الخرطوم ـ «القدس العربي»: شهدت الخرطوم وبعض المدن السودانية التي كانت تدور فيها معارك وعمليات عسكرية طيلة الأسابيع الماضية بين الجيش و«الدعم السريع» هدوءاً نسبياً مع دخول الهدنة حيز التنفيذ، فيما سُجلت خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار مع استمرار احتلال قوات «الدعم السريع» لبعض المستشفيات.
ولم يلتزم الطرفان في الساعات الأولى بوقف القتال، إذ تواصلت الاشتباكات بينهما، وكثف سلاح الجوي التابع للجيش غاراته على ارتكازات وتجمعات «الدعم السريع» الذي قابل القصف بالأسلحة المضادة، لكن مع ساعات النهار أمس عاشت العاصمة هدوءا لم يفسده سوى سماع أصوات رصاص متقطعة.
ويشار إلى أن حركة المواطنين لا تزال حذرة، والشوارع خالية في اليوم الأول للهدنة بسبب خشية بعضهم من أن تكون مثل سابقاتها، وأن لا يتلزم الطرفان بها. كذلك يلاحظ أن بعض قوات «الدعم السريع» زادت نقاط التفتيش في الطرقات والأحياء الواقعة تحت سيطرتها.
وشكا بعض السكان في أحياء أمدرمان القديمة، بيت المال، الملازمين، أبوروف، ودنوباوي، والمسالمة، من دخول قوات «الدعم السريع» إلى داخل الأحياء واحتلال بعض المنازل، في وقت طالبت فيه «لجان المقاومة» هناك بتحديد تلك المنازل بالضبط حتى يتم التبليغ للجنة المناط بها مراقبة تنفيذ اتفاق جدة للهدنة ووقف إطلاق النار.
ورصدت «القدس العربي» عمليات تمشيط للجيش في بعض المناطق، خاصة في حي جبرة جنوبي العاصمة، حيث داهمت قوات محدودة العدد منازل وبنايات. وقال شهود عيان إنها كانت تحوي بعض القناصة ومراكز اتصال تابعة لـ «الدعم السريع».
أما في مدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان، فقد أفاد الشهود عن حدوث تبادل بالمدافع طويلة المدى بين الجيش و«الدعم السريع» التي نشر قوات في مداخل المدينة الشرقية والجنوبية والغربية.
أتاوات
المواطن عبد الرحمن النمير قال لـ«القدس العربي»: «خلال الأسبوع الماضي، تمركزت قوات الدعم السريع في عدد من المناطق خارج مدينة الأبيض، خاصة في الطريق القومي الرابط بينها وبين مدينة الرهد، وعند منطقة أبو الغر يفرض الدعم السريع أتاوات على المركبات تقدر بمبلغ 5 آلاف جنيه قالوا إنها رسوم عبور».
وأضاف: «مدينة الأبيض شهدت اشتباكات بالأسلحة الثقيلة لكن حتى الآن لم تسجل أي إصابات وسط المدنيين».
وحذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، طرفي النزاع المسلح في السودان من انتهاك الهدنة واتفاق وقف إطلاق النار. وقال: إن «الولايات المتحدة والوسطاء في اتفاق الهدنة الجديد سيحاسبون المخالفين من خلال فرض العقوبات وغيرها من الوسائل المتاحة».
وأشار إلى أن «مسؤولية تنفيذ الاتفاق تقع على الجيش السوداني وقوات الدعم السريع» مبيناً أن المباحثات التي جرت في جدة «ركزت على أمر محدد، يتمثل في إنهاء العنف وتقديم المساعدة للشعب السوداني».
وتعهد بـ «الاستمرار في دعم الولايات المتحدة للحكومة الديمقراطية التي تمثل جميع طوائف الشعب».
ووقع طرفا النزاع المسلحة في السودان السبت الماضي في مدينة جدة بوساطة سعودية أمريكية، اتفاقاً لوقف إطلاق النار قصير الأمد وترتيبات إنسانية في جميع إنحاء البلاد بدءا مساء أول أمس الإثنين، ويستمر لأسبوع قابل للتمديد تحت رقابة وآلية مشتركة تضم ممثلين للجيش والدعم السريع والوساطة السعودية الأمريكية.
خمسة أجزاء
ونص اتفاق الهدنة على خمسة أجزاء رئيسية وهي «التمهيد، أحكام عامة، وقف إطلاق النار، المساعدات الإنسانية، لجنة المراقبة». وأشارت مسودة الاتفاق الى إدراك أطراف النزاع لتهديد الصراع للحياة العامة والاستقرار وتأثيره الشديد على المدنيين، وبيّنت أن الهدف منه هو تسهيل مرور المساعدات الإنسانية.
شوارع خالية وحذر لدى المواطنين… نقاط التفتيش في الطرقات… وقناصة على أسطح البنايات
والتزم الطرفان في الاتفاق بـ «عدم ارتكاب انتهاكات وخروقات القانون الدولي الإنساني، ووقف إطلاق النار على أي طائرة مدنية أو حاملة للعون الإنساني، كذلك وقف التعذيب وأخذ الرهائن والاعتقالات غير القانونية واستهداف البنية التحتية المدنية أو المراكز السكانية بالإضافة إلى عدم تقييد حركة المدنيين أو استخدام وسائل النقل الطبي مثل السيارات والإسعاف لأغراض عسكرية».
وحظر الاتفاق الأعمال العسكرية بين الطرفين وعلى رأسها هجمات القناصة واستخدام الطائرات العسكرية والأسلحة الثقيلة وتقوية الدفاعات أو إعادة الإمداد وتوزيع الأسلحة أو احتلال أراض ومواقع جديدة، أيضا منع اتفاق جدة لوقف إطلاق النار قصير الأمد، وتجنيد الجنود أو تسجيلهم أو حشدهم وأعمال التجسس جواً وبراً وبحراً واستخدام المدنيين كدروع بشرية.
هجوم على مستشفى
ورغم تشديد الاتفاق بمنع احتلال المستشفيات والابتعاد عنها بقدر الإمكان، إلا أن وزارة الصحة الاتحادية قالت في آخر تصريح لها أمس، إن قوات الدعم السريع هاجمت مستشفى أحمد قاسم في الخرطوم بحري قبل ساعة من الهدنة، وقامت بطرد المرضى واستولت على (4) سيارات إسعاف، مشيرة إلى أن عدد المستشفيات التي يتمركز في داخلها الدعم السريع ارتفع إلى (28) مستشفى.
في حين نفى «الدعم السريع» استيلاء قواته على المستشفى. وقال إن وزارة الخارجية قامت بنشر هذه المعلومات الكاذبة في إطار ما أسماها بـ«حملة التضليل» لافتاً إلى حصول قواته على تسجيلات فيديو حديثة من داخل المستشفى تؤكد خلوها من أي مظاهر عسكرية مما يؤكد كذب وزارتي الصحة والخارجية.
وفي سياق متصل، أعلنت نقابة الأطباء السودانيين، خروج مستشفى البان جديد عن الخدمة، وهو المستشفى العمومي الوحيد الذي ظل يقدم خدمات الرعاية الطبية لمواطني منطقة شرق النيل منذ اندلاع الاشتباكات المسلحة التي أدت لتوقف العمل بعدد كبير من مستشفيات الولاية.
وقالت إنها فوجئت خلال الأيام الماضية ولعدة مرات بدخول عناصر مسلحة من قوات الدعم السريع للمستشفى وقيامها بالتعدي على المرضى والمرافقين والكوادر الطبية وترهيبهم بإطلاق النار داخل أروقة المستشفى.
المدنيون في الخرطوم والمدن التي تشهد اشتباكات يترقبون الهدنة ويتمنون نجاحها لقضاء احتياجاتهم والخروج من حالات الاختباء القسري الذي فرض عليهم بسبب انتقال المعارك إلى داخل الأحياء، كذلك ينتظر البعض إعادة عمل المستشفيات لمعالجة المرضى والمصابين، ووصول المساعدات الإنسانية.
وفي الموازاة، أعلن وزير المالية المكلف، جبريل إبراهيم، عن بدء صرف مرتبات القوات النظامية والعمل على صرف بقية مرتبات الموظفين العاملين في الدولة، مبيناً أن هناك إشكالات في الجهاز المصرفي سوف تتم معالجتها خلال هذا الأسبوع وتعود الخدمة البنكية.
وأكد في حوار مع تلفزيون السودان، أن كل أموال المودعين وسجلات البنوك محفوظة تماماً. وأعرب عن حرصهم الشديد على أن يكون هذا الموسم الزراعي من أنجح المواسم.