه اتفاق خنوع ودون تطلعات الشعب ولا يعدو ان يكون حبرا على ورق».
وأكمل: «جرب شعبنا عهود الانقلابيين الكاذبة وخبر نقضهم للعهود وانقضاضهم عليها» مؤكدا: «طريق شعبنا الآن اصبح أكثر وضوحا».
لجان مقاومة كرري أكدت كذلك رفضها لأي تسوية سياسية مع العسكريين، وقالت في بيان «نرفض أي تسوية ما لم تكن التسوية في توافق مع الشعب السوداني حول المفاضلة بين الرصاص أو المشانق لكل قادة اللجنة الأمنية وكل المدنيين المشاركين في مجزرة القيادة العامة والانقلاب العسكري الأخير».
ودعت «قوى الثورة لتوجيه مجهوداتها في تنظيم وحشد التظاهرات وما يليها من فعل ثوري وسياسي وعدم التركيز مع التفاصيل التي لا تخدم خط الثورة واهدافها المعلنة المضمنة في اللاءات الثلاث، لا تفاوض لا شراكة لا شرعية».
وأضافت: «الردة مستحيلة ولا يمكننا الرجوع إلى الوراء ولا نقبل بهدنة مؤقتة لنموت فرادى، الردة مستحيلة ومن يرتد يسقط».

«دعم ثورة الشارع»

حزب الأمة القومي انضم بدوه للرافضين للاتفاق، معتبرا أنه «لا يخاطب جذور الأزمة التي انتجها الانقلاب العسكري وتداعياتها من قتل للثوار الذي يستوجب المحاسبة».
وقال المتحدث الرسمي باسم الحزب، الواثق البرير، في بيان أمس إنهم «لن يكونوا طرفا في أي اتفاق لا يلبي تطلعات الثوار والشعب السوداني قاطبة، وإنهم سيستمرون في مقاومة الانقلاب العسكري ودعم ثورة الشارع».
وحذر «الجهات الأمنية من مغبة استخدام العنف ضد الثوار السلميين» مؤكدا أن حزب الأمة «يقف دوما في صف الشعب».
حزب المؤتمر السوداني، أكد أيضا رفضه لأي «اتفاق وعدم مشاركته في أي مفاوضات مباشرة أو عبر تمثيل من تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير».
وقال المتحدث باسم الحزب، نور الدين بابكر: « موقفنا الثابت المعلن مقاومة الانقلاب حتى اسقاطه» مشيرا إلى أن «كوادر الحزب تعمل على الأرض في العاصمة و الأقاليم مع الجماهير لمقاومة السلطة الانقلابية بكل الطرق السلمية المتاحة والمعروفة حتى تمام سقوطه المحتوم وتقديم مدبريه ومنفذيه وكل من ارتكب انتهاكات، قتلا وجرحا وقمعا وتعد على حرمات البيوت منذ يوم الخامس والعشرين من أكتوبر إلى محاكمات عادلة».

«استنساخ العهود الديكتاتورية»

وجدد تحالف دعم وتعزيز العمل النقابي، موقفه الرافض للانقلاب، وقال في بيان «ينتهك الانقلابيون كل الأعراف والمواثيق والتشريعات الدولية المختصة بحقوق الإنسان كالحق في الحياة والحق في التعبير والحق في الاحتجاجات والتظاهرات السلمية، فهي حقوق مكفولة دستورياً وتتمادى في ارتكاب المجازر والانتهاكات الجسيمة»
وأضاف: أن «المجازر البشرية التي حدثت منذ فجر الانقلاب المشؤوم في يوم 25 أكتوبر وما زالت مستمرة بوتيرة متصاعدة ما هي إلا امتداد لمجزرة فض الاعتصام التي يتحمل كامل مسؤوليتها المجلس العسكري».
وزاد : «الانقلابيون يهدفون إلى إعادة استنساخ العهود الديكتاتورية والظلامية، جنباَ إلى جنب للتأسيس لعهد استبدادي طغياني جديد يُكرس لحكم الفرد ويُفضي إلى وأد أحلام وآمال وتطلعات الشعب السوداني في استعادة وبناء الديمقراطية المستدامة».
إلى ذلك، أعلنت فدوى عبد الرحمن، مديرة جامعة الخرطوم، أعرق جامعات السودان، الأحد، استقالتها رفضا للاتفاق. وقالت في بيان: «أعلن أنا فدوى عبد الرحمن علي طه استقالة سارية المفعول ومسببة من منصب مديرة جامعة الخرطوم رفضا واحتجاجا على الاتفاق السياسي الموقع اليوم بين عبد الفتاح البرهان وعبد الله حمدوك».
وأضافت: «وفاء لأرواح 40 شهيدا ارتقت منذ وقوع الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 على الوثيقة والشرعية الدستورية وما صاحبها من اعتقال رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، وعدد من أعضاء حكومته وحل الحكومة المفوضة لإدارة شؤون البلاد».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية