السودان.. ما بين احتجاجات وعنف وشبح العزلة الدولية مجددا

حجم الخط
0

القاهرة- محمد راشد: بعد حديث عن وساطة من قبل الاتحاد الإفريقي لحلحلة الأزمة في السودان لم تتجسد على أرض الواقع، تؤشر الشواهد على أن الأمور لا تزال تراوح مكانها مع استمرار المظاهرات الرافضة لقرارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان والمطالبة بالعودة إلى مسار الانتقال الديمقراطي.

فقبل أسبوع ذكر رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقيه أنه سيرسل مبعوثا إلى السودان لتشجيع جميع الأطراف على التوصل بشكل عاجل إلى حل سياسي للأزمة التي تمر بها البلاد ، إلا أن الأحداث في الأيام اللاحقة كانت متسارعة وتلاشى الحديث معها عن أي دور للوساطة ، وسط أنباء عن رفض المكون العسكري انخراط الاتحاد الإفريقي أساسا بهذا الدور بعدما سارع إلى تعليق عضوية السودان في التكتل القاري بعد قرارات البرهان.

وعقدت احتجاجات الأربعاء الدامي المشهد حيث سقط 15 قتيلا وأصيب العشرات ، حسبما ذكرت لجنة أطباء السودان المركزية ، في أكثر الأيام عنفا منذ قرارات البرهان بحل الحكومة ومجلس السيادة الانتقالي في تشرين أول/أكتوبر الماضي. وذكرت اللجنة أن عدد المتظاهرين الذين قتلوا على يد قوات الأمن خلال المظاهرات منذ أواخر تشرين أول/أكتوبر بلغ 40 شخصا.

وعلى الرغم من تأكيد الشرطة السودانية أن القوات الأمنية تعرضت لعنف “غير مبرر” خلال الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ 25 تشرين أول/ أكتوبر ، وأن بعض التظاهرات “لم تكن سلمية وتخللتها اعتداءات على قوات الأمن” يرى مراقبون أن هوة الخلاف والشحن تجاه كل ما هو عسكري في السودان تتصاعد يوما بعد يوم ، ما ينذر بموجات أخرى أكثر عنفا في ظل حشد بعض القوى الثورية والتيارات السياسية من أجل التصعيد وإصرارها على تحقيق مطالبها كاملة.

أحدث دعوات التظاهر خرجت السبت ، حيث حشد نشطاء لمسيرة ضخمة اليوم الأحد أطلقوا عليها مليونية 21 (تشرين ثان) نوفمبر. وبينما شهدت بعض الأحياء مظاهرات ليلة السبت ، اتهمت الشرطة السودانية متظاهرين بحرق أحد مقارها في مدينة الخرطوم بحري، إحدى مدن العاصمة الثلاث، لكن نشطاء نفوا صحة رواية الشرطة ووصفوا ما حدث بأنه “مسرحية”.

وقال المتحدث باسم قوات الشرطة إدريس عبد الله ليمان :”تعرض قطاع ارتكازات قوات الشرطة بمنطقة المؤسسة بمدينة الخرطوم بحري اليوم لاعتداء من المتظاهرين وحرقه بالكامل”. وأوضح أن “المقر لا يضم حراسات ويقدم خدماته الأمنية للمواطنين عبر خدمة الاتصال الهاتفي، لكن المتظاهرين هجموا عليه وأحرقوه بالكامل، وتعرض لأذى جسيم رغم أن سيارة الدورية كانت في مهمة خارجية”.

ويظل المطلب الأبرز للقوى المدنية وأنصارها هو عودة رئيس الوزراء المقال عبد الله حمدوك إلى منصبه وإسناد قيادة البلاد للمكون المدني استكمالا للفترة الانتقالية التي يشهدها السودان منذ 21 آب/أغسطس 2019، والتي كان يفترض أن تستمر 53 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024، يتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى مدنية وحركات مسلحة وقعت مع الحكومة اتفاق سلام العام الماضي.

وتضغط العديد من الدول والمنظمات على الجيش السوداني من أجل العدول عن القرارات “الانقلابية” وإعادة الأمور إلى ما قبل 25 تشرين أول/أكتوبر ، إلا أن هذه المساعي لم تجد صدى فيما يبدو حتى الآن لدى العسكريين.

فالبرهان عين مجلسا سياديا جديدا مؤلفا من 13 عضوا برئاسته واحتفظ محمد حمدان دقلو ، المعروف بحميدتي ، بمنصب نائب رئيس المجلس السيادي. ويضم هذا المجلس تسعة كانوا أعضاء في المجلس السابق، بينهم خمسة من كبار ضباط الجيش، وأربعة أعضاء جدد حلوا محل أعضاء المجلس السابق المنتمين إلى قوى الحرية والتغيير.

وبقي في المجلس قادة الجبهة الثورية وهم مالك عقار والطاهر حجر والهادي إدريس ، بينما حظيت المرأة بمقعدين من أصل خمسة مقاعد مدنية في المجلس الجديد. وتم تأجيل تسمية ممثل شرق السودان في المجلس الجديد إلى حين إجراء “مزيد من المشاورات”. وأدى أعضاء المجلس القسم أمام البرهان ورئيس القضاء فتح الرحمن عابدين.

وهذا تطور رأى معه البعض أن السودان فقد بوصلة العبور إلى منطقة الانتقال الديمقراطي وأن للجيش مطامع في السلطة ، وتعالت النداءات للعصيان المدني ورفض قرارات البرهان حتى عودة الحكومة المدنية.

ويقول موقع “أفريكا إنتيلجانس إن “البرهان عزز قبضته على السلطة بتعيين مجلس السيادة الجديد وتخلص من المكون المدني الذي بات “مرهقا” ، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن “تعيين رئيس وزراء جديد يظل صداعا وأن عبد الله حمدوك ليس خارج اللعبة تماما”.

وما بين انفراد الجيش بالسلطة وغليان المحتجين في الشارع، أثارت الأحداث الأخيرة تساؤلات كثيرة بشأن مستقبل السودان الذي رزح تحت نير الديون وتصنيف الدول الراعية للإرهاب كثيرا، وطرحت علامات استفهام بشأن عودة كانت وشيكة إلى المجتمع الدولي، مع طريق كانت ممهدة لطلب الحصول على دعم اقتصادي من الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الكبرى.

فبعد إجراءات البرهان الاستثنائية ، بات مصير علاقة السودان مع واشنطن والمؤسسات المالية تلك في موضع شك ، خاصة بعد أن أعلنت الخارجية الأمريكية، تجميد مساعدات بقيمة 700 مليون مقدمة “للدعم الطارئ للاقتصاد السوداني”.

ورفعت الولايات المتحدة العقوبات التجارية المفروضة على السودان في عام 2017 .

وبعد وصول حكومة جديدة للسلطة ، أعلن صندوق النقد الدولي ، في تموز/يوليو الماضي، إعفاء السودان من متأخرات بقيمة حوالي 4ر1 مليار دولار، وهو ما مهد الطريق للمرحلة الأولى من تخفيف أعباء الديون في إطار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون. وقال الصندوق إن هذه الخطوة تتيح شطب أكثر من 50 مليار دولار، تمثل أكثر من 90 % من إجمالي الدين الخارجي للسودان.

ويتوقع محللون أن يمر السودان بـ”أوقات صعبة” نتيجة للأحداث الأخيرة، في ضوء إمكانية نظر المؤسسات الدولية في تجميد مساعداتها أيضا وإعادة النظر في عملية تخفيف الديون.

ويرى المحلل الأمريكي ديفيد بولوك ، زميل معهد واشنطن ، أنه لم يتضح حتى الآن موقف المؤسسات المالية الكبرى من ديون سودانية بمليارات الدولارات. وقال إنه “لو حدث أن قامت هذه المؤسسات بتقييد أو إلغاء عملية الإعفاء سيكون هناك تأثير سلبي أكبر على السودان”.

(د ب أ)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية