السودان والوجه المظلم للمحكمة الجنائية الدولية
محمد خليفةالسودان والوجه المظلم للمحكمة الجنائية الدولية سياسة العبث القانونية والأخلاقية تخطّت واقع الأحداث التي نعايشها في ما يتصل بقضية محكمة الجنايات الدولية. فقد بدا من خُططوا وساهموا في إنشاء هذه المحكمة أنهم ينحرفون عن الحق والحقيقة والقانون ويقفون مع الأنظمة الاستعمارية والباطل. فقد بدأت تتكشف أهدافهم ونواياهم. إنها حقيقة مؤلمة وموجعة في الأسلوب وفي الاتجاه بعد أن اندفع الكثير من الدول العربية والإسلامية في التصديق علي هذه المحكمة وتأييدهم المطلق لجميع بنودها. وإلاّ كيف يمكن أن نتصوّر ما نشرته وزارة الخارجية الأمريكية من أن تقرير المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، ويدعي لويس مورينو أوكامبو، قد أبلغ مجلس الأمن الدولي يوم 15 ديسمبر أن لديه ما يكفي من الأدلة حول ارتكاب جرائم قتل متعمّدة، وعمليات اغتصاب جماعية ونهب وسلب لمدن بأكملها لتوجيه الاتهام إلي عدد من الأشخاص بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور السوداني بحلول فبراير 2007. وقد أسعد هذا الخبر وزارة الخارجية الأمريكية فقامت بنشره عبر وسائل إعلامها الخارجي وذلك في مسعي منها لتوجيه رسالة للمسؤولين السودانيين مفادها أنه لا مهرب لكم من المحكمة الدولية، وأنه إما أن تنزلوا عند رغبة واشنطن وتقبلوا بتسليم السودان لها، وإما أن تتعرضوا للمحاكمة العتيدة وللعقاب. والمضحك أن الولايات المتحدة التي ابتهجت لتحريك الدعوي في المحكمة الجنائية الدولية ضد قادة السودان، هي الدولة الوحيدة في العالم ـ بالإضافة إلي ربيبتها إسرائيل ـ التي اعترضت علي إنشاء محكمة الجنايات الدولية. وأبرمت عدّة اتفاقيات مع دول تابعة لها في العالم تمتنع بموجبها هذه الدول من تسليم المسؤولين الأمريكيين العسكريين والمدنيين إلي هذه المحكمة. لكن إذا كانت الولايات المتحدة قادرة علي إبرام مثل هذه الاتفاقيات، فإن السودان وسواه من الدول الصغيرة في العالم غير قادرة علي فعل هذا الشيء. ولعل هنا مكمن الداء، فالدول الصغيرة والفقيرة تكون دائماً الضحية، سواء عن قصد منها أو عن غير قصد. فهذه الدول هي أول من هلّل ورحّب بإنشاء محكمة الجنايات الدولية، وسارعت قبل غيرها إلي الانضمام إلي ميثـاق نظامهـا الأساسـي المسمي نظام روما الذي رأي النور في 17 يوليو 1998. وربما لم تعلم هذه الدول أن القضاء الدولي سيكون سيفاً مسلّطاً علي رؤوسها هي، وأن قوي الاستكبار العالمي لن تخضع لهذا القضاء ولا لسواه من المواثيق والعهود الدولية. وعلي العموم، فقد وافقت هذه الدول، وأصبحت محكمة الجنايات الدولية حقيقة واقعة وأداة من أدوات قوي التسلّط في العالم. ويا للأسف، فإن هذه المحكمة قد افتتحت أعمالها بقضية ما يسمي جرائم الحرب في دارفور، مع أن ما ترتكبه إسرائيل من قتل منظّم بحق الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ستين عاماً يتطلّب من هذه المحكمة المسارعة إلي محاكمة إسرائيل. لكن المحكمة الموقّرة لم تسمع بهذه الجرائم وكأنها تحدث في كوكب آخر، ودأبت علي موضوع السودان وجعلته مهجة قلبها وغايتها من تطبيق العدالة الدولية . ومن هنا، لا يمكن للمرء أن ينظر ببراءة إلي هذه المحكمة، ولا يمكن له إلاّ أن يتوجّس منها خيفة. ومنذ أن اشتعلت أزمة دارفور مطلع عام 2003 بتدبير من بعض الجهات الدولية لتدمير السودان، تحرّك المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمسؤولون في عواصم الغرب نحو دارفور، وكأنه لا يوجد في الأرض أزمة سواها، وأرسل الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان لجنة دولية لتقصّي الحقائق في دارفور وتحديد المسؤولين عن العنف في الإقليم. وقد كتبت هذه اللجنة تقريراً مطولاً يتهم 51 مسؤولاً معظمهم من الحكومة السودانية والقليل من قادة المتمرّدين، بأنهم يقفون وراء العنف هناك. وعلي الفور أخذت الولايات المتحدة هذه اللائحة وتحركت في مجلس الأمن بالتعاون مع حلفائها الغربيين، فصدر قراران دوليان، الأول يحمل الرقم (1591) وهو يفرض عقوبات علي السودان، والثاني، هو القرار رقم (1593) والذي تبنّته فرنسا، ويقرر إحالة المتهمين في انتهاكات دارفور إلي محكمة الجنايات الدولية. وعلي الرغم من أن الحكومة السودانية قامت بعقد محاكمات لأربعة عشر متهماً في جرائم في دارفور، إلاّ أن ذلك لم يقنع الولايات المتحدة ولا المسؤولين الدوليين في الأمم المتحدة وفي محكمة الجنايات الدولية، حيث رأي هؤلاء أن هذه المحاكمات صورية وأصرّوا علي متابعة محاكمة المسؤولين السودانيين أمام محكمة الجنايات الدولية، مع أن هناك نصاً في النظام الأساسي لهذه المحكمة يقول: إن القضاء الدولي ليس بديلاً عن القضاء الوطني، بل هو مكمّل له المادة 1 من النظام الأساسي . وبالتالي، كان يجب علي محكمة الجنايات الدولية أن تقتنع بما أجرته الدولة السودانية من محاكمات بحق المتهمين في ارتكاب جرائم في دارفور. لكن هذه المحكمة، كغيرها من المؤسسات الدولية، خاضعة لإرادة الولايات المتحدة وتأتمر بأمرها. ولهذا، قامت بتحريك الدعوي العامة ضد المسؤولين السودانيين المذكورين في لائحة الأمم المتحدة رغماً عن إرادة السودان، وخرقت بذلك اتفاقية نظامها الأساسي التي وقّع عليها السودان مع غيره من الدول العربية والكثير من الدول الأخري في العالم. وبعد أن تبيّن الوجه القبيح لهذه المحكمة، فهل تتحرك الدول العربية للانسحاب من اتفاقية هذه المحكمة قبل أن يُذبح السودان بيديها الغادرتين؟.. وقبل أن لا يأتي الدور علي دولة عربية وإسلامية أخري. ہ كاتب من الإمارات [email protected]