السودان: عندما لا يأتيك بالأخبار من تزود

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

عندما أوردت الأنباء خبر طرد السلطات السودانية لدبلوماسيين غربيين (هكذا ورد الخبر في نشرة الجزيرة الأخبارية لأول وهلة) دفعني الفضول للاتجاه إلي مصادر الأخبار السودانية لاستجلاء خلفيات هذا الخبر.

ولكن كل قنوات الإعلام الرسمية وغير الرسمية السودانية لم تورد كلمة عن هذا الحدث الذي نسبت الجزيرة التصريح به للناطق باسم الخارجية السودانية. لم يكن هناك ذكر للخبر في الإذاعة ولا في التلفزيون، كما لم أر ذكراً له في صحف اليوم التالي، حتي كدت أصل إلي قناعة بأن الجزيرة ربما أخطأت في إيراد هذا الخبر المبهم. وعندما جاء الخبر اليقين أخيراً، أوردت الصحف تفاصيل قليلة عن الدبلوماسيين اللذين تم ابعادهما، فإذا بهما القائمة بأعمال كندا وممثل الاتحاد الأوروبي (الذي لم يكن بقي له في السودان سوي ثلاثة أسابيع فقط)، وذكرت السبب بأنه تدخلهما في الشؤون الداخلية للسودان.

ولكن كل مصادر الأخبار من صحف وإذاعة وتلفزة وانترنيت لم تذكر شيئاً عن الجرم المشهود الذي جعل الدبلوماسيين من الأشخاص غير المرغوب فيهم. وقد كان أضعف الإيمان أن تفصل هذه التهمة العظيمة والإثم المبين. ولكن لا المسؤولون رأوا أن من حق عباد الله الذين يعنيهم هذا التغول المشين علي سيادة وطنهم أن يعرفوا ما ارتكب في حقهم من تعد، ولا الإعلاميون رأوا أن من واجبهم الاستقصاء عن هذا التفصيل وإفادة الجمهور به. ولكن لأننا في عصر الانترنيت، ولأن الأمر يعني دولاً أخري، فإنه لم يكن من المتعذر أن يفزع طالب المعلومة إلي الغلوب آند ميل وأضرابها حتي يفاد بدون تأخير بأن القضية تتعلق باستفسار الدبلوماسية الكندية عن سياسي معارض اعتقل علي خلفية تهمة المشاركة في تدبير محاولة انقلابية. وسرعان ما تكشف أن المعارض المعني هو علي محمود حسنين المحامي نائب زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي. مر يوم آخر أو يومان قبل أن يصرح مسؤول حكومي بأن التهمة المحددة هي أن الدبلوماسية قامت بتوجيه خطاب إلي رئيس جهاز أمن الدولة مباشرة بدون وساطة وزارة الخارجية كما يتطلب البروتوكول. ولسنا هنا بصدد التعليق علي المسلك نفسه، ولا علي حس الدبلوماسيين بطبيعة توازن مراكز القوي الذي دفعهم في السابق إلي تعبيد طريقهم إلي المنشية أو إلي مكتب الشيخ إبراهيم السنوسي في المؤتمر الشعبي بدلاً من إتعاب نفسهم بقصد وزارة الخارجية، وهو من باب اتباع التوصية القرآنية بأن تؤتي البيوت من أبوابها، فهذا مبحث آخر. ولكن قضيتنا اليوم هي قلة غناء ما يوفره الإعلام من معلومات.

في خبر آخر غير ذي صلة، كنت أتابع تغطية إذاعية لزيارة النائب الأول لرئيس الجمهورية (نحن لا نزال في السودان) إلي مدينة توريت في جنوب السودان. وقد جاء عرضاً في الخبر أن المسؤول قد سعي خلال تلك الزيارة إلي معالجة صراع قبلي بين القبائل الرعوية والزراعية في تلك المنطقة من البلاد. وقد زاد المراسل الذي أورد الخبر فأورد تصريحات لمسؤول آخر حدد ذلك النزاع بأنه بين قبائل المورلي والنوير، وأنه قد أودي بكثير من الأرواح وخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة. الإذاعة أوردت الخبر بدون خلفية وبدون تعليق، بينما غاب عن معظم القنوات الإعلامية الأخري من مكتوبة ومسموعة ومرئية. وتأتي أهمية هذا التجاهل المدروس إذا علمنا أن طامة دارفور نبعت في أصلها أساساً من صراع من هذا النوع بين المزارعين والرعاة، تعرض في مبدأ أمره إلي إهمال طويل أو معالجات ناقصة قبل أن يتم النفخ في كيره من قبل جهات لم تدرس عواقب أفعالها كما كان ينبغي. وكان من المنتظر والحالة هذه أن يقود الحس الإعلامي والسياسي من عليهم تزويد الناس بالأخبار إلي استشعار الخطر المبين، والتقصي عن هذا الصراع وخلفياته واحتمالات تفجره أو توسعه. ولكن الصوت الإعلامي كان الغائب الحاضر في هذه المسألة، حيث أورد الخبر كأنه لا يعنيه أو لا يعني المستمع. فالخبر عنده لم يكن هو الصراع أو الحدث، وإنما تصريح المسؤول. ليس هذا النهج الإعلامي ببدع من نسق الإعلام في الأنظمة الشمولية، حيث الهدف من الإعلام هو إخفاء المعلومات وتضليل المشاهد أو القارئ، وليس تنويره. ففي هذا الإعلام لا يرد إسم الزعيم إلا وهو مقرون بآيات التجلة وألقاب التعظيم والتفخيم، وغالباً الدعاء الإجباري كأن السماء يمكن أن تخدع كما يخادع أهل الأرض. أما المعارضون فإنهم الفئة الضالة أو الجماعة المحظورة إلي غير ذلك من أدوات الدعاية. ويكفي أن يكون المشاهد من هواة تعذيب الذات حتي يتابع نشرات الأخبار في القنوات الحكومية العربية علي اختلافها ليكتشف كيف يمكن أن يضيع المرء وقتاً ثميناً من عمره يسأل عنه يوم القيامة في متابعة نشرة أخبارية طويلة لا يخرج منها بمعلومة واحدة مفيدة سوي أن المسؤول الفلاني استقبل أو زار نظيره العلاني حيث تبادلا الرأي حول القضايا الملحة واكتشفا تطابق وجهات النظر بينهما ولله الحمد والمنة، أو أن الزعيم الأوحد زار المنطقة الفلانية واطلع بنفسه علي مشاكل الجماهير وأوصي بأن تحل فوراً، وغير ذلك من الرموز والألغاز.

ولكن الأمر كان ينبغي أن يكون مختلفاً في الصحف المستقلة في السودان وبقية أنحاء العالم العربي، بل وحتي في الإعلام الرسمي السوداني. ذلك أن الحكومة القائمة في السودان، كما لا يمل بعض المتحمسين الجدد (علي وزن المحافظين الجدد) عن تذكيرنا لم تعد حكومة حزب واحد وإنما هي حكومة وحدة وطنية. ولكن يبدو أن هذا الخبر لم يبلغ الإذاعة السودانية وقنوات التلفزة التي أوردت الأسبوع الماضي علي سبيل المثال خبر انعقاد إحدي جلسات هيئة من هيئات حزب المؤتمر الوطني الحاكم علي صيغة إعلان مدفوع الأجر، بدون مناقشة أو تعليق حتي. المذيع اكتفي بأن يعطي أحد مسؤولي المؤتمر الوطني عدة دقائق لكي يفتخر بما أنجزه اللقاء من فتح مبين في تفهم القضايا الملحة ومعالجتها دون توجيه سؤال واحد له حول الأمر.

الطريف في الأمر أن نفس النشرة الإخبارية أوردت في فقراتها الدولية خبراً مطولاً عن قرار المحكمة العليا في باكستان السماح لرئيس الوزراء (الخبر وصفه خطأً بالرئيس) الأسبق هناك نواز شريف بالعودة إلي باكستان، وأفاضت في التعليق علي مغزي الخبر، وكيف دلل علي استقلال القضاء في ذلك البلد المأزوم، وكيف سينعكس هذا القرار علي الأوضاع السياسية في باكستان. وغني عن القول أن من حرر الخبر هو ناقل عن غيره، ولكن حتي حرية النقل محدودة. فقد كان من الممكن أن يورد مقدم الخبر تعليقات الشريك الثاني في حكومة الوحدة الوطنية هذه، ناهيك عن تعليقات صحف المعارضة أو المعلقين المستقلين.

في خبر آخر أوردت وسائل الإعلام السودانية نبأ وصول دفعة أولي من المعونات السعودية للمتأثرين بالفيضانات ونازحي دارفور بصيغة من هذا القبيل: وصلت اليوم إلي مطار الخرطوم الدفعة الأولي من مكرمة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله (وتلا هذا تصريح لدبلوماسي سوداني يشيد فيه بهذه المكرمة وبالدعم السخي المتواصل للسودان من خادم الحرمين الشريفين المفدي.. إلي آخر الموال). وغني عن القول أن وصول مساعدات أمريكية وأوروبية متواصلة بلغت مئات الملايين من الدولارات لنازحي دارفور وقبل ذلك متضرري الحرب في الجنوب لم يشر إليها في أي يوم علي أنها مكرمة جمهورية من جورج بوش، أو عطية ملكية من رئيس وزراء جلالة ملكة بريطانيا حفظها الله، وهو تباين في التناول كاشف لما تحته من أهوال. ومرة أخري لم يكن الغرض الإعلام بخبر معين، بل مخاطبة شخص واحد هو المعني بهذه الترهات.

في كل عصر ومكان وزمان تصل الأخبار في نهاية المطاف إلي من يعنيه الأمر، ويأتيه بها من لم يزود كما قال شاعرنا العربي الحكيم. وخلفية بيت طرفة بن العبد المشهور هو أن طلاب الأخبار كانوا يبعثون من يأتيهم بها، وكان هذا يعني تزويد الرسول بما يحتاجه من طعام وغيره. هذا لأن الأخبار والمعلومات ظلت دائماً مصدر قوة لمن يمتلكها. وفي عصرنا هذا الذي تسارعت فيه حركة نقل المعلومات، أصبح الحصول علي الخبر الكامل في وقته من أهم عناصر القوة. ولهذا تزود المجتمعات طائفة كبري من المهنيين وتبذل لهم الغالي والنفيس حتي يزودوها بما يهمها من الأخبار في وقتها وعلي الوجه الأكمل. ولكن يبدو أن هؤلاء المزودين كثيراً ما لايقصرون فقط في واجبهم، بل يؤدون دوراً مخالفاً يتمثل في الخداع والتضليل أو علي الأقل إخفاء المعلومات. صحيح أننا بفضل الله الذي حبانا بالانترنيت نحصل دائماً علي الأخبار ممن لم نزود، ولكننا نريد أن يأتينا من نزود بالأخبار، وهو أضعف الإيمان.

نشر الأخبار وحده لا يكفي لخلق المناخ السليم، بل النقاش والتداول حولها، ويشمل هذا تصحيح الخطأ فيها، تعتبر من الأهمية بمكان في تقوية النسيج الاجتماعي. والبديل لنشر الأخبار الصحيحة في وقتها ليس هو أن يعم الجهل، بل ظهور قنوات بديلة لتوزيع المعلومات. ويكفي أن تزور بعض البلاد التي تمارس الإغلاق الإعلامي مثل السعودية لتعجب عن كمية المعلومات التي يأتيك بها من لم تزود بل ومن لا تعرف حول أدق أسرار كبار المسؤولين وما يحدث في قصورهم وما يأتيه أبناؤهم من أفعال. وغني عن القول أن معظم هذه المعلومات هي مجرد شائعات، خاصة وأن من يوردها لا يمكنه إلا نسبتها لجهات مجهولة عبر حلقة عنعنة طويلة. ولكن لا يوجد أي مجال لتصحيح مثل هذه المعلومات لأنها لا تصل إلي من يعنيهم الأمر. وحتي إن وصلت فإن تصحيحها علناً سيكون بمثابة تأكيد لها. ذلك أن المتلقي وصل إلي درجة من عدم الثقة في الإعلام الرسمي (وهي ثقة تقوم علي تجربة طويلة) بحيث أنه يصر دائماً علي القراءة بين السطور، وغالباً ما يستنتج من كل نفي أو تأكيد عكسه تماماً.

كثير من وسائل الإعلام العربية، بما في ذلك بعض كبريات الصحف، لاتزود قارئها إلا بالقليل من الأخبار والمعلومات، بينما تمطره بوابل من التعليقات والآراء التي هو في غني عنها لأنه لايثق بمن يوردها ولا يقبل منطقهم. بل إن معظم ما يقدم علي أنه أخبار هو في نهاية المطاف تعليقات وآراء مغلفة، لأن الخبر لا يورد إلا نادراً بصورة حيادية أو كاملة، إلا إذا كان خبر عاصفة ثلجية في القطب الشمالي أو ما شابه ذلك. أما كل خبر له بعد سياسي فلابد أن يخفي أضعاف ما يظهر، ويتم حشوه بعبارات نفاق أو تحيز أو تضليل تفقده كل معني. ولهذا السبب كانت قناة الجزيرة قنبلة إعلامية في الفضاء العربي تحديداً لأنها تصر علي نقل الخبر بتفاصيله، وإن كانت بدورها لم تبلغ من ذلك الأمر تمامه. وبالمثل فإن صحيفة “القدس العربي” حظرت في عواصم عربية كثيرة ليس فقط لأنها تورد آراء ناقدة، لأن مثل هذه الآراء قد توجد حتي في بعض الصحف المحلية، ولكن لأنها تصر علي نقل الخبر الممنوع الذي تصمت عنه بقية الصحف المعروفة. وعليه فإن هناك مساحة للصحف العربية (وخاصة السودانية) التي تريد أن تتميز علي ما عداها، إذ ليس عليها سوي تقديم الخبر الكامل والدقيق في وقته حتي يقبل عليها القراء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية