الخرطوم- «القدس العربي» : تتوالى الدعوات لتشكيل جبهة موحدة لمناهضة الانقلاب في السودان، يمضي العسكريون نحو تكوين حكومة جديدة، على الرغم من تصاعد الحراك الشعبي الرافض للانقلاب.
وفي الموازاة، يسعى العسكريون لتكوين تحالفات ينتظر أن تفضي إلى حكومة، بينما تجدد المعارضة السودانية دعوات الوحدة بين القوى المناهضة للانقلاب. وقال القيادي في المجلس المركزي للحرية والتغيير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، في بيان أمس: «إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية واعتبارات الرشد السياسي تقتضي أن تنهض كل قوى الثورة، دون ترددٍ أو مماطلة، لمواجهة الحقيقة وأداء الفريضة الغائبة وهي التنسيق الفوري عبر جبهة عريضة بقيادة سياسية موحدة».
وأضاف: «رغم الحراك الجماهيري المستمر وما قدمه من تضحيات جسام تمثلت في أكثر من تسعين شهيداً ومئات الجرحى والمعتقلين، لم يسقط الانقلاب لأن الحراك، افتقد الشرط الحاسم لتحقيق النصر وهو تماسك القوى المشاركة فيه في جبهة عريضة بقيادة سياسية موحدة».
ولفت إلى أن الجماهير، التي فجّرت الثورة السودانية، هي التي تمثل الشرعية الحقيقية، وأنها لم تجد حتى هذه اللحظة تعبيراً سياسياً عنها يستطيع أن يتحدث من موضع ثقة. وأشار إلى أن الكثير من القوى الخارجية، التي أيدت ثورة الشعب السوداني وتطلعه للديمقراطية والاستقرار والازدهار، تتابع حراك قوى الثورة بعد الانقلاب وتقف مع شرعية ما تمثله ومشروعية ما تطالب به، لكنها حتى الآن لم تعثر على قيادة سياسية موحدة لهذا الحراك.
ولفت إلى أن سوابق التاريخ تؤكد أن الشعوب لا تنجح في تجاوز الأزمات الكبرى والمخاطر العظيمة إلا إذا توحدت إرادتها وأدارت معركتها بعقل وطني جماعي، لافتاً إلى أن الوضع الحالي في البلاد يفرض على كلِّ قوى الثورة الترفع عن الصراعات الثانوية وتنسيق جهودها في جبهة عريضة بقيادة سياسية موحدة. وقال الدقير، مشدداً: «إذ بدون تحقيق هذا المطلب سيظل قوس النصر محذوفاً من دائرة الحراك الثوري وسيظل يراوح مكانه دون أن يحقق هدفه».
واقترح الشروع الفوري في تكوين مركزٍ واحد عبر جسم تنسيقي بقيادة سياسية موحدة، لجبهة عريضة لا تذوب فيها الأطراف وإنما يبقى كل طرف بما يمثله، ويعمل الجميع من خلالها لإنجاز هدف إنهاء الانقلاب وكل ما يترتب عليه. ولفت إلى ضرورة أن يعمل الجسم التنسيقي وفق رؤية سياسية مشتركة تتضمن الاتفاق على ترتيبات دستورية تنشأ بموجبها سلطة مدنية تباشر إنجاز مهام الفترة الانتقالية العالقة وتمضي بما تبقى منها نحو انتخابات عامة حرة ونزيهة بنهايتها. وحسب المقترح الذي قدمه الدقير، يجب التوافق على وجود مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة تكون مسؤولةً عن حراسة حدود الوطن من أي اعتداء ودورها في الانتقال هو حماية ومساندة الشرعية الدستورية، وألا يكون لها شأن بالسياسة وصراعاتها.
وفيما يختص بالسلطة الانتقالية الجديدة – من حيث تفاصيل مؤسساتها ومهامها والمعايير المطلوب توفرها في شاغلي مواقعها واختيارهم – اقترح الدقير أن يتم ذلك عبر آلية مشتركة تمثل كل قوى الثورة.
بالمقابل، يمضي العسكريون في اتجاه آخر يعزز سيطرتهم على السلطة. وكشفت وكالة «رويترز» عن إبرام فصائل متحالفة مع الجيش اتفاقاً لتشكيل حكومة انتقالية من شأنها تعزيز سيطرة الجيش وتتجاوز القوى المناهضة للانقلاب. وقالت إن الجهات الداعمة للاتفاق، المقبول من الجيش، أحزاب متحالفة مع الجيش وحركات مسلحة موقعة على اتفاق السلام في 2020، بالإضافة إلى زعماء عشائريين ودينيين، في وقت يجري استقطاب فصائل داخل الأحزاب القديمة، حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي.
ويرفع الاتفاق من مكانة الجيش باعتباره السلطة العليا في البلاد، على الرغم من عدم توافق ذلك مع الوثيقة الدستورية التي قال العسكريون إنهم مازالوا يحتكمون لها بعد الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وينص، كذلك، على تكوين حكومة تكنوقراط، وبرلمان للحكم حتى الانتخابات، بالإضافة إلى ترشيح هيئات قضائية ولجنة انتخابات.
وقام القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، خلال شهر مارس/آذار الماضي بجولة خارجية، شملت الإمارات والسعودية ومصر بالإضافة إلى جنوب السودان وتشاد ويوغندا، بينما زار نائب رئيس المجلس السيادي محمد حمدان دقلو، كذلك روسيا، والإمارات، وجنوب السودان، وإثيوبيا.
وقام عضو المجلس السيادي إبراهيم جابر، بزيارة رواندا وزيمبابوي، فضلاً عن الزيارات المتبادلة بين العسكريين وإسرائيل. ويؤكد المراقبون أن الجولات التي قام بها العسكريون كانت بهدف حشد التأييد الخارجي لحكومتهم المرتقبة، ومساعي فك تجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي وكسب قبول أطراف غربية لجهة مصالحها في المنطقة.
وفي السياق، قال الصحافي والمحلل السياسي، عمر الفاروق، الذي تحدث لـ«القدس العربي» إن الخطوة القادمة للعسكريين ستكون تشكيل حكومة من أحزاب، التي تحالفت مع عمر البشير، على رأسها الحزب الاتحادي الأصل، بزعامة محمد عثمان الميرغني وحزب الأمة جناح مبارك الفاضل. وأضاف: «جهاز الدولة سيكون مقسماً بين الإسلاميين الذين سيمثلون الأغلبية، فضلاً عن الدعم السريع والحركات المسلحة».
ويرى، أن الحاضنة السياسية – قيد التشكل، محاولة لاستنساخ نظام المؤتمر الوطني، بجلد جديد، مشيراً إلى أنها ستفاقم أزمة السلطة العسكرية الحاكمة، وستؤدي إلى انقسامات واستقطاب جديد نسبة لتركيبتها الانقسامية والجهوية في الغالب، وستؤدي إلى تذمر وغضب حاضنة انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول، بما فيها الدعم السريع وستقود في النهاية إلى صراع سياسي جديد.
ويعتقد الفاروق أن هذه المجموعات ستشكل، حسب ولاءاتها، تحالفات مشروع الانتخابات المزمعة في 2023، حال افتراض، قدرة السلطة العسكرية الحاكمة الوصول إلى تلك النقطة، مشيراً إلى أن شروع العسكريين في تكوين حكومة هروب للأمام وتجريب للمجرب.
إلى ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد علي لـ»القدس العربي»، إن العسكريين ربما يستطيعون تشكيل حكومة، لكن من المرجح أن تصطدم برفض من الشارع والقوى السياسية مما يجعل الأزمة مستمرة ويزيد من تعقيدها، في ظل الاستقطاب السياسي.
في المقابل، يؤثر عدم توحد القوى المعارضة في تقدم الحراك الشعبي، بحسب علي، لجهة عدم قيامها بطرح عملية سياسية تسير مع الحراك وتحوله لبرامج يمكن تحقيقها من خلال الحوار أو التفاوض. وأضاف: «تأتي الدعوة لوحدة القوى السياسية بعد الانقسامات التي شهدتها التحالفات السياسية في البلاد واختلاف تقديراتها تجاه الأزمة السياسية، مشيراً إلى الحوجة لقيام جبهة عريضة تعمل بقيادة موحدة تساعد في الوصول إلى صيغة بموجبها يمكن إحداث تغيير في شكل الفترة الانتقالية». وتوقع علي أن تقوم القوى السياسية المعارضة بتأسيس تحالف جديد يعمل على مناقشة الخلافات بينها وعمل هيكل جديد يتم به تلافي الأخطاء السابقة.
ولفت إلى أن سعي العسكريين لتكوين حكومة بمشاركة قوى سياسية وحركات مسلحة يمكن ربطه بالزيارات الخارجية الأخيرة التي قام بها البرهان، والتي من المرجح أنها في إطار التسويق للحكومة المزمع تشكيلها وبحث سبل الدعم الإقليمي لها، مشيراً إلى ربط بعض الدول للمساعدات بضرورة تكوين حكومة مدنية.
ولم يستبعد أن تجد حكومة العسكريين حال تشكيلها بعض القبول الدولي والإقليمي، إلا أنه اعتبر أن «قيام حكومة بدون توافق سياسي وفي ظل الحراك الشعبي المستمر يجعلها غير مستقرة وقد تتعثر في الغالب»، مؤكداً أن المطلوب للخروج من الأزمة السياسية الراهنة في البلاد، هو تقديم كل الأطراف تنازلات من خلال طرح برنامج سياسي والدخول في عملية حوار تحقق بعض المكاسب وصولاً لانتخابات محددة بجدول زمني.