الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل ثلاثة أشخاص وأصيب العشرات خلال قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات المليونية الرافضة للانقلاب العسكري في السودان، الإثنين، كما اعتُقل العشرات من أعضاء لجان المقاومة، في حين طالب حزب الأمة القومي قائد الانقلاب، عبد الفتاح البرهان، بالتنحي وإزالة كافة آثار انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وأكد الأمين السياسي لحزب الأمة القومي، محمد المهدي، لـ«القدس العربي» أنهم لن ينخرطوا في أي حوار مع قادة الانقلاب، مشيرا إلى مخاطبة الحزب للمجلس العسكري وتقديمه خريطة طريق لحل الأزمة، لكن بالمقابل العسكر لم يردوا عليها ويواصلون التمادي والانتهاكات.
وأضاف: يجب أن تقدم القوات المسلحة السودانية قيادات جديدة لمواصلة الطريق، لأن هؤلاء لا يريدون أن يخطوا خطوة للأمام.
وأعلن حزب الأمة، في بيان مساء الأحد، أنه سيقف بصلابة وعزم مطالبا بتنحي رأس الانقلاب وكامل سلطته الانقلابية فوراً، وإزالة كافة آثار انقلاب 25 أكتوبر/تشرين 2021 وما ترتب عليه من قرارات.
وبين أن خريطة الطريق التي قدمها الحزب تهدف بالأصل لإنهاء الانقلاب واستعادة مسيرة التحول المدني الديمقراطي والتسليم لحكومة مدنية كاملة الدسم بصورة متفاوض عليها.
التمادي بالوحشية
وأشار إلى أن العنف المتصاعد من القيادة الانقلابية رغم المشاورات الجارية حول عملية سياسية لاستعادة الشرعية، الذي أسفر عن سقوط 11 شهيدا منذ 17 يناير/كانون الثاني و75 شهيداً منذ الانقلاب وأكثر من ألفي إصابة بعضها بالغ الأذى، يؤكد أن قيادة الانقلاب ستمضي متمادية في الوحشية وابتداع أشكال جديدة بارتكاب المجازر العنيفة واعتقال الثوار بكثافة، واختطاف المصابين من غرف العناية المركزة، وضرب مواكب تشييع جثامين الشهداء، ومحاولات تلفيق تهم القتل والمخدرات للثوار وغيرها من الاتجاهات غير المسبوقة.
ورغم ارتفاع وتيرة قمع السلطات للمعارضين، شارك عشرات الآلاف أمس في التظاهرات «المليونية» المطالبة بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين في المدن السودانية المختلفة.
وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية، عن سقوط ثلاثة قتلى برصاص الأجهزة الأمنية، أحدهما بإصابة مباشرة في الرأس وآخر في الصدر، بينما أصيب العشرات في تظاهرات الأمس، مشيرة إلى أن المواكب التي اتجهت للقصر الرئاسي في الخرطوم ومواكب أمدرمان في شارع الشهيد عبد العظيم، واجهت عنفا مفرطا من السلطات التي استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع بكثافة بالإضافة للقنابل الصوتية في مواجهة المتظاهرين، وقامت بمحاصرة المواكب بأعداد كبيرة من عدة اتجاهات وطرق.
ووصل عدد القتلى في التظاهرات التي انطلقت منذ انقلاب الجيش في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى 75 ضحية حسب لجنة أطباء السودان المركزية، بينهم 8 أطفال وسيدة وشيخ سبعيني، فضلا عن إصابة أكثر من 2000 شخص حسب إحصاءات منظمة «حاضرين» لعلاج مصابي الثورة السودانية.
وفي شارع القصر القريب من القصر الرئاسي وسط الخرطوم، لاحقت الأجهزة الأمنية المتظاهرين، وصولا لأحياء الخرطوم 2 والخرطوم 3 واعتقلت العشرات منهم.فيما أكدت تنسيقية لجان مقاومة كرري، في بيان، أمس استخدام الأجهزة الأمنية للقمع المفرط وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، في شارع الشهيد عبد العظيم في مدينة أمدرمان.
وبالإضافة للهتافات المعتادة الرافضة للانقلاب، كان الهتاف الأبرز للمتظاهرين في الخرطوم: «توباك ما قاتل… توباك أخونا مناضل» احتجاجا على اعتقال السلطات للطفل محمد آدم، الشهير بـ«توباك» (17 عاما) من أمام مستشفى رويال كير في الخرطوم عقب إصابته في تظاهرات 13 يناير/كانون الثاني، واتهامه مع آخرين بقتل ضابط شرطة خلال التظاهرة.
وقالت هيئة الدفاع عن المقبوضين في قضية مقتل الضابط علي بريمة، الأحد، إن بعض المقبوض عليهم تعرضوا للتعذيب والعنف المفرط ومنهم الطفل «محمد آدم» الذي تم التركيز على تعذيبه في رجله المكسورة، وأيضا محمد الفاتح عصام، الذي ظهرت عليه علامات التعذيب الشديد والإصابة الخطرة في رأسه.
اعتقال العشرات من أعضاء لجان المقاومة… وتوتر في دارفور
واتهمت هيئة الدفاع النائب العام بالتخلي عن مهامه وتشجيع الشرطة على إساءة استغلال القانون، التي أصبحت الشاكية والمتحرية ونصبت نفسها محكمة تحاكم المقبوضين، حسب البيان.
وفي غضون ذلك، التقت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس) أمس، النائب العام السوداني، مشيرة إلى أن اللقاء جاء في إطار جهود البعثة الرامية لدعم سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان خاصة الحق في التجمع السلمي في السودان.
وفي مدينة مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وسط السودان، تدفق الآلاف من المتظاهرين في المنطقة المحيطة بمنزل أسرة الضحية، محمد فيصل، الذي توفي الجمعة متأثرا بإصابة في العنق في مليونية 17 يناير/ كانون الثاني.
وخاطبت والدة فيصل المتظاهرين، مؤكدة أن الثورة السودانية ستستمر في كل منطقة في السودان حتى إسقاط البرهان والانقلاب العسكري وتحقيق العدالة و«القصاص للشهداء ».بينما هتفت جموع المتظاهرين «الشعب يريد إسقاط النظام… الشعب يريد إسقاط البرهان».
«تلفيق التهم»
وقال عضو تنسيقيات لجان المقاومة في مدينة ود مدني، محمد الهادي، لـ«القدس العربي»: «خرجت مواكب هادرة من الأحياء، مواكب ملأت الشوارع هتافا وغضبا وتوجهت جميعها إلى منزل الشهيد محمد فيصل، حيث انعقدت مخاطبة هناك، وبعدها توجهت المواكب إلى منزل أسرة محمد المني المعتقل ضمن المتهمين في قضية مقتل الضابط علي بريمة، في تظاهرات 13 يناير/كانون الثاني في الخرطوم» مؤكدا أن «السلطات تحاول تلفيق التهم للمتظاهرين وأنها تحاول تأكيد ادعاءاتها بعدم سلمية الثورة». وأضاف: «نحن متمسكون بسلميتنا ولن نتراجع عن التصعيد حتى الإفراج عن محمد المني ورفاقه وتحقيق القصاص للشهداء وإسقاط الانقلاب وصولا للسلطة المدنية الكاملة».
ولفت إلى أن «السلطات سحبت الحراسات الأمنية من أمام المؤسسات الرسمية في مدينة ود مدني» متوقعا أن «تكون محاولة جديدة من العسكريين لتخريب المؤسسات وتلفيق تهم للمتظاهرين» حسب الهادي.
وأضاف: «أصيب شخص بعبوة غاز مسيل للدموع في الكتف، خلال قمع الأجهزة الأمنية لتظاهرات الإثنين» مؤكدا مواصلة التصعيد في مدينة ود مدني، حتى إسقاط الانقلاب.
وأشار إلى أن تنسيقيات لجان المقاومة في المدينة قدمت قبل أيام مقترح مسودة إعلان سياسي وعرضتها للنقاش بين السودانيين، مبينا أن الهدف منها توحيد القوى الثورية الرافضة للانقلاب من لجان مقاومة وأجسام نقابية ومطلبية وأحزاب في كل السودان، وتكوين جبهة مقاومة عريضة لهزيمة الانقلاب.
وخرج آلاف المتظاهرين أيضا في مدن المناقل وسنار والدويم وشندي في وسط السودان، وكسلا وبورتسودان والقضارف في الشرق، والدمازين في الجنوب ونيالا والأبيض غربي البلاد.
قتيلان في دارفور
وأعلنت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين عن مقتل شخصين، في حوادث إطلاق نار منفصلة في دارفور من قبل قوات الدعم السريع، يومي الأحد والإثنين.
وقال المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين، آدم رجال، في بيان أمس، إن قوات الدعم السريع أطلقت الأعيرة النارية على عربة ركاب قادمة من مدينة نيالا إلى الفاشر، في الطريق الرابط بين المدينتين، بالتحديد في منطقة أبو زريقة في ولاية شمال دارفور، مما أدى إلى مقتل راكب وإصابة ثلاثة آخرين، تم نقلهم إلى مستشفى الفاشر لتلقي العلاج.
وأضاف: «أطلق الدعم السريع مساء الأحد الأعيرة النارية على موتر (تكتك) يقل ركابا، في ولاية جنوب دارفور، مما أدى إلى مقتل سيدة وإصابة شخصين وطفل رضيع».
إلى ذلك، قال مجلس سيادة الانقلاب، في اجتماع الإثنين برئاسة قائد الجيش، إنه اطلع على الأوضاع في ولايات دارفور والولايات الأخرى، واطمأن على سير عملية الترتيبات الأمنية الخاصة باتفاق السلام.
وأضاف، حسب بيان، أحيط المجلس علما بالمساعي الجارية للوصول إلى الحقائق بشأن حالات القتل خلال التظاهرات من خلال الجهود التي تقوم بها لجنة التحقيق في هذا الصدد.
وزاد: تداول مجلس السيادة أيضا، حول إعادة تشكيل لجنة الاستئنافات الخاصة بقرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو المجمدة، وقرر إعادة تشكيل اللجنة برئاسة عضوة المجلس رجاء نيكولا، عضو وعضوية، يوسف جاد كريم، كرئيس مناوب وعضوية عدد من القانونيين من السلطة القضائية ووزارة العدل والنائب العام. ووجه المجلس اللجنة بمباشرة عملها فوراً، حسب البيان.