الخرطوم ـ «القدس العربي»: بعد تصريحات رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، أن من أهم بنود الاتفاق السياسي الجديد الذي وقعه مع قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، أن تكون له القدرة على تشكيل حكومة كفاءات مستقلة بكامل الحرية، تتزايد الأسئلة حول عدم تحقيق هذه الخطوة حتى الآن، في وقت يبدو فيه رئيس بعثة «يونيتامس» فولكر بيرتس، مهتماً بالاستماع لآراء القوى السياسية حول كيفية عودة البلاد إلى «المسار الدستوري والديمقراطي» إذ التقى لهذه الغاية حمدوك، ورئيس حزب «المؤتمر» عمر الدقير، والقيادي في الحزب نفسه، خالد عمر، وعضو مجلس السيادة السابق، صديق تاور، وحاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، ومجلس الإدارة الأهلية للشرق.
وكان حمدوك قد أكد أن الفكرة الأساسية في الحكومة المقبلة، أن تكون حكومة كفاءات سودانية مستقلة، وأن تركز فيما تبقى من عمر المرحلة الانتقالية على قضايا محدودة جداً، على رأسها تنفيذ التحوّل الديمقراطي واستحقاقاته.
ونفذ البرهان، في الخامس والعشرين من اكتوبر/تشرين الأول، انقلاباً عسكرياً أطاح عبره بالحكومة الانتقالية في السودان، التي تقوم على الشراكة بين المدنيين والعسكريين، وفق الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس/ آب 2019. وبعد أربعة أسابيع من وضعه قيد الإقامة الجبرية، وقع حمدوك، في الحادي والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني، اتفاقاً مع قائد الجيش عاد بموجبه إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولكن، دون مكونات حكومته من قوى الحرية والتغيير.
ونصّ الاتفاق السياسي على أن يقوم حمدوك باختيار أفراد حكومته من الكفاءات المستقلة.
لكن يبدو أنه يواجه تحديات عديدة، أبرزها موقف الشارع الرافض للانقلاب واتفاقه مع البرهان، واحتمالات تدخل العسكريين في قراراته بخصوص الحكومة، بالإضافة إلى عدم توفر حاضنة سياسية مقبولة له في الوقت الراهن.
إلا أن التحدي الأبرز والذي يعطل تكوين الحكومة، حسب ما قال مصدر مطلع، رفض الكشف عن هويته لـ«القدس العربي» هو «تمسك وزراء الحركات المسلحة بحصتهم التي نص عليها اتفاق سلام جوبا، في وقت يصر حمدوك على أن تكون حكومته من الكفاءات المستقلة ».
وفي الأثناء، يواصل وزراء الحركات المسلحة الأربعة (المالية والتخطيط الاقتصادي، المعادن، التنمية الاجتماعية، الحكم الاتحادي) مزاولة مهامهم باعتبار أنها استحقاقات اتفاق السلام، ولا تتأثر بالانقلاب العسكري.
ودعمت حركتا «العدل والمساواة» و«تحرير السودان» انقلاب قائد الجيش، في حين تعاملت معه الحركات الأخرى الموقعة على اتفاق سلام جوبا، الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، حركة جيش تحرير السودان المجلس الانتقالي وتجمع قوى تحرير السودان، باعتباره أمرا واقعا.
ويرى حمدوك أن الاتفاق السياسي الجديد جاء لحقن دماء السودانيين ولاستكمال مهام الانتقال الديمقراطي في السودان، بالإضافة إلى الحفاظ على الإنجازات الاقتصادية التي تم تحقيقها خلال العامين الماضيين من عمر الفترة الانتقالية.
وأكد على أهمية مواصلة الاتصال مع المؤسسات المالية الدولية والعمل على الموازنة الجديدة التي ستبدأ في يناير/ كانون الثاني، وإكمال ملف السلام عبر ضم الحركات غير الموقعة على اتفاق السلام، فضلاً عن تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي والمفوضيات والمجالس، خاصة المتعلقة بعملية إجراء الانتخابات المقرر انعقادها في عام 2023.
ورغم أنه قائد الجيش قال إنه يدعم تكوين حمدوك لحكومة كفاءات مستقلة، إلا أن قائد قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو» طالب رئيس الوزراء بالعودة إلى الأقاليم والقبائل لتكوين حكومته.
وأعفى رئيس الوزراء، خلال اليومين الماضيين (21) من وكلاء الوزارات الذين كلفهم البرهان عقب الانقلاب، كان آخرهم وكيل وزارة الإعلام، وعين وكلاء آخرين. إلا أن الإعفاء لم يشمل وزارتي المالية والحكم الاتحادي التابعتين للحركات المسلحة.
وفي السياق، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري، محمد أحمد شقيلة، لـ«القدس العربي» إن «رئيس الوزراء لن يكون بمقدوره في ظل الظروف الحالية تشكيل مجلس وزراء بسهولة» لافتا إلى «وجود اتفاق سياسي وقعه حمدوك مع البرهان، نص على تكوين حكومة تكنوقراط. في المقابل، هناك اتفاق سلام مع الحركات نالت عبره وزارات بالمحاصصة، والذي يعني أن الاتفاق الجديد يخرق اتفاق السلام الموقع بين الحكومة وبعض الحركات السودانية المسلحة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020».
بيرتس يستطلع آراء القوى السياسية لعودة البلاد إلى «المسار الدستوري والديمقراطي»
وأشار إلى أن «تكوين الحكومة الجديدة يحتاج لمفاوضات شاقة مع الحركات لإقناعها بالتنازل عن حصصها في مجلس الوزراء طوعا» وتوقع أن «يستغرق ذلك زمنا طويلا، في وقت يطالب فيه حمدوك بالاستعجال في تكوين حكومته».
وبيّن أن «المكون العسكري رغم وعوده بعدم التدخل في الشأن التنفيذي، إلا أنه سيفعل ذلك وكذلك المجلس السيادي سيتدخل، وسيحاول فرض إرادته في الشؤون التنفيذية من خلال نفوذ العسكريين، والذي سيضع حمدوك أمام تحدٍ آخر، وهو تشكيل حكومة سيفرض العسكريون بعض تفاصيلها بطريقة أو بأخرى».
فضلاً عن ذلك «هناك قوى سياسية لا بد أن تقبل الحكومة الجديدة قبل تكوينها» حسب المصدر الذي قال إن «المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير معظم مكوناته من الصعب أن تقبل حكومة حمدوك المنتظرة لجهة رفضها الانقلاب العسكري وما تبعه من خطوات».
وأضاف: «هناك أيضاً المجموعات التي قد تنشق من مجلس قوى الحرية والتغيير والتي ستطلب مقابلا، حال دعمها لحكومة حمدوك الجديدة، قد يكون مقاعد أكبر في المجلس التشريعي، بالإضافة إلى مجموعة قوى الحرية والتغيير (الميثاق) التي يبدو أن مكوناتها الغالبة من الحركات ستتمسك بتنفيذ اتفاق السلام وستصعب على حمدوك تكوين حكومته من الكفاءات وتجعل مهمة تشكيلها بالغة التعقيد».
واستبعد محاصصة المناصب بين القبائل والأقاليم كما قال (حميدتي) مشيرا لاحتمال مشاركتهم في المجلس التشريعي لاحقا.
ورأى أن «الشارع رغم رفضه لاتفاق حمدوك ـ البرهان، إلا أن مشكلته الأساسية مع العسكريين ووجودهم في السلطة، بجانب مهام تكوين الحكومة، فرئيس الوزراء مواجه بتحديات متعلقة بتنفيذ مهام الحكومة الانتقالية المحددة بعام ونصف عام».
ثلاث مهام
وحسب شقيلة، هناك ثلاث مهام أساسية منوطة برئيس الوزراء وهي «استكمال ملف السلام والمضي في البرنامج الاقتصادي والوصول لانتخابات حرة ونزيهة» مستبعدا أن يستطيع حمدوك إنجاز هذه المهام ولو بشكل جزئي في الفترة الانتقالية القصيرة المحددة بعام ونصف.
ورجح أن يتم تمديد الفترة الانتقالية في حال استمرار الحكومة، لافتاً إلى أن «الانتخابات تحتاج لتهيئة المناخ السياسي، وهذا أمر صعب للغاية في ظل الوضع الراهن في البلاد، وأيضا الوصول لاتفاق سلام مع الحركات المسلحة غير الموقعة على اتفاق سلام جوبا والتي ترفض الانقلاب والتعامل مع قادته».
وبيّن أن «الملف الاقتصادي شائك ومعقد، خاصة وأن المضي في معالجته يبدأ من الخارج أي أن مفاتيح نجاحه مرهونة بالخارج».
وختم بأن « نجاح حكومة حمدوك مرتبط بالتزام المكون العسكري بتعهداته في الاتفاق السياسي بعدم التدخل في الشؤون التنفيذية عبر نفوذه العسكري، والذي يبدو أمرا صعبا للغاية».
الخبير الاقتصادي، محمد الناير، أكد أن «حكومة حمدوك ستواجه بتحديات كبيرة، وكذلك قصر الفترة الانتقالية والتي قد تهدد إكمال مهامها».
وقال لـ«القدس العربي» إن «حمدوك تحدث عن برنامج اقتصادي قصير المدى يتم تنفيذه خلال عام ونصف عام، لا يبدو أنها ستكون كافية».
وأضاف «يفترض أن يضع رئيس الوزراء برنامجا قصير المدى وآخر متوسطا وطويل المدى يستمر لما بعد الفترة الانتقالية لجهة ضرورة البدء فيه منذ الآن وإكماله لاحقاً».
وأشار إلى أن «عدم الاستقرار السياسي والأمني والتعقيدات الداخلية في السودان وفي دول جواره سيعقد المشهد الاقتصادي، خاصة في حال عدم عودة المجتمع الدولي بالسرعة المطلوبة للسودان في ظل تعقيدات ما بعد الانقلاب».
وحمل الناير المجتمع الدولي مسؤولية ما حدث في السودان وصولا للانقلاب، لافتا إلى أن السودان «مضى بشكل جاد في الإيفاء بالتزاماته تجاه المجتمع الدولي والذي سبب صعوبات اقتصادية كبيرة للمواطنين استخدمها العسكريون لاحقا لتبرير الانقلاب، وبالمقابل تباطأ المجتمع الدولي في الإيفاء بالتزاماته».
وشدد على أن «المجتمع الدولي يتحمل أيضا مسؤولية فشل حكومة حمدوك الجديدة في الملف الاقتصادي في حال عدم تحركه بشكل فاعل».
ولفت إلى «أهمية أن يختار حمدوك الكفاءات الصحيحة في مناصب الوزراء وكذلك ولاة الولايات، باعتبار أن الولايات هي الركيزة الأساسية للاقتصاد، وأن الحكومة المركزية مهامها مرتبطة فقط بوضع السياسات الاقتصادية، بينما النشاط في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية مرتبط في معظمه بالولايات».
الموازنة
ورأى أن «أهم التحديات التي ستواجه حكومة حمدوك هي موازنة 2022 التي يمضي الإعداد لها ببطء شديد، والتي يجب أن تولي مسألة الأجور في القطاع العام اهتماما كبيرا، نسبة للتضخم الراهن في البلاد، فضلا عن خلق فرص عمل للشباب الذين يمثلون 60٪ من سكان السودان، وفتح فرص تمويل للمشاريع وللمستثمرين داخل وخارج البلاد».
وبيّن أن «أولويات حكومة حمدوك الاقتصادية على المدى القصير، يجب أن تكون استقرار سعر الصرف وخفض معدل التضخم، وإقامة بورصة الذهب للحد من تهريبه، وإيجاد صيغ للتعامل مع المغتربين ولزيادة الاستثمار الأجنبي وزيادة الصادرات».
وعلى المستوى المتوسط والطويل «زيادة الإنتاج والإنتاجية، تقليل الواردات، الإنتاجية العالية، وتقليل عجز الميزان التجاري» مشددا على «أهمية إيقاف الصادر الخام وتطوير الصناعات التحويلية واقتصاد المعرفة والبحث العلمي».
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد دعا، في مؤتمر صحافي مشترك أمس مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، الشعب السوداني إلى قبول الاتفاق بين حمدوك والبرهان، لضمان انتقال سلمي «إلى ديمقراطية حقيقية في السودان» على حد قوله.