الخرطوم ـ «القدس العربي»: هزت ضربات جوية ونيران الدبابات والمدفعية، العاصمة السودانية الخرطوم، الجمعة وتعرضت مدينة بحري المجاورة لقصف عنيف، على الرغم من اتفاق الجيش وقوات «الدعم السريع» على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، وفيما تعتزم، الحركات المسلحة تحريك قوة عسكرية للفصل بين طرفي الصراع، دعا رجل دين إلى قتل ما وصفها بـ«الأحزاب العميلة» في إشارة لـ«الحرية والتغيير».
وقُتل المئات وفر عشرات الآلاف للنجاة بحياتهم من الصراع على السلطة، بين الجيش وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية الذي اندلع في 15 أبريل/ نيسان وأدى إلى تعطيل انتقال مدعوم دوليا نحو انتخابات ديمقراطية.
وفي ظل استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار التي وصفتها الولايات المتحدة أنها مثيرة للقلق، هز إطلاق نار كثيف وتفجيرات أحياء سكنية في منطقة العاصمة حيث تركز القتال خلال الأسبوع الماضي. وتصاعد الدخان الكثيف فوق منطقتين في بحري.
خوف دائم
وقالت محاسن العوض (65 عاما) وهي من سكان بحري «الوضع هذا الصباح مخيف جدا. نسمع أصوات الطائرات والانفجارات. لا نعرف متى سينتهي هذا الجحيم».
وتابعت «نحن في حالة خوف دائم على أنفسنا وأطفالنا».
ويوجه الجيش السوداني ضربات جوية بطائرات مقاتلة أو مُسيرة لقوات «الدعم السريع» المنتشرة في أحياء في العاصمة حيث يعاني العديد من السكان من صعوبة الحصول على الغذاء والوقود والمياه والكهرباء بسبب القتال في المدن.
وحسب الأمم المتحدة، القتال تسبب في مقتل 512 شخصا على الأقل وإصابة نحو 4200 منذ 15 أبريل/ نيسان، مضيفة أن العدد الحقيقي للقتلى من المتوقع أن يكون أعلى من ذلك بكثير.
وقالت الآلية الدولية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي وإيغاد، والوساطة الرباعية بقيادة واشنطن والرياض، أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أبديا استعدادهما للدخول في حوار من أجل التوصل إلى وقف دائم للأعمال العدائية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
واعتبرت إعلان الجانبين تمديد وقف إطلاق النار لمدة 72 إضافية، مرحلة أولية من الدبلوماسية الرامية إلى إنشاء عملية للتوصل إلى تحقيق وقف دائم للأعمال العدائية ووضع ترتيبات إنسانية، في العمل على تطوير خطة لخفض التصعيد.
رجل دين يحرض على قتل «الأحزاب العميلة»… النهب يطال مؤسسات صحية
وكانت «إيغاد» قد أعلنت طرحها مبادرة على الأطراف العسكرية المتصارعة في السودان نصت على تمديد وقف إطلاق النار، وإيفاد ممثل للجيش وآخر للدعم السريع إلى العاصمة الجنوب سودانية جوبا للتفاوض، فيما بدت مواقف الجانبين متضاربة تجاه المبادرة.
وبعد ساعات من إعلان تمديد الهدنة، شهدت منطقة جبل أولياء، جنوب الخرطوم، صباح أمس الجمعة، معارك عنيفة. فيما أفاد شهود عيان، بتحليق طائرات عسكرية وسماع دوي انفجارات وأسلحة ثقيلة، في منطقة كافوري، شمال الخرطوم وفي أحياء الكلاكلة جنوبها والجريف الواقعة شرقا ومنطقة بري القريبة من مباني القيادة العامة للجيش وكرري والصالحة في مدينة أمدرمان.
وقال المواطن سعد أحمد، من حي كافوري لـ«القدس العربي»: «الطائرات العسكرية ظلت تحلق فوق المنطقة، بينما تتعالى أصوات مضادات الطائرات». وأطلقت لجان مقاومة كرري، في مدينة أم درمان، تحذيرا للمواطنين، وطالبتهم باتخاذ الحيطة، منوهة إلى أصوات الانفجارات المتواصلة.
وما تزال المعارك بين الأطراف العسكرية وأحداث العنف القبلي في الجنينة غرب دارفور تشتد على نحو مريع، وسط سقوط مئات القتلى والجرحى. ومع تصاعد الأحداث أعلنت الحركات المسلحة التي كانت تتخذ موقفا محايدا، أنها قررت تحريك قوة عسكرية للفصل بين أطراف الصراع.
وقال زعيم حركة تحرير السودان، حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي في تغريدة على حسابه في «تويتر»: «أنه مع تصاعد المواجهات المسلحة في الخرطوم وامتدادها إلى عدد من المناطق، خاصة دارفور، تواصلت قيادات الحركات المسلحة وقررت تحريك قوة عسكرية مشتركة للفصل بين المتحاربين بالتعاون مع السلطات المحلية، منعا لتوسع دائرة الانفلات».
ودعا أعضاء الآلية الدولية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والوساطة الرباعية بقيادة واشنطن والرياض، الجيش وقوات الدعم السريع بتنفيذ التزامها بوقف إطلاق النار الحالي لمدة 72 ساعة إضافية بشكل كامل.
تبادل اتهامات
إلى ذلك، اتهم الجيش السوداني قوات «الدعم السريع» بمهاجمة طائرة إجلاء تركية، أثناء هبوطها في مطار وادي سيدنا العسكري غرب العاصمة السودانية الخرطوم، منددا بما وصفه بمحاولات «المتمردين» لعرقلة جهود الاجلاء.
وقال في بيان أن الطائرة التركية من طراز سي 130 تعرضت إلى إطلاق نار من قبل الدعم السريع، أثناء هبوطها في مطار وادي سيدنا، مما أدى إلى إصابة أحد أفراد طاقمها وتضرر خزانات الوقود في الطائرة.
في المقابل نفت قوات الدعم السريع الاتهام، مؤكدة أن قاعدة وادي سيدنا العسكرية، خارج نطاق سيطرتها.
واعتبرت تصريحات الجيش استمراراً لما وصفتها بـ«حملات التضليل الإعلامي من خلال نشر الأكاذيب والادعاءات للتغطية على تصرفاتها وأفعالها».
وقالت في بيان: إن «قادة الجيش الذين وصفتهم بـ«الانقلابيين المسنودين بالنظام البائد المتطرف» زعموا أن قوات الدعم السريع هاجمت طائرة إجلاء تركية وهي مزاعم يكذبها الواقع ومعطيات الأوضاع على الأرض».

وشددت على «التزامها بشكل صارم بالهدنة الإنسانية التي وافقت عليها منذ منتصف ليل الخميس، مضيفة: «لا صحة لاستهدافنا لأي طائرة في سماء وادي سيدنا بأمدرمان وهي منطقة لا تقع تحت سيطرة قواتنا وليس لدينا في محيطها أي قوات، وبالتالي فإن المسؤولية بالكامل تقع على قادة الجيش الذين يحاولون إلصاق التهم بقواتنا».
وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الجمعة، تعرض إحدى طائراتها العسكرية لإطلاق نار أثناء عملية إجلاء مواطنين في السودان.
في الموازاة، قال الجيش أن قواته تمكنت، أمس من صد هجوم للدعم السريع على قوات الدفاع الجوي في معسكر جبل أولياء، جنوب الخرطوم، مشيرا إلى تدميره 9 عربات قتالية خاصة بالدعم السريع واستلام رشاشين من مضاد للطائرات وأسلحة ومعدات مختلفة.
وأضاف في بيان: «هربت فلول المتمردين مخلفة وراءها عددا كبيرا من القتلى والمصابين».
وأشار إلى أن الدعم السريع شن هجوماً على المعسكر التابع للجيش في جبل أولياء، واصفا إياه بـ«الهجوم الفاشل» مؤكدا أن قواته تمكنت من صده بنجاح وكبدت الدعم السريع خسائر كبيرة.
واتهم «الدعم السريع» الجيش بالهجوم على قواته في المنطقة.
وقال في بيان: «كان واضحًا من خلال تحليق الطائرات الحربية وقصفها لمواقع تمركز قواتنا منذ فجر الجمعة والهجوم على قاعدة جبل أولياء وقصف مساكن المواطنين في مناطق الصالحة والثورات وامبدة أن قرار الهدنة كان مجرد مناورة وخداع من الجيش لمواصلة قصف مواقع تابعة للدعم السريع».
ومع تزايد حدة الحرب، اضطر عشرات الآلاف من السودانيين والجاليات الأجنبية إلى الفرار من العاصمة الخرطوم، والمدن المتأثرة بالقتال إلى مناطق أكثر أماناً مثل ولاية الجزيرة وسط البلاد وولايات: البحر الأحمر، نهر النيل، النيل الأبيض والولاية الشمالية. فيما عبر آلاف آخرون الحدود إلى جنوب السودان، مقابل محاولة آخرين الدخول إلى مصر وأثيوبيا عبر الحدود البرية، جانب نزوح أكثر من عشرين ألفا إلى تشاد.
وفي ظل أعمال النهب المسلح التي طالت عددا من المؤسسات الصحية في البلاد، نددت نقابة الصيادلة السودانيين، بنهب الصيدليات ومصانع وشركات ومخازن الأدوية في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، محذرة من أزمة صحية وشيكة.
وقالت في بيان «تعرضت عدد من الصيدليات والمصانع وشركات ومخازن الأدوية خلال الفترة الماضية لعمليات نهب وسلب واستباحة كاملة في عدة مناطق، بينها المنطقة الصناعية بحري والسامراب والحلفايا وكافورى شمال الخرطوم والفتيحاب غربها، وسوبا والباقي جنوب الخرطوم وعدة مناطق أخرى في خضم المعارك الدائرة بين الدعم السريع والجيش، منددة بغياب كل القوات الشرطية والنظامية الأخرى».
وأضافت: «تضررت المباني وبعض الماكينات ومناطق الإنتاج الصناعي للأدوية».
ولفتت إلى أن ذلك سيزيد من تفاقم الكوارث الصحية والإنسانية التي ظلت تحاصر الشعب السوداني، مشيرة إلى أن الوضع الصحي الهش سلفاً ازداد هشاشةً مع احتلال بعض المستشفيات من قبل ميليشيا الجنجويد مما أثر على عدد منافذ تقديم الخدمة الصحية فى الظرف العصيب الذي يحيط بالبلاد.
وحذرت من أن شح وانعدام الإمداد الدوائي والطبي عن المراكز الصحية والمستشفيات والصيدليات وانتشار الجثث في الطرقات يُنذر بكارثة صحية للشعب السوداني مؤكدة على ضرورة تكامل الجهود الرسمية والشعبية لتلافى الكارثة.
ودعت وزارة الصحة لتقوم بدورها فى درء آثار الكارثة الصحية الراهنة عن الشعب السوداني وفق خُطة وأهداف مدروسة في فترة زمنية محددة.
غضب واسع
إلى ذلك، أثار رجل الدين المقرب من النظام السابق، عبد الحي يوسف، غضبا واسعا في أوساط السودانيين، بعد تحريضه على قتل ما وصفها بـ «الأحزاب العميلة» فيما بدا إنها إشارة إلى قوى «الحرية والتغيير».
وفي أعقاب سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في 2019، جرى اتهام يوسف أنه قدم فتوى بقتل المعتصمين بالقيادة العامة للجيش السوداني في العاصمة الخرطوم.
وقال في مقابلة تلفزيونية، حول الحرب: «يجب قتل بعضهم، فبعض الناس لا يكف شره إلا أن يقتل ويقطع دابره». مضيفاً: «ليس المقاتلين فقط، ولكن يشمل ذلك أيضا تلك الأحزاب العميلة التي كانت تنفخ في نار هذه الحرب وتحالفت مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)».