قالوا أنه يشرعن للوضع الانقلابي
بين الرفض والتكذيب استقبل الشارع السوداني الاتفاق السياسي الذي أبرمه رئيس الوزراء الانتقالي عبدالله حمدوك مع قادة الانقلاب العسكري، إذ رأى رافضوه أنه يشرعن للوضع الانقلابي ويفك عزلته الدولية ويمضي في ذات طريق التسويات التي عطلت مسار الثورة في البلاد، وأكد هؤلاء أنهم ماضون في طريقهم نحو إرجاع العسكر للثكنات ومحاكمتهم في الانتهاكات التي ارتكبوها وتحقيق سلطة مدنية كاملة. بينما ذهب آخرون لعدم تصديق حقيقة ما تم وبدأوا في نسج تبريرات أو سيناريوهات ترى أن ما قام به حمدوك خطة سياسية لنسف الانقلاب ومحاكمة قادته مع تجنب إنزلاق السودان في الفوضى وحقناً الدماء. بالمقابل وجد الاتفاق الأخير ترحيبا من القوى غير الفاعلة في الاحتجاجات الآن، مثل فلول النظام المباد والكيانات التي انحازت للانقلاب ولعل بعضهم لم يخف فرحه بالقول إن الاتفاق هو انتصار للمكون العسكري.
ووقع مطلع الأسبوع الماضي رئيس الوزراء الانتقالي في السودان حمدوك ـ عقب خروجه مباشرة من الإقامة الجبرية ـ اتفاقا سياسيا مع قائد الجيش عبدالفتاح البرهان ونص الاتفاق على عدد من البنود التي تقضي باطلاق سراح المعتقلين السياسيين والإسراع في تكوين بقية هياكل السلطة الانتقالية المجلس التشريعي، ومجلس القضاء والنيابة وبقية الأجهزة العدلية، بالإضافة إلى التحقيق في عمليات قتل المتظاهرين خلال الأيام الماضية، وبموجبة هذا الاتفاق عاد حمدوك ليتولى مهام رئاسة الوزراء.
وقد صادف توقيت هذا الاتفاق خروج مظاهرة حاشدة كانت قد دعت لها لجان المقاومة ووصل المحتجون إلى القرب من القصر الجمهوري في الخرطوم، قبل أن تقوم الشرطة بتفريق المتظاهرين مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي الذي سقط على أثره أحد المحتجين ـ يبلغ 16 عاماً ـ وبمجرد علم المحتجين بتوقيع الاتفاق سرعان ما تبدلت شعارات المتظاهرين التي تحولت للتنديد به وبرئيس الوزراء، حيث ردد بعضهم هتافات تصف حمدوك بالخائن وتشدد على رفض حكم العسكر.
ويبدو أن وقوع قتلى ومصابين في الاحتجاجات التي تزامنت مع التوقيع ضعضعت الفرضية التي قدمها حمدوك بأنه وقع الاتفاق لتجنب المزيد من أراقة الدماء. أيضا من الأشياء التي وجدت ملاحظات لدى البعض أنه لم يتم إطلاق سراح المعتقلين وهو أمر نص عليه الاتفاق بل بالعكس أعلنت بعض لجان المقاومة بالولايات استمرار حملة اعتقالات وسط أعضائها.
قرارات حمدوك الأولى بمراجعة التعيينات والإعفاءات في الخدمة المدنية التي تمت خلال فترة الانقلاب، هي أيضا كانت محل تحفظ، حيث يرى البعض أن رئيس الوزراء طالما وصف ما حدث (25 تشرين الأول/اكتوبر) انقلابا على السلطة الشرعية، فمن باب أولى إلغاء قرارات التعيين لا مراجعتها وإخضاعها للتقييم.
الوثيقة الدستورية
وبالتوازي شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في السودان موجة سخط عارمة تجاه الاتفاق السياسي والتصريحات التي تلته من رئيس الوزراء الانتقالي، إذ أبدى عدد من الناشطين استياءهم من الخطوة التي وصفوها أنها تأتي في ذات مسار الانقلاب وإعادة إنتاج السيناريو السابق المتعلق بالإعلان السياسي والوثيقة الدستورية الموقعة في آب/اغسطس 2019 بين الحرية والتغيير ونفس المكون العسكري. وقال الناشط السياسي والمقدم جيش معاش عمر أرباب في صفحته على «فيسبوك»: «تجاوز الناس في السابق كل الألم وقبلوا بالوثيقة الدستورية المعيبة لأجل حقن الدماء ـ وهي الحجة التي يستند عليها البعض الآن ـ وواصل البرهان في محاولاته وأد التجربة الديمقراطية وأجهاض الثورة ولم يتوقف أو يأل جهداً في ذلك من محاولات خنق الحكومة اقتصادياً والمطالبة الدائمة بالتفويض وتحريض الشارع ووصف الحكومة بالفشل وإفتعال الأزمات وإستجلاب الروس والتطبيع مع إسرائيل ودعم التمرد بإغلاق الميناء واعتصام الموز، حتى إذا ضاقت السبل وفشلت كل المحاولات لم يجد إلا تنفيذ الانقلاب بنفسه» وأضاف متسائلاً: «كيف نثق في هذا الرجل ونمنحه فرصة ليعيدنا للوراء متى شاء ومتى ضاق عليه الخناق؟».
ويقول أرباب عن موقف رئيس الوزراء الانتقالي: «أما بالنسبة لحمدوك فأن كنت لا أشكك في صدقه وإخلاصه ووطنيته ولكني أشكك في قدرته على النصر والإنجاز، ولا يمكن ان نرهن مصير بلد بأكملها لرجل واحد مهما كانت مقدراته فهذا يتنافى مع قيم الثورة نفسها التي جاءت لتبني دولة القانون والمؤسسات وليس الأشخاص، وما هي الأدوات التي ستمكنه من ذلك بخلاف الضغط الخارجي والذي لا نثق فيه أيضا، فالمصالح هي ما تحركه والدليل تأييده لما تم مع أنه لا يرضي تطلعات الشارع» وذكر بأن تجربة حمدوك لم تكن مثالية الفترة الماضية.
وعلى ذات المنحى مضى الناشط والكاتب الروائي حمور زيادة عقب تصريحات حمدوك الأولى التي برر خلالها خطوته كونها تأتي في مصلحة الشعب السوداني وأنه مقابل ذلك لا يخشى من خسارة شعبيته، وأوضح زيادة تلك التبريرات والأقاويل ذات دلالات سلطوية ووصاية قبيحة، مشيراً لعدم مشاورته لأحد، وزاد بأن السودانيين حين رفضوا حكم العسكر في حقيقة الأمر كانوا يرفضونه بسبب الوصاية والسلطوية والأبوية التي يبرر بها حمدوك خطوته.
البناء لا الهدم
أما في الضفة الأخرى المؤيدة للاتفاق فإن هناك فئتين أولى هي كانت قد باركت خطوة الانقلاب الذي قام به المكون العسكري وبالتأكيد ترى أن ما جاء فيه لم يخرج كثيراً مما دعا له قائد الجيش البرهان لحظة انقلابه، أما الفئة الثانية كما ذكرنا آنفا تقبله لمجرد وجود حمدوك طرفاً فيه وهؤلاء يرون أن حمدوك هو السياسي الفاعل الوحيد في تاريخ السودان والذي يعي أن مهمته كسياسي هي البناء لا الهدم والإسقاط، ويشيرون إلى أن الوضع السياسي كان متأزما لدرجة أن البلاد كانت على مشارف حرب أهلية وانشقاق في الجيش وحرب ميليشيات في المدن وكان سيكون السودان سوريا أو يمنا جديدا، قائلين إن خطوة حمدوك الأخيرة تعد الأولى في كسر شوكة الجيش سياسياً وأن الثورة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها ولا ينبغي أن تقدس الوسيلة لتكون أهم من تحقيق الغاية.
ولم يساهم الاتفاق في خفض وتيرة الاحتجاجات المناهضة لحكم العسكر في البلاد، حيث يشار إلى أن مدن السودان المختلفة ظلت طيلة الأيام الماضية تشهد احتجاجات رافضة للانقلاب ومنددة بالاتفاق السياسي وتطالب بعودة الجيش للثكنات، ومن جهتها أصدرت العديد من قوى الثورة المتمثلة في لجان المقاومة والأجسام المطلبية والفئوية بيانات رافضة للاتفاق الأخير، وجددت موقفها باللاءات الثلاث من المكون العسكري بأن «لا تفاوض لا شراكة لا شرعية».
لجان مقاومة ولاية كسلا التي تقع في شرق السودان قالت إن ما قام به عبدالله حمدوك طعنة في خاصرة الثورة وشرعنة للانقلاب العسكري، وقالوا في بيان أنه منح البرهان سلطة لا يملكها وكرس بها لحكم الفرد الشمولي وقطع الطريق على التحول المدني الديمقراطي. وأشارت مقاومة كسلا إلى أن الاتفاق لم ولن يقدم العسكر الجناة للعدالة طالما هم في سدة السلطة، كما أنه لن يعالج القضايا الجذرية المعيقة للانتقال وهي تكرار للمجرب في نكوص المؤسسة العسكرية عن الوفاء بالتزاماتها، إذ يرون أنه بعد ما يقارب الثلاثة أعوام لم تقوم المؤسسات الأمنية هياكلها وعقيدتها، كذلك قالت إن الثورة لا تقبل المساومة والخنوع كما أن التحول المدني يكون بانحيار حقيقي من المؤسسة العسكرية لا املاءات يطلقها قادة العسكر وميليشياتهم لتحقيق رغبات أمراءهم في دول الخليج.
وفي السياق يرى عضو مقاومة الخرطوم جنوب محمد عادل أن ما تمَّ هو اتفاق ثنائي بين شخص حمدوك والبرهان ، وهو اتفاق معزول لا يعبَّر عن مكونات الثورة وحواضن الانتقال ومن لهم المصلحة فيه، وقد جاء هذا الاتفاق تأسيساً على ما ورد في بيان البرهان بتاريخ 25 تشرين الأول/اكتوبر وبالتالي هو شرعنة للانقلاب ويفتح الباب للانقلابيين للإفلات من جرم الانقلاب على الأوضاع الدستورية بالبلاد ماضياً ومستقبلاً، ومن وزر قتل المحتجين السلميين في الشوارع.
من المؤكد أن حمدوك كان لوقت قريب يحظى بشعبية كبيرة جداً وسط شباب الثورة وظلت المواكب التي تخرج منذ الانقلاب وحتى وتوقيع الاتفاقية ترفع صوره وتنادي بعودته باعتباره رمزا للحكم المدني، بالتالي توقع بعض المتابعين أن يؤثر ذلك الاتفاق الذي وقعه على زخم الحراك، لكن وبالمقابل يقول عادل أن الشعبيّة التي يتمتع بها د. عبد الله حمدوك قد قام الشارع بمنحها له في الماضي ثقةً في إنحيازه لمطالب الثورة وقد رأى الشارع الآن بوضوح إنحرافه عن هذه الأهداف وبالتالي فقوى الثورة وإذ أنّها لا تعترف بالأشخاص فهي ماضية في تحقيق أهدافها تأسيساً لدولة مدنية ديمقراطية، وأكد عضو المقاومة أنهم سيستمرون في تفعيل أدوات الحراك السلمية الى حين إسقاط الانقلابيين ووضع الأمل في الشعب ومكوناته الحيّة في الإلتفاف لهزيمة هذا الانقلاب.
موقف لجان المقاومة الرافض للاتفاق وللتفاوض والشراكة مع المكون العسكري هو بالتوازي يفتح الباب لتساؤلات أخرى عن ماهية السيناريوهات المتوقعة، وإلى ذلك يقول عادل، لا يستطيع أحد التنبوء بمجريات الأحداث كاملةً لكننا نضع ثقلنا في أدوات المقاومة المعروفة والمجرّبة والتي يملك الشعب السوداني باعاً طويلاً فيها ومن قبل قد أثبتت نجاعتها في هزيمة الديكتاتوريات، من تظاهرات مروراً بالإضرابات وصولاً إلى العصيان المدني، ونعمل على خلق جبهة عريضة من الكيانات النقابية والمهنية والأحزاب السياسية ولجان المقاومة التي ستتواضع فيما بعد على خريطة وميثاق سياسي لإدارة الانتقال المقبل.
ويضيف قائلاً: «إنزلاق البلاد للفوضى هو سيناريو مُحتمل بلا شك في ظل تعنت جنرالات العسكريين وتمسكهم بالسلطة والتغول على الحياة المدنية، لكننا نراهن أيضاً على الوعي الشعبي وعلى تعرية الانقلابيين محلياً، وإقليمياً و دولياً، والأهم من قِبل المؤسسة العسكرية نفسها فهم برأينا لا يمثلون صوتها ويقومون بإقحامها في مشهد صراعي وعبثي ليس من مهامها، حتى أضحت كأنها حزب سياسي».