السودان والقسم بالله العظيم

حجم الخط
0

السودان والقسم بالله العظيم

محمد كريشانالسودان والقسم بالله العظيمفعلها من قبل الرئيس عمر البشير أكثر من مرة وها هي تتحول علي ما يبدو إلي تقليد حكومي في الخرطوم: أقسم بالله العظيم، أقسم بالله العظيم، أقسم بالله العظيم … كررها هكذا غليظة الرئيس السوداني قبل عدة أشهر ليقول أنه لن يسلم مواطنا سودانيا واحدا لمحاكمته خارج البلاد ثم أعادها ثانية مؤخرا ليؤكد أنه لن يقبل قوات دولية في إقليم دارفور المضطرب وجريا علي ما بات ربما سنة حميدة في السياسة السودانية أعاد نفس القسم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسن.من حق السودان طبعا أن يتخذ من المواقف ما يناسبه فهو يفترض الأدري بمصالحه ولكن قد لا يكون من الملائم أن يزج بالله عز وجل في دارفور أو غير دارفور فالمواقف السياسية، سواء كانت رخوة أو صلبة، لا تحتاج لهكذا قسم حتي نتبين جديتها من عدمه فالممارسة وحدها هي الفيصل. وباستثناء أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي رفع سبابته معلنا قسمه الشهير أن الأمريكيين لن ينعموا بالأمن إذا لم ينعم به المسلمون، لا أذكر أن سياسيا لجأ إلي هذا الأسلوب لتأكيد تمسكه بموقفه بما لا يحتمل الشك مطلقا فحتي آية الله الخميني وما مثله من مرجعية دينية لملايين الناس، وهو ليس حال البشير علي أية حال، لم يقسم بالله مثلا أن حربه مع العراق ستستمر إلي أن يهزم نظام صدام حسين الشيء الذي جعله يقبل وقف إطلاق النار معه عام 1988 وكأنه يتجرع السم حسب تعبيره آنذاك. السياسة فن الممكن وما يقبله المشتغل في هذا الحقل اليوم، فما بالك بمسؤول حكومي أو رئيس الدولة، قد يرفضه لاحقا والعكس صحيح حسب مجموعة عوامل متداخلة تسهم مجتمعة في تقدير الموقف ودفعه في هذا الاتجاه أو ذاك، وهو في انتقاله بين هذه الضفة والأخري يبذل قصاري جهده لتبرير هذا التغيير بنجاح متفاوت تجاه جمهوره ومناصريه وحتي خصومه ولكنه في كل الأحوال لن يجد نفسه في موقع محرج يبرر فيه تراجعه عن قسم غليظ بالله تعالي لأنه في هذه الحال أمام معضلتين واحدة سياسية وأخري شخصية وأخلاقية. لنتخيل قليلا ماذا لو اختار السودان أو اضطر لقبول قوات دولية في دارفور لأن شروط وجودها تغيرت بشكل مرض سواء من حيث الإشراف أو التركيبة أو الصلاحيات أو أي شيء آخر، أي وضع مربك سيجد من أقسم بالله أن يحول الإقليم المضطرب إلي مقبرة لها؟! كل المسؤولين في العالم سواء كانوا في حكومات أو أحزاب معارضة أو حركات تحرر وطني غيروا مواقفهم في مسيراتهم السياسية مليون مرة فجاز وصفهم من قبل خصومهم وربما حتي مريديهم بالمتراجعين أو المتذبذبين أو المستسلمين أو المتقلبين وفي أسوأ الأحوال بالكذابين ولكن علي كل لن يوصموا بالكذابين رغم القسم برب العالمين. القسم أمر جليل وعادة لا يلجأ إليه إلا لتأكيد وزر الأمانة والمسؤولية عندما يتولي أحدهم موقعا يتحكم في البلاد ورقاب العباد أو عندما يقف أمام محكمة تريد الوصول إلي الحقيقة وإحقاق الحق ولا يجوز أن يقع التعاطي معه بهذه الخفة بحثا عن تصفيق الجماهير وإثارة حماستها اللهم إذا افترضنا أن المسؤولين السودانيين سيفضلون، إذا ما جد الجد، ترك السلطة علي إسقاط قسمهم وهذا ما لم تؤكده تجارب سابقة في كل مرة وجد فيه أي مسؤول نفسه في وضع وازن بين البقاء في الكرسي وبين أي شيء آخر حتي وإن كان رب الكون.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية