السودان وسد النهضة: بين خطاب فني وسياسي

محمد الأقرع 
حجم الخط
0

قيام سد النهضة فيه فوائد متعددة للسودان

لأسابيع طويلة ظل المشهد الأبرز في الخطاب الإعلامي الإقليمي المتعلق بأزمة سد النهضة الإثيوبي يبرز ما يمكن تسميته بـ “حالة اختطاف” لمواقف الخرطوم في الصراع المشتد ما بين القاهرة وأديس أبابا.

حيث ظل صوت السودان في قضية إنشاء وتشغيل “سد النهضة” يتصدر الإعلام أما لجهة لمساندة إثيوبيا أو لجهة دعم الجانب المصري الذي يتخذ خانة المعارضة للمشروع الأضخم، ويأتي ذلك بالرغم من أن السودان دولة أصيلة في القضية مسار الخلاف، إلا أن تجاذبات الصراع حول السد بين البلدين دائماً كانت من العوامل المهمة في تغييب الرؤية السودانية المنفردة، وتصويرها تابعة أو قائمة على مبادرات توافقية بين الدولتين.

ولعل هناك الكثير من الدلائل التي تشير لاستخدام صوت السودان كورقة في الصراع بين مصر وإثيوبيا حول السد المزمع تشغيله قريباً. مثلاً ضجت وسائل الإعلام المساندة لإثيوبيا وهللت عقب تحفظ السودان على قرار من الجامعة العربية قدمته يدين التحركات الإثيوبية في الانفراد في أمر السد وتأثيرات ذلك على دول المصب، وكان التصور الظاهر حينها أن السودان مال بكليته للجانب الإثيوبي، بالمقابل هاجمت الضفة الأخرى هذا التحفظ علماً بأن تبرير السلطات السودانية وقتها، كان يصف القرار بأنه لا يخدم مصلحة السودان ولا يجب إقحام الجامعة العربية في هذا الملف، وأبدت حكومة الخرطوم تخوفها بأنه قد ينتج عن هذا القرار مواجهة عربية أفريقية.

والسيناريو نفسه اعيد تسويقه لكن مع تبديل وجهة النظر لموقف السودان، وذلك عقب تقديم السودان لمذكرة لمجلس الأمن الدولي للمطالبة بحث الأطراف بعدم اتخاذ قرارات أحادية قد تؤثر في السلم والأمن، توقيت المذكرة التي جاءت بعد إعلان عزم الحكومة الإثيوبية بداية ملء السد منذ موسم الأمطار الحالي، استخدمه الطرف الآخر كأنه تبديل لمواقف السودان.

تغبيش وضبابية

منذ نسيان/ابريل عام 2011 تاريخ بداية العمل في سد النهضة، ولقرابة عقد كامل ضاج وحافل بالتحولات التي حدثت في السودان، والتوترات المتعلقة بسد النهضة، ما زالت الرؤية السودانية تعاني من “تغبيش” وضبابية، تولد تساؤلات عن المواقف الحقيقية لحكومة الخرطوم من قيام وتشغيل السد.

يرى متابعون أن موقف السودان يسير في اتجاهين، الأول فني يتفاوض حوله الآن وهو كما يقول المسؤولون يخدم مصالح البلاد، والثاني موقف أو خطاب سياسي كان يلوح به النظام البائد لتحقيق بعض النقاط، كذلك سعت بعض القوى السياسية والعسكرية المسيطرة على السلطة لاستغلاله لتحقيق بعض الأهداف وكسب تأييد إقليمي يساعد في ترجيح كفة التيارات السياسية المتصارعة بعد الثورة.

الوضع الجديد الذي أفرزه إسقاط نظام الإنقاذ في نيسان/ابريل من العام الماضي والتمايزات التي حدثت في الساحة السياسية بين المكون المدني والمكون العسكري جعل من قضية سد النهضة مرتكزا لكسب السند الإقليمي على مستوى تبني خطابات متحيزه لصالح طرف على حساب الآخر، لذلك نجد تصريحات منحازة لصالح إحدى الدولتين، لقادة سياسيين من التحالف الحاكم أو القادة العسكريين، لكن في الغالب تكون تلك التصريحات معزولة عن الموقف التفاوضي.

الموقف الذي كان رائجاً في الأيام الأولى لقيام السد وكانت تتبناه الحكومة وقتها وبعض الخبراء، أن قيام سد النهضة فيه فوائد متعددة للسودان وتشمل وقف الفيضانات المدمرة من مياه النيل الأزرق بالإضافة لتعدد الدورات الزراعية وانتظام وزيادة الإنتاج من السدود المحلية فضلاً عن انتظام الملاحة على النيل الأزرق ونهر النيل طول العام وحبس الجزء الأكبر من الطمي الوارد من الهضبة الإثيوبية وراء السد. كذلك كانت تلمح الحكومة بإمكانية شراء الكهرباء الإثيوبية والتي تقلُّ تكلفة توليدها كثيراً عن تكلفة التوليد في السودان، وبدلاً من مواصلة سياسة بناء السدود المُكلّفة مالياً واجتماعياً وبيئياً للسودان وشعبه، والتي يرفضها بشدة سكان المناطق المتضرّرة من تلك السدود مثل الشريك وكجبار.

خبراء الري في السودان يقولون أيضاً أن سد النهضة سوف يساعد السودان كثيراً في استخدام نصيبه من مياه النيل بموجب اتفاقية عام 1959 والذي يذهب أكثر من ثلثه (ستة مليار ونصف المليار من المياه) سنويا لمصر بسبب فشل السودان منذ عام 1959 في استخدامه. وسوف ينتج هذا الاستخدام بسبب تعدّد الدورات الزراعية في السودان جراء اكتمال سد النهضة. كما سوف يساعد تعدد الدورات الزراعية السودان في استرداد سلفة المياه التي قدّمها لمصر بموجب اتفاقية عام 1959 (والتي لم يتم استردادها حتى الآن).

في المقابل لم تخل المواقف حينها من تحفظات حول ضمانات السد التأمينية من الانهيار والطريقة التي ستتم بها عملية الملء والتشغيل.

ويشير بعض المراقبين إلى أن موقف السودان تجاه سد النهضة لا يمكن النظر إليه بشكل منعزل عن تقاطعات أخرى متعلقة بقضايا الحدود بين السودان ومصر من جهة والسودان وإثيوبيا من جهة أخرى، حيث هناك مناطق محل نزاع ملتهب متى ما جرت فيها توترات تكون لها تأثيراتها وانعكاسات في الخطاب السياسي المتعلق بسد النهضة.

أما في الجانب الفني والموقف التفاوضي فقد أكد وزير الري السوداني ياسر عباس في آخر حديث له أن موقف بلاده منذ بداية مفاوضات سد النهضة يرتكز على مبدأ أساسي في القانون الدولي وهو حق الدول المتشاطئة للنيل في الاستخدام المنصف والمعقول للمياه من غير إحداث ضرر على الآخرين. وألمح إلى أن بعض مواقف بلاده أحياناً تتطابق مع إثيوبيا أو مصر فيتم تفسيرها بقصد الانحياز وهذا غير صحيح.

وقال عباس في المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء الأربعاء بمنبر “وكالة السودان” إن السودان ظل يشارك كطرف أصيل في المفاوضات الثلاثية على الرغم من المبادرات المتعددة التي كان يقدمها كحلول توافقية لبعض النقاط العالقة بشأن سد النهضة، مبيناً أن السودان يدعم قيام السد باعتبار أن لإثيوبيا الحق في التنمية وتوليد الكهرباء إلا أنه يرى أن يتم ذلك وفق قواعد القانون الدولي، لذلك كانت مشاركته إيجابية طيلة هذه السنوات في إيجاد الحلول الممكنة للقضايا الخلافية بشأن قضية سد النهضة.

وأضاف الوزير أنه تم التوافق على معظم المسائل الفنية بنسبة 90 إلى 95 في المئة وهي المسائل المتعلقة بالملء الأول للخزان في الظروف العادية في السنين الجافة وفي التشغيل المستمر بعد ملء سد النهضة، وأبان أنه تبقت بعض النقاط الفنية القليلة التي لم تحسم بعد ويمكن التوافق حولها وهي ليست بالمسائل المعقدة والصعبة خاصة فيما يلي التغيرات اليومية للتصرفات والتشغيل المستمر للسد.

وزاد أن هناك تبايناً في وجهات النظر بشأن الجوانب القانونية المتعلقة بمدى إلزامية الاتفاقية بعد التوقيع عليها، وهل الاتفاقية خاصة بملء وتشغيل سد النهضة أم بتقاسم المياه بين الدول الثلاث، فضلاً عن تباين في الرؤى حول آلية فض النزاعات بين الدول الثلاث.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية