الخرطوم ـ «القدس العربي» ـ وكالات: أطلقت الشرطة السودانية، أمس الخميس، الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين في وسط العاصمة الخرطوم، الذين كانوا يطالبون بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وإعادة ضباط من الجيش إلى الخدمة بعد إحالتهم على التقاعد، ما تسبب بوقوع 17 إصابة.
ودعا الى التظاهرة «تجمع المهنيين» الذي كان قاد الاحتجاجات ضد نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير على مدى أشهر، ما دفع الجيش الى الإطاحة به في نيسان/أبريل.
وحسب بيان صادر عن التجمع، فقد أيّد الأخير خروج الموكب الذي حمل عنوان «ردّ الجميل» وأعلن رفضه لمحاولة استبعاد الضباط، وضباط الصف من القوات المسلحة.
وأضاف «من انحاز لثورة شعبه وحماه جدير بالاحتفاء والرقية والتقديم لمواقع القيادة».
وتابع البيان «كما نعلن دعم ومشاركة كافة أجسام التجمع في المواكب المليونية التي تطالب بإعادة كل الشرفاء من الضباط وضباط الصف والجنود الذين تم استبعادهم من الخدمة العسكرية تعسفيا منذ 30 يونيو(حزيران) 1989».
هيكلة المؤسسة العسكرية
ولفت إلى أن «ذلك يجب تلازمه مع عملية شاقة وشفافة لإصلاح وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، يتم فيها إزالة تمكين عناصر النظام البائد من مفاصلها وتفكيك كافة الميليشيات، وبناء جيش وطني قومي واحد».
وكان الجيش أصدر مطلع الأسبوع قائمة بأسماء ضباط من رتب مختلفة تمت إحالتهم على التقاعد. وقال الناطق باسم الجيش العقيد عامر محمد الحسن، حسب ما نقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا)، إن «كشوفات تقاعد للمعاش وترقيات» صدرت «حسب ما هو معتاد بداية كل عام جديد».
وأشار الحسن إلى أن لوائحها تمنع على الضباط والجنود ممارسة النشاط السياسي.
وقال «اقحام القوات المسلحة في الحدث السياسي هذا يتنافى مع لوائحها وقوانينها التي تسير أداءها. وكل من يبرز أي نشاط سياسي، وهذا توجيه من قيادتها، لا مكان له فيها». لكن على الأثر انتشرت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تندد بإحالة الضابط الملازم محمد الصديق، الذي قال محتجون إنه ممن دافعوا عنهم وناصروهم عند بداية اعتصامهم. وتجمع مئات المحتجين الشباب على مقربة من القصر الرئاسي وهم يحملون أعلام السودان ولافتات كتب عليها «الجيش جيش السودان»، «لا لإبعاد أحرار الجيش». وأحرق المتظاهرون إطارات قديمة وأغلقوا طرقا بالحجارة. ثم وصلت شرطة مكافحة الشغب التي أطلقت الغاز المسيل للدموع وفرقتهم.
ووفق موقع «سودان تربيون» شهد تقاطع شارع القصر مع الجمهورية، وسط الخرطوم عملية كر وفر بين قوات الشرطة والمحتجين، على بعد أمتار من القصر الرئاسي، كما أعلنت وكالة رامتان في الخرطوم، إصابة مصورها، محمد يونس ومصادرة كاميرته.
وسقطت عبوة غاز على حافلة تقل طالبات وطلاب إحدى المدارس ما أدى لاختناق بعضهم والاضطرار إلى إسعافهم للمستشفى، كما تداول ناشطون إصابة شاب بالرصاص الحي ونقله إلى مستشفى فضيل.
وحمل المتظاهرون الأعلام الوطنية، ورددوا هتافات مناوئة لرئيس مجلس السيادة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ومؤيدة للضباط الذين أحيلوا أخيرا إلى التقاعد.
تجمع المهنيين أدان استخدام قوات الشرطة «العنف المفرط «وطالب بإقالة وزير الداخلية
كما أغلقت الأجهزة الأمنية الشوارع المؤدية إلى القيادة العامة للجيش، والقصر الرئاسي ومجلس الوزراء، للحيلولة دون وصول المتظاهرين، لكن بعض المتظاهرين وضعوا المتاريس لإغلاق بعض الطرق الفرعية.
ودان تجمع المهنيين استخدام قوات الشرطة «العنف المفرط»، وطالب بإقالة وزير الداخلية ومسؤولين في الشرطة.
لجنة أطباء السودان المركزية أكدت في بيان «انطلقت مواكب في طريقها إلى القصر الجمهوري بعد الدعوات المتواصلة في الأسبوع المنصرم منددة بقرار إحالة بعض ضباط الجيش الشرفاء إلى الصالح العام بعد حمايتهم وتضامنهم مع الثورة وأبناء شعبهم حيث كانوا معهم جنباً إلى جنب في ساحة اعتصام القيادة العامة».
وتابعت «سارت المواكب بسلمية ولا يملك الثوار فيها إلا هتافاتهم وأصواتهم المنادية برد الحقوق إلى أهلها ولكن ما كان من القوات النظامية إلا أن قابلتهم بنفس النسق القديم والعنف الموجه مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والضرب بالعصي والهراوات مما نتج عنها 17 إصابة».
وشددت على ان «القوات النظامية لاحقت الثوار في أزقة وطرقات السوق العربي في انتهاك واضح وصريح وتعد على حرية التعبير التي تعتبر من أهم واجبات الفترة الانتقالية».
وطالبت « بإقالة مدير عام شرطة السودان الذي يمتلك كل الصلاحيات المباشرة ومدير شرطة ولاية الخرطوم الذي يتآمر مع أذيال النظام ضد الثورة وإيقاف الضباط المسؤولين من هذا الانتهاك الذي حدث وإحالتهم إلى التحقيق الفوري. كما نطالب بإعادة هيكلة الشرطة وكل المؤسسات النظامية وذلك للاضطلاع بمهامها الدستورية في حماية المواطنين وكرامة الناس».
وأدان تجمع «الحرية والتغيير» القمع، وقال في بيان «المجد والخلود للذين ضاقت بهم الشوارع فاتسعت رؤاهم ببشارات غد أفضل للثورة السودانية، إن الجماهير هي صاحبة الحق وهي التي تقرر وتتولى في أمرها، إننا نستنكر وندين بأقوى العبارات القمع الذي واجهت به الشرطة جموع شعبنا التي خرجت من أجل رد الاعتبار لأبنائها في القوات المسلحة الذين وقفوا معها وساندوا ثورتها فعبروا خير تعبير عن أنهم قوات الشعب المسلحة».
الثورة مسؤولية الشعب
وأضافت «لئن كانت الوثيقة الدستورية قد نصت على أن إصلاح المؤسسة العسكرية تقع ضمن مسؤوليات ومهام الأجهزة الأمنية؛ غير أن هذه القوات قد صنعها الشعب السوداني فحملت اسم قواته المسلحة، بالتالي فإن مسؤولية الشعب عنها هي الأساس، كما أن الثورة هي مسؤولية الشعب».
وبين البيان أن «القمع الذي قابلت به القوات الأمنية موكب الشعب هو خزي وعار على جبين تلك القوى الأمنية، وعلى المسؤولين عنها تحمل مسؤولياتهم أمام الشعب والتاريخ الذي لا يرحم».
وطالب «حكومة الثورة بالخروج عن صمتها المطبق جراء ما حدث في موكب شعبنا السلمي اليوم، لتقول رأيها بما حدث لثوارنا وهم في موكب أقل ما يسمى رد الدين لشرفاء من قوات الشعب المسلحة دعموا ثورتهم ووقفوا معها في وقت لم يتحل الكثير بهذه الشجاعة، وندعو الجهاز التنفيذي لإصدار أوامر حاسمة في شأن القوات التي وقفت ضد التعبير السلمي وقمعت الموكب السلمي دون وجه حق أو مبرر لذلك».
ونفذ مئات آلاف السودانيين احتجاجات بدأت في كانون الأول/ديسمبر 2018 احتجاجا على زيادة أسعار الخبز. ثم تطورت الى اعتصام قرب المقر العام لقيادة القوات المسلحة للضغط على الجيش للإطاحة بالبشير الذي حكم البلاد على مدى أكثر من ثلاثين عاما، وهو ما حصل في نيسان/أبريل.
وقُتل أكثر من 250 شخصا، حسب لجنة الأطباء المرتبطة بحركة الاحتجاج خلال الاعتصام الذي تم فضه بالقوة في تموز/ يوليو 2019. وتقول منظمة العفو الدولية إن العدد بلغ 177 قتيلا.
وبعد مفاوضات شاقة تم الاتفاق بين منظمي الاحتجاجات والمجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد البشير على تشكيل مجلس سيادة يتولى الحكم في إطار مرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات وحكم مدني.