الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل ثلاثة أشخاص، وأصيب خمسة آخرون، برصاص الأجهزة الأمنية خلال احتجاجات مطلبية، الأربعاء، في محلية أبو حجار في ولاية سنار جنوب شرق السودان.
ومنذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يعيش السودان حالة من الاضطراب الأمني والسياسي، وضعت البلاد على شفا انهيار شامل.
ووفق تنسيقية لجان مقاومة أبو حجار «استخدمت الأجهزة الأمنية، العنف المفرط خلال قمعها احتجاجات رافضة لقرارات سلطات الانقلاب، بإعادة مشروع (كناف أبو نعامة الزراعي) لرجل أعمال مقرب من نظام الإنقاذ، والذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى».
وعقب استيلاء الجيش السوداني على السلطة، أصدرت السلطة القضائية عدداً من القرارات أعادت بموجبها شركات ومشاريع زراعية، لأعضاء النظام السابق ورجال أعمال مقربين منه.
ونقل المصابون، حسب لجان مقاومة أبو حجار، إلى مستشفى سنجة عاصمة ولاية سنار، وهم في أوضاع حرجة.
وكانت لجنة إزالة التمكين، قد استردت مشروع كناف أبو نعامة الذي تبلغ مساحته نحو 30 ألف فدان في أبريل/ نيسان من العام الماضي، بالقرار رقم (483) ودونت دعاوى جنائية ضد والي سنار خلال فترة نظام «الإنقاذ».
والمشروع، الذي أنشأه نظام الرئيس الأسبق، جعفر نميري، في سبعينيات القرن الماضي، متخصص في زراعة محصول الكناف المستخدم في صناعة جوالات الخيش الخاصة بتعبئة المحاصيل الزراعية. ولاحقاً، قام نظام الإنقاذ بخصخصته وبيعه لمستثمرين، قبل أن تعيده لجنة «إزالة التمكين» مرة أخرى لوزارة الزراعة في ولاية سنار.
وأصدرت محكمة سودانية، الشهر الماضي، قراراً ببطلان القرار الصادر من لجنة إزالة التمكين، بشأن استرداد أسهم مجموعة شركات معاوية البرير في مشروع كناف أبو نعامة.
وأكدت لجان مقاومة أبو حجار، أن المشروع يعد من المشاريع القومية التي استردتها لجنة إزالة التمكين لصالح حكومة السودان وسكان المنطقة، منددة باستيلاء سلطات الانقلاب عليه أخرى.
وقال العضو في هذه اللجان، مصعب محمد أدم لـ«القدس العربي» إن مواطني أبو نعامة خرجوا أمس الأربعاء، في مسيرة احتجاجية سلمية توجهت إلى مباني إدارة المشروع للتعبير عن رفضهم واستنكارهم لقرارات السلطة الانقلابية بإبطال قرارات لجنة إزالة التمكين وإعادة مشروع كناف أبو نعامة لرجل الأعمال معاوية البرير بالباطل وبقوة السلاح، مشيرا إلى أن القوة التي كانت تقوم بتأمين المشروع والمكونة من الجيش السوداني واجهت المحتجين بالرصاص الحي وقتلت المواطنين الزبير البشير ودوكة إبراهيم البشير والرضي البدوي، الذين ما زالت جثامينهم في المشرحة ولم يتم تسليمها لذويهم.
وأشار إلى نقل المصابين من مستشفى أبو حجار بحالات خطرة، بعد إصابتهم بالرصاص الحي إلى مستشفى سنجة، لافتا إلى نقل مصاب واحد إلى الخرطوم استدعت حالته ذلك.
وأضاف: يخيم الحزن على الجميع في أبو نعامة وسط حشد السلطة الانقلابية لقوة اضافية تقدر بعشرات السيارات المدرعة وقوات إضافية من الدعم السريع.
وناشد المواطنين بضبط النفس مضيفا: أن «الظلم ليلته قصيرة والانقلاب والقتلة إلى زوال لا محالة بأمر شعبنا».
ووصف عضو لجان مقاومة أبو حجار، محمد عبد السلام، في حديثه لـ«القدس العربي» ما حدث في أبو حجار، باستمرار انتهاكات وجرائم قادة الانقلاب الفظيعة ومحاولاتهم لإرهاب المواطنين السودانيين بالسلاح، في وقت يتواصل الحراك الثوري الرافض للانقلاب وكل قراراته.
وأشار إلى أن لجان المقاومة نظمت العديد من الاحتجاجات في المنطقة للتنديد باستيلاء سلطات الانقلاب على المشروع وإعادته لمن وصفه بـ «الرأسمالي الذي تسبب في مشكلات كبيرة للمواطنين في منطقة أبو نعامة في محلية أبو حجار ومنعهم من استخدام أراضيهم».
اندلعت بعد إعادة مشروع اقتصادي لرجل أعمال مقرّب من «نظام الإنقاذ»
وأضاف: «بالنسبة لنا المشروع ملك لحكومة السودان وأعادته لجنة إزالة التمكين لوزارة الزراعة ونرفض قرارات قادة الانقلاب بالخصوص».
واعتبر الحراك الشعبي لاستعادة المشروع جزءا من الحراك لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي في السودان، مشيرا إلى أن السودانيين سينتزعون العدالة لجميع ضحايا الانقلاب.
في السياق، استنكر القيادي في قوى «الحرية والتغيير» في ولاية سنار، علي طارق، في حديثه لـ«القدس العربي» استخدام الأجهزة الأمنية للقوة القاتلة في مواجهة المحتجين، محملاً سلطات الولاية مسؤولية كل الانتهاكات التي حدثت خلال قمع الاحتجاجات.
وندد بنقض سلطات الانقلاب لقرارات لجنة التمكين، مشيرا إلى رفض الأهالي استيلاء رجل الأعمال على المشروع مرة أخرى.
وأضاف: هناك أراض غير تابعة للمشروع يقوم المواطنون بتحضيرها للزراعة كل عام، وأثناء تحضيرها هذا العام منعتهم إدارة الشركة الجديدة من ذلك وتطور الأمر لاستخدام القوات المسلحة الرصاص في مواجهة المواطنين العزل.
المؤتمر يدين
كما أدان حزب المؤتمر السوداني بمقتل 3 من المحتجين بالرصاص الحي، وقال حزب في بيان، أمس: إن لجنة إزالة التمكين بعد استردادها لمشروع كناف أبو نعامة وتسليمه لوزارة الزراعة الولائية، قامت بالتفاهم مع مواطني المناطق المتاخمة للمشروع (أبو نعامة – عبل – قنوفة – الجبل الأبيض) حول أراض تتبع للمواطنين، تم تتبيعها للمشروع خلال فترة النظام السابق، مشيرا إلى أن هذه القضية كانت في طريقها للحل.
وأضاف: تفاجأنا بسلطات الانقلاب وهي تعيد المشروع مرة أخرى لرجل الأعمال معاوية البرير، معتبرا ذلك عودة للفساد في المشروع.
وأشار إلى تعنت الإدارة الجديدة مع المواطنين بخصوص أراضيهم واعتقال السلطات لعدد من المواطنين في وقت سابق للأسباب ذاتها.
كما ندد بقيام قوات الجيش، التي تحرس أراضي المشروع، بإطلاق الرصاص الحي على مواطني منطقة أبو نعامة، مضيفاً: أن «ما حدث من سلوك همجي وقتل للأرواح بدم بارد من قبل قوات الانقلاب يدل على استهانتهم بدماء السودانيين».
وشدد على «حق المواطنين في أراضيهم وملكية الدولة لمشروع كناف أبو نعامة».
وخلال 3 عقود أمضاها في حكم السودان، قام النظام السابق، بخصخصة عشرات المشاريع الزراعية لصالح رجال أعمال مقربين منه، وهو الأمر الذي أدخل المزارعين في أنحاء البلاد المختلفة، في صراع مستمر مع الدولة. وأضعفت الخلافات بين المزارعين والدولة، الاستثمار الزراعي في البلاد، بسبب تعرض مزارع المواطنين للتغول الحكومي.
وظلت الشكوى الدائمة للمستثمرين الزراعيين الأجانب في السودان، هو قانون الاستثمار والذي تم تعديله عدد من المرات ولكن دون جدوى.
وتأتي إعادة مشروع كناف أبو نعامة الزراعي، لرجل الأعمال معاوية البرير، في إطار حرب السلطة العسكرية، ضد لجنة إزالة تمكين نظام الإنقاذ، التي أعادت عشرات الشركات والمشاريع الزراعية إلى ملكية الدولة، أو نزعت ملكيتها من أعضاء النظام السابق.
وعقب انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شددت السلطة العسكرية قبضتها على قادة لجنة إزالة التمكين، حيث سجنتهم لمرتين، قبل أن تطلق سراحهم بالضمانات.
واتهمت السلطة العسكرية قادة لجنة إزالة التمكين، بخيانة الأمانة، لكنها لم تستطع تقديم اتهاماتها حتى الآن.
موجة عنف
ويأتي مقتل 3 محتجين في منطقة أبو نعامة، في خضم موجة من العنف تشهدها أقاليم البلاد المختلفة، تركزت في إقليم دارفور غربي البلاد.
والأسبوع الماضي، أعلن مجلس الأمن والدفاع الوطني (أعلى هيئة أمنية في البلاد) بأنه سيتعامل بحسم مع من وصفهم بـ «المتفلتين» وهو الأمر الذي اعتبره مراقبون بمثابة إطلاق يد القوات الأمنية في وجه المواطنين السودانيين الذين يعيشون تحت وطأة ظروف اقتصادية طاحنة.
وتشديد القبضة الأمنية الذي دعا إليه مجلس الأمن والدفاع الوطني، يأتي في ظل تمتع القوات الأمنية بحصانات مطلقة منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بموجب أمر طوارئ أصدره قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان.
كما أصدر البرهان قراراً آخر أعاد بموجبه صلاحيات القبض لجهاز المخابرات العامة، بعدما انتزعت من الوثيقة الدستورية الموقعة بين المدنيين والعسكريين في أغسطس/ آب 2019 هذه السلطة وأعادتها للشرطة.
ومع إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في نيسان/أبريل 2019، بدأت الحكومة الانتقالية في إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني والاقتصادي، واستعادة الحقوق التي سلبها النظام السابق، وهو ما شجع المواطنين للمطالبة بحقوقهم واستعادة مشاريع كانت قد انتزعت منهم. غير أنه، وبعد نحو سبعة أشهر من انقلاب الجيش السوداني، وأكثر من ثلاث سنوات على اندلاع ثورة ديسمبر 2018، بدا أن النظام السابق قد استعاد سطوته بالكامل.
ولا تزال قوى الثورة السودانية المعارضة للسلطة العسكرية تواصل احتجاجاتها المطالبة بإنهاء الانقلاب، بعد مقتل أكثر من 90 شخصا وإصابة 5000 آخرين، بينما تعتقل السلطات العشرات من أعضاء لجان المقاومة والناشطين السياسيين.