الخرطوم ـ «القدس العربي»: أعلن «المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير»، أمس الجمعة، عن رؤية سياسية «تمثل موقفه السياسي القائم على هزيمة الانقلاب العسكري واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد بقيادة سلطة مدنية حقيقية مسنودة بالجماهير»، وأيضاً «بناء علاقة صحية بين الشعب ومؤسساته النظامية».
أقرّ بارتكاب أخطاء مهّدت الطريق لإجراءات البرهان
وللمرة الأولى منذ وصولها للسلطة قبل أكثر من عامين، أقرت قوى «الحرية والتغيير» بارتكابها أخطاء مهدت بشكل أو بآخر، الطريق للانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. غير أنها في الوقت نفسه أشارت إلى إنجازات تحققت خلال فترة حكمها، بينها رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، بالإضافة إلى تأكيدها على أن المكون العسكري أعاق عملها، وكان يمضي في طريق الانقلاب، منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير وتوقيع الوثيقة الدستورية.
جبهة وطنية
القيادي في تجمع «المهنيين السودانيين» وعضو «المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير»، محمد ناجي الأصم، قال لـ»القدس العربي»، إن «تفاصيل الرؤية السياسية للحرية والتغيير أكثر عمومية، وترتكز على التوجه السياسي لقوى الحرية والتغيير في المرحلة المقبلة، والذي يتماشى مع الموقف المعلن للحرية والتغيير قبل وبعد الانقلاب، ورفض الانقلاب والعمل على قيام أكبر جبهة وطنية ممكنة لإسقاط الانقلاب والعمل على خلق سلطة مدنية كاملة لاستكمال مهام الانتقال والوصول للانتخابات».
وأضاف أن «النقد الذاتي لتجربة الحرية والتغيير نفسها خلال العامين الماضيين، كانت من أهم القضايا التي تناقش المجلس المركزي حولها». وقال «بالتأكيد، الحرية والتغيير كانت لديها أخطاء كبيرة جداً خلال العامين الماضيين، ومن المهم جداً أن يتم انتقاد تجربتها ومراجعتها والاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية».
نقد غير كاف
غير أن مراقبين لا يرون أن «الحرية والتغيير» قدمت النقد الكافي لتجربتها حتى الآن، عدا عن أن رؤيتها المطروحة لم تناقش آليات تنفيذ المهام التي طرحتها، وكم مدة الفترة الانتقالية التي تنفذ فيها.
إذ إن «الرؤية السياسية لقوى الحرية والتغيير، جاءت في وقت يقترب الشارع من مواكب 19 ديسمبر، واقتراب الإعلان السياسي لدعم الفترة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك»، حسب ما قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد علي لـ»القدس العربي»، مضيفا أن «قوى الحرية والتغيير بهذه الرؤية، أرادت أن توضح موقفها بشكل مفصل وشامل، ومهام ما بعد هزيمة الانقلاب»، حسب ما وصفت الرؤية.
وأضاف أن «المهام التي ذكرت في الرؤية السياسية، بعضها من المهام التي حددتها الوثيقة الدستورية إبان إدارة الحرية والتغيير للفترة الانتقالية، وأخرى ركزت عليها من خلال طرحها للوصول لميثاق سياسي يحكم العلاقة بين المدنيين والعسكريين».
وتابع «يتضح من خلال الرؤية السياسية، أن قوى الحرية والتغيير لم تستفد بالشكل الكافي من تجربة العامين الماضيين، مما يتطلب نقدا وتقويما حقيقيا للتجربة ومراجعة الأخطاء التي وقعت فيها».
وزاد: « أتت الرؤية إثر تصعيد الشارع من خلال ما أفرزه من مطالب وفي الوقت ذاته غياب القيادة السياسية له، مما ساهم في أن تبرز هذه الرؤية السياسية من تحالف الحرية والتغيير».
ولفت إلى أن «مستقبل الحرية والتغيير مرتبط بإعادة التقييم لعمل التحالف في السابق وتحديد هيكلة واضحة له تنظم عمله وضوابط تحكم العلاقة بين مكوناته السياسية وأن يتفق على برنامج يحقق الانتقال الديمقراطي».
وتابع: «من خلال تجربة التحالف السابقة، يتضح أن الحرية والتغيير قادرة على التنسيق، وهي خارج منظومة الحكم، وتتراجع عند الحكم، مما شكل حجر عثرة أمام استمرار التحالف مستقبلاً في أن يظل متوحداً»، مشيراً إلى أنه «يمكن أن يكون لها دور فاعل في الفترة المقبلة»، لكنه يعتقد أنه «سيكون مختلفاً عن الفترة السابقة».
وحسب علي «لم تناقش الرؤية السياسية للحرية والتغيير آليات تنفيذ المهام التي طرحتها وكم مدة الفترة الانتقالية التي تنفذ فيها، بل لمحت إلى أنها تتم في الفترة الانتقالية، وأن التحول الكلي يتحقق عبر سنوات».
هذا كله «يجعل الرؤية ناقصة ولم ينظر من خلالها للوضع الحالي ومستقبل الشراكة من عدمها» تبعا للمصدر الذي واصل: «يقرأ من خلال الرؤية أيضاً، أنها لم تحدد آليات إسقاط الانقلاب، بل حددت مهام ما بعد الانقلاب، وهذا يشير إلى أن الرؤية يمكن أن تكون قابلة للتفاوض مستقبلاً مع الفاعلين الآن في الفترة الانتقالية».
وتعتبر «الحرية والتغيير»، وفقاً للرؤية المطروحة نفسها «التحالف الأعرض والأكثر تنوعاً في تاريخ السودان وقد كان له دور في توحيد الشعب خلف مطلب إسقاط نظام الإنقاذ، والتأكيد أن وحدة القيادة والرؤية والتنظيم ضرورة لا بديل لها لإسقاط الاستبداد».
وأشارت الرؤية إلى أن التحالف «واجه تحديات جمة عقب إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في التحول من تحالف مقاوم لتحالف يوفر الدعم لحكومة تسيير دولاب الدولة، خصوصاً أن هذا التحول المعقد كان يجري وسط عمل منظم لقوى معادية استهدفت تفتيت الجبهة المدنية وإثارة التناقضات في أوساطها تمهيداً لإجهاض ثورة ديسمبر».
ووفقاً لما أشارت إليه الرؤية السياسية، فإن «هذه التحديات جعلت التحالف يقصر في قضايا عديدة على رأسها توسيع قاعدته واستيعاب طاقات أبناء وبنات السودانيين من قوى الثورة، وتأخير قيام المجلس التشريعي والحفاظ على تماسكه بصورة كفوءة وفعالة».
كما أوضحت أيضاً أنه «منذ اليوم الأول لاختيار الحرية والتغيير لعبد الله حمدوك رئيساً للوزراء، وبدء التشاور معه لتكوين حكومة الكفاءات المستقلة الأولى، فقد التحالف أي صلة مؤسسية برئيس الوزراء وبحكومته، مما خلق تباينات عديدة وسمح لجهات أن تعمل لزيادة الشقة بين الحكومة وتحالفها السياسي»، مشيرة إلى أن «الأداء التنفيذي أيضاً كان دون الطموح في بعض الملفات مثل الملف الاقتصادي في بداية المرحلة الانتقالية، وتخليه عن ملف السلام وسماحه لمجلس السيادة في التغول على صلاحيات الجهاز التنفيذي في الأجهزة الأمنية (الشرطة والأمن) وملف العلاقات الخارجية».
وفي هذا الصدد، لفت إلى أن «مدنيي مجلس السيادة، لم يقوموا أيضاً بالدور المأمول منهم في وقف تغول العسكريين، وهو الأمر الذي سهل مهمة المجموعة الانقلابية في زيادة سيطرتها على مقاليد الأمور». وحسب الرؤية فإن «التحالف عرف قصوراً عن بلوغ هذه الغايات، الذي لا يخفى على عين، وأنهم يمتلكون الجرأة للاعتراف به والسعي الجاد لتلافيه وتطوير التحالف والانفتاح على جميع قطاعات شعبنا، مؤكدين أنهم يعون تماماً، أنه وبدون وجود أوسع جبهة شعبية مناهضة للانقلاب، لن تكون هناك قدرة على استعادة الثورة والمسار الديمقراطي».
ملف السلام
وتابع البيان «طريق المقاومة للاستبداد سارته مكونات شعبنا طوال 30 عاماً من عمر الإنقاذ جربت فيه صيغا عديدة وواجهت آلة الإنقاذ القمعية وقتلها وتعذيبها وسجونها، وتعثرنا مرات وتأخرنا مرات ولكننا كلنا عزم على المضي قدماً على قاعدة الاعتراف بقصورنا الذاتي والموضوعي والعمل لتصحيحه، وكلنا آذان صاغية لشعبنا الذي نستمع له ونتأدب في حضرته ونكون له خداماً فهو السيد والمالك لأمره وقراره».
وحددت «الحرية والتغيير» مهامها بـ»تصفية ركائز تمكين نظام الثلاثين من يونيو-رنظام عمر البشير- بصورة تركز على مفاصله الرئيسية، والشروع في تنفيذ الترتيبات الأمنية وتوحيد الجيوش المتعددة تحت القوات المسلحة، مع إجراء إصلاحات تضمن مهنيتها وقوميتها وكفاءتها».
وتضمنت أيضاً «إكمال ملف السلام، حيث أكدت على تنفيذ اتفاق سلام جوبا واستكمال عملية السلام، خاصة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور- الحركات غير الموقعة على اتفاق السلام والتي أعلنت رفض انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول-.
وتشمل المهام المنصوص عليها في رؤية الحرية والتغيير، كذلك، تعزيز سياسات الإصلاح الاقتصادي والسير في برنامج إلغاء الديون وتمتين الشراكات الدولية، وسن سياسات اقتصادية ذات محتوى اجتماعي ينحاز للفقراء والمهمشين ويرفع عنهم الضائقة المعيشية، بالإضافة إلى الشروع في عملية دستورية شاملة تتوج بالمؤتمر القومي الدستوري الذي يضع أسس الدستور الدائم للبلاد ومواصلة الانفتاح الخارجي وفق سياسة وطنية متوازنة».
وأكدت أيضاً على «إطلاق عملية شاملة للعدالة الانتقالية تكشف الجرائم وتنصف الضحايا وتضمن عدم تكرارها مرة أخرى، بالإضافة إلى تكوين مفوضية مستقلة للعدالة الانتقالية تقود هذه العملية وإجراء إصلاحات عاجلة في جهازي الأمن والشرطة تحت إشراف كامل للسلطة المدنية، فضلا عن إصلاح الأجهزة العدلية والقضائية والوصول لميثاق شامل يحكم العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية خلال الانتقال وما بعده».
محاربة الفساد
ونصت رؤية الحرية والتغيير أيضاً على» محاربة الفساد وتكوين مفوضية مختصة بهذه المهمة وولاية المالية على المال العام وسيطرة الدولة على الاقتصاد وموارد البلاد الرئيسية خصوصاً الذهب، والإصلاح المؤسسي وإصلاح الخدمة المدنية وضمان قوميتها ورفع كفاءتها وتحديثها وتطوير نظمها ولوائحها».
وشددت على «إقامة انتخابات حرة ونزيهة، مراقبة دولياً في أقرب فرصة متاحة، حددتها بنهاية المرحلة الانتقالية وبعد إكمال مهامها الرئيسية اللازمة لضمان نزاهة وشفافية العملية الانتقالية».
وقالت إن «المهام موضوع الرؤية، يبدأ تنفيذها في المرحلة الانتقالية وإنها تعي أن التحول الكلي في البلاد سيستغرق سنوات عديدة، ولكن المطلوب هو الالتزام الصارم بالسير قدماً للحد الأقصى الممكن في تنفيذ هذه المهام خلال المرحلة الانتقالية».
وأكدت على أن «هذه المهام يجب أن تضطلع بها سلطة مدنية حقيقية تمثل أوسع قطاع من قوى الثورة في مستويات الحكم المختلفة السيادية والتنفيذية والتشريعية في مستوياتها الاتحادية والإقليمية إضافة إلى المفوضيات المستقلة».
وشددت على أن «هذه المؤسسات ستشكلها قوى الثورة على قاعدة التمييز الصارم بين داعمي الانقلاب الذين لا مكان لهم في مؤسسات الانتقال بعد هزيمة الانقلاب، وبين من وقفوا موقفاً صارماً ضد الانقلاب وهم فقط من يحق لهم المساهمة في تشكيل مؤسسات المرحلة الانتقالية».