السودان ومصر وجدل الحداثة الغربية

هذا المقال محاولة لفهم أو إعادة قراءة تاريخ السودان، من خلال علاقته بفضائه ‏الإقليمي..‏ وقد نبعت فكرة المقال مما تضمّنه كتاب جاي سبولدينق «عصر البطولة في ‏سنار» من استبصاراتٍ وإضاءات حول تاريخ السودان تصلح لأن تكون مدخلاً لفهم ‏وإعادة قراءة تاريخ السودان، في الفترة بين القرن السابع والقرن التاسع عشر، من خلال ربطه بفضائه الإقليمي.‏ ‏وتجيء هذه القراءة متفقة مع وجهة نظر بول روكفور بأن (التاريخ يرفض أن يكون مدونات وسرديات ‏كبرى سالفة ومركزية). و‏كذلك ‏قوله: (نحن لا نعيد كتابة التاريخ نفسه، بل نكتب تاريخاً آخر، لكننا نستطيع ‏دائما مناقشة الاثنين).
ويجيء الاهتمام بتحليل سبولدينق في كتابه المذكور، من أن هذا التحليل يحمل عدة إحالات ذات شأن في النظر للتاريخ، مثل ضرورة استصحاب العوامل الخارجية عند تحليل التغيرات الاجتماعية في أي مجتمع، كما أشار إيمانويل فالرشتاين. نلاحظ في الكتاب، تأثر سبولدينق بالآراء التي تناولت العلاقة بين الإسلام والرأسمالية في مصر في القرن الثامن عشر، وهو ما سأتخذه مدخلاً لمناقشة العلاقة بين تاريخ السودان (دولة سنار) وتاريخ مصر في الفترة المذكورة نفسها، خاصةً أن تلك الأفكار والمقاربات حول الإسلام والرأسمالية، ليست بعيدة عن الجدل الفكري المرتبط بمفاهيم السردية الغربية. وهي السردية التي ظلت مهيمنة ولفترة طويلة على التحليلات المفسرة للتاريخ، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، إلى أن ظهرت أطروحات جعلت من مسلمات السردية الغربية، موضع شك وتساؤل كبيرين.
وفي هذا الصدد كانت مدرسة (المركز والهامش) ‏من بين تلك الأطروحات التي انطلقت من مفهوم السردية، كمقدمة خاصة مقولة تفوق الغرب، ولكنها اختلفت معها حول أسباب ذلك التفوق، حيث أرجع كتّاب تلك المدرسة ذلك التفوق لوجود العلاقات غير المتكافئة بين الشرق والغرب، التي مكنته من السيطرة على أسواقٍ العالم وهوامِشه، محققاً بذلك فوائضَ ماليةً كبيرة. كذلك كانت كتابات ‏إيمانويل فالرشتاين، صاحب نظرية النظام العالمي الحديث، من بين الكتابات الناقدة بشدة للمركزية الأوروبية‏، التي رأى أنها عملت ابتداء من ‏العصر ‏الوسيط، على صياغة النظريات الاجتماعية من أجل خدمة مصالح الغرب الأوروبي وتبرر بالتالي استعماره للشرق.
كذلك أضافت كتابات إدوارد سعيد النقدية للاستشراق، بُعداً جديداً في سيرورة نقد السيطرة الغربية، حيث اعتبر سعيد أن الاستشراق عبارة عن (أسلوب من التفكير المستند إلى التمييز الأنطولوجي، والأبستمولوجي بين الشرق والغرب) وهو بالتالي كأسلوب للهيمنة على الشرق وإعادة هيكلته والتحكم فيه. ومن جانبٍ آخر كانت المقاربات التي تناولت تاريخ مصر خلال الفترة العثمانية، تتناقض بشكلٍ جذري مع فكرة تفوق الغرب مقابل تخلف الشرق، وترى تلك المقاربات أن مصر شهدت خلال الفترة المذكورة نهضةً فكريةً، قامت من خلال ظهور فهم جديد للإسلام (السنة النبوية)، حيث أعقب ذلك تطورٌ رأسمالي تحقق من خلالها نهوضٌ اقتصادي قائم على الإمكاناتها والموارد المحلية أكثر من اعتمادها على الخارج.
وفق هذه الرؤية تقول نيلي حنّا‏، إن مصر شهدت خلال الحكم العثماني نهوضاً رأسمالياً وانبعاثاً قومياً تبعه تطور اجتماعي ذو طابعٍ محلي. كما ذهبت إلى أن مصر برزت في تلك الفترة‏ كنموذج مزدهر ومثال للشهرة التجارية الباذخة، مثلها في ذلك مثل نظرائها الآخرين مثل إسطنبول، والهند، وغيرهما. وقد فسرت نيللي حنا حدوث تلك النهضة من خلال نمو طبقة التجار والحرفيين، والرأسمالية والطبقة الوسطى المحلية، بسبب التطور التجاري والارتباط ‏بالأسواق العالمية. وكانت المقاربات المعارضة لمفاهيم السردية الغربية قد تبلورت من قبل بشكل أكثر وضوحاً لدى كل من مكسيم رودنسون، في كتابه الموسوم ‏‏»الإسلام والرأسمالية»، وكذلك بيتر غران في كتابه «الجذور الإسلامية للرأسمالية»‏، وقد عزّز بيترغراي رؤيته تلك لاحقاً في كتابه الموسوم «صعود ‏الأغنياء/ أصحاب النفوذ». يرى بيتر غران أن مصر شهدت في الفترة بين القرن السابع عشر والتاسع عشر نهضة فكرية جاءت عقب حدوث نموٍ اقتصاديٍ محلي وتراكمٍ للثروة لدى ‏الطبقات العليا في مصر، بفضل كل من الخراج، والجزية، والغنائم، وترتب بالتالي على هذا النمو تكوُّن فوائض اقتصادية ورأسمالية كبيرة. وقد عضّد بيتر غران رؤيته المناهضة للسردية الغربية في وقتٍ لاحقٍ في كتابه «صعود ‏الأغنياء /أصحاب النفوذ»، والذي أوضح فيه أن الطبقة أو الفئات المُشكَّلَة من الأغنياء وأصحاب ‏النفوذ، من خلال استحواذها فوائض رؤوس الأموال، تتصدر المشهد الاقتصادي والسياسي بكامله.
وهكذا اذا أمعنا النظر في تاريخ السودان في الفترة المذكورة من خلال ما ورد في كتاب «عصر البطولة في سنار»، نجده متأثِّراً بأفكار مكسيم رودنسون، وبيتر غراي، في رؤيتهما المخالفة للسردية الغربية/التجربة الأوروبية ولدور الرأسمالية الغربية، حيث يقول سبولدينق في هذا الخصوص: (بالنسبة لبعض الموضوعات مثل علاقات التبادل التجاري في سنار، تبدو المقارنة خارج نطاق التجربة الأوروبية مفيدة). كذلك نلاحظ تأثره بإيمانويل فارليشتاين، بافتراض أن دولة سنار كانت واقعة ضمن تأثير النظام العالمي، ذي العلاقات غير المتكافئة، حيث يقول: (إن العوامل التي دمرت دولة سنار، كانت عوامل رأسمالية).‏. إن الفكرة الرئيسية في تحليل سبولدينق تتمحور في أن التغيير الذي تم في دولة سنار (السودان) في الفترة المشار إليها، إنما كان تغييراً مدفوعاً بعوامل رأسمالية، أو أنه تم تحت ستار الإسلام، كما وصفه. وتتضمن تلك الفكرة الإشارة لأدوار رجال الدين لقيامهم بأدوار أكثر دينامية على مستوى السلطة والمجتمع، خاصة باعتبار أن رجال الدين كانوا هم طلائع التغيير وحملة الأفكار المستحدثة، نحو تحقيق التغيير الاجتماعي والاقتصادي في السودان في تلك الفترة.
يتميز كتاب «عصر البطولة في سنار» باحتوائه على عدد من الأفكار القيِّمة والاستدلالات التي تستثير التأمل. من بين الأفكار المبتكرة لجاي سبولدينق فكرة صعود أصحاب النفوذ أو الأغنياء وهي الفكرة التي بلورها بيتر غران بعد ذلك في كتابه الموسوم «صعود أصحاب ‏النفوذ/ الأغنياء»‏،‏ وقد استخدم سبولدينق تلك الفكرة لوصف ملامح التغيير، الذي تم في السودان في تلك الفترة، حيث اضطلع أصحاب النفوذ بانجاز مهام التغيير‏ من خلال السيطرة السياسية والاقتصادية. وقد لا نبعد إن قلنا إن رفد سبولدينق‏ بحثه بالعديد من المصادر والوثائق التاريخية، مثل وثائق المحاكم، والصكوك، والمراسيم السلطانية، إلخ قد أضاف بُعداً أكثر عمقأً وواقعية، حيث أتاح له ذلك أن يخرج، وفق تسلسل منطقي متماسك باستنتاجات جديرة بالتأمل والقبول.
وقد اتاحت لاختيار سبولدينق الفترة الزمنية بين القرن السابع عشر والتاسع عشر، وهي الفترة الزمنية التي اختارها كل من رودنسون غراي في تحليلهما، الفرصة لإظهار البُعد الإقليمي في تاريخ السودان وإلقاء الضوء على العوامل المتشابكة والديناميات التي قادت للتغيير خلال الفترة المشار إليها.
في الختام يمكن القول إن كتاب عصر البطولة من خلال منظوره البانورامي والربط بين الظروف والعوامل الخارجية السياسية والاقتصادية، أضاف أفكاراً مهمة واجتهادات مبتكرة، ليس حول تاريخ السودان (سلطنة سنار) فقط ولكن، كذلك على الفضاء الإقليمي المتاخم بتأثيراته المختلفة. كما أنه يعتبر من خلال رؤيته تلك قد قدم بشكل من الأشكال رؤية موازية ‏ للسردية الغربية، وهي رؤية جديرة بالتأمل.

كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية