السودان يحلم بالبترودولارات ولم لا؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

بات حلم البترودولارات يراود الحكومة السودانية. ولم لا؟ فالسودان هو تاسع دولة عربية من حيث كمية الاحتياطي النفطي، ويستحوذ على 0.3 في المئة من الاحتياطي العالمي المؤكد. وبعد أن حصلت الحكومة على دعم سياسي واقتصادي كبير؛ فإنها تأمل في تغيير قواعد اللعبة النفطية في البلاد، بالتخلص من ألفساد الذي سيطر على القطاع وتسبب في ضياع عشرات المليارات من الدولارات من الدخل النفطي، وتقليل هيمنة مؤسسة النفط الصينية التي تسيطر على 40 في المئة من الإنتاج النفطي، كما تتحكم في مصافي التكرير، بعد أن أدت دورا محوريا بجانب السودان خلال فترة شديدة الصعوبة، وساعدته على تطوير قطاعه النفطي، إبتداء من الاستثمار في البحث والتنقيب والاستخراج إلى النقل والتكرير والتسويق. وبعد رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإنهاء العقوبات، تستعد الخرطوم حاليا لفتح قطاعها النفطي للتنقيب والإنتاج والاستثمار أمام الشركات من كل أنحاء العالم، على أمل أن تصبح دولة مصدرة للبترول خلال سنوات قليلة، ربما بحلول العام 2023. مؤسسة النفط الصينية ستستمر في العمل، لكن دخول منافسين جدد إلى جانبها من شأنه أن يساعد على زيادة كفاءة القطاع النفطي.

وتستهلك السوق المحلية السودانية ما يقرب من 150 ألف برميل من النفط ومشتقاته يوميا (حوالي 0.1 في المئة من الاستهلاك العالمي) في حين أن إنتاجها الحالي يتراوح بين 60 إلى 70 ألف برميل يوميا، أي ما يقل عن نصف احتياجات الاستهلاك. وتعتبر مؤسسة النفط الوطنية الصينية هي أكبر منتجي النفط في السودان، وتشارك من خلال فرعها هناك في أنشطة إنتاج النفط ومشتقاته في كل مجالات المنبع والمصب، إلى جانب شركاء آخرين أهمهم بتروناس الماليزية وشركة النفط والغاز الطبيعي الهندية “أو إن جي سي” وشركة وادي النيل إحدى شركات مجموعة القلعة المصرية، إضافة إلى شركة النيل الكبرى لعمليات البترول المملوكة للدولة.

تراخيص جديدة للتنقيب

 

وقد ابتعدت شركات النفط الكبرى الأوروبية والأمريكية عن السودان بسبب عدم الاستقرار السياسي والحروب الأهلية التي استمرت عقودا طويلة، وكذلك بسبب العقوبات الأمريكية التي استمرت نحو 27 عاما. وتسعى حكومة الخرطوم حاليا إلى اجتذاب عدد أكبر من الشركات الدولية للعمل في القطاع النفطي. ولتحقيق ذلك فإنها تخطط لإعلان مزاد عالمي قريبا تطرح فيه 27 ترخيصا لامتيازات البحث والتنقيب عن النفط والغاز وتنميتهما، منها 24 امتيازا في مناطق برية و 3 امتيازات في مناطق بحرية. وقال الوزير المكلف خيري عبد الرحمن أن السودان يأمل في جذب “شركات ذات قدرات تكنولوجية واسثمارية قوية” وهو ما يعبر عن طموح لجذب شركات كبرى مثل شيفرون الأمريكية وتوتال الفرنسية وبي بي البريطانية وشل الهولندية، الأمر الذي يمكن أن يغير خريطة قطاع الإنتاج النفطي ومعدلات نموه، ويزيد من قوة التشابك بينه وبين القطاع النفطي العالمي.

وما يزال الإنتاج في السودان، حوالي 60 إلى 70 ألف برميل يوميا، أقل كثيرا من المتوسط العالمي قياسا إلى احتياطي النفط المؤكد القابل للاستغلال التجاري، الذي يبلغ 6 مليارات برميل حسب آخر التقديرات الحكومية المعلنة، وهو ما يغطي احتياجات الاستهلاك المحلي لمدة 100 عام طبقا لمتوسط الاستهلاك الحالي، مقابل متوسط عالمي يبلغ حوالي 53 عاما. هذا الاحتياطي النفطي يضع السودان في المكانة التاسعة عربيا، ويسبق في الترتيب بلدانا نفطية مهمة مثل بريطانيا وفيتنام وماليزيا. وكان السودان قد خسر 75 في المئة من ثروته النفطية بعد تقسيم البلاد عام 2011 وهو ما أدى في الوقت نفسه إلى خسارة 66 في المئة من الصادرات وحوالي 40 في المئة من إيرادات الميزانية. هذه الخسائر أدت إلى تراكم الديون الخارجية على السودان، لتصل إلى حوالي 65 مليار دولار، وأدى التوقف عن السداد إلى انعدام القدرة على الاقتراض.

لكن مشاركة الأجانب في المزاد المتوقع  لتراخيص البحث والتنقيب، ستتوقف على عوامل أخرى تتجاوز مجرد رغبة السودان في تغيير قواعد اللعبة النفطية. أهم العوامل التي تحكم استجابة الشركات تتمثل في ضمان الاستقرار السياسي والأمني والعرقي، والقضاء على الفساد، وإنهاء النزاعات التجارية بين الحكومة السودانية وبعض شركائها خصوصا شركة البترول والغاز الهندية “أو إن جي سي” التي تدعي على الحكومة بمتأخرات قيمتها 431 مليون دولار نظير امدادات نفطية ومشروعات شاركت فيها لصالح الحكومة ولم يتم سداد تكلفتها بالكامل.

وبسبب عجز الحكومة عن سداد المستحقات، تباطأت الشركات أو توقفت عن العمل في بعض الامتيازات، كما طالبت الشركات بتخفيض حصة الحكومة في اتفاقيات المشاركة إلى ما لا يزيد عن 38 في المئة بدلا 45 إلى 50 في المئة. ونتيجة الخلافات فإن الحكومة استحوذت على حقوق إدارة بعض الامتيازات مما أدى إلى حدوث انخفاض حاد في الاستثمار.

المساعدات الخارجية

وقد تكاثرت الصعوبات الاقتصادية على السودانيين في العقود الأخيرة، خصوصا خلال سنوات حكم البشير، فهبطت قيمة الجنيه السوداني بشدة، وقفز التضخم إلى حوالي 200 في المئة، وتعرضت البلاد لندرة في إمدادات الغذاء والوقود مما رفع معدل الفقر حسب تقديرات وزارة المالية السودانية مؤخرا إلى ما يقرب من ثلثي سكان البلاد، وذلك على الرغم من ثروة البلد الغني بالأرض الخصبة، والمياه العذبة، والذهب. وقد أدى سقوط البشير، وتغيير نظام الحكم، والسعي للانتقال إلى نظام ديمقراطي، إلى فتح الباب لتدفق قدر من المساعدات الخارجية؛ فتعهد المانحون في مؤتمر اقتصادي عبر الإنترنت نظمته ألمانيا في حزيران/يونيو الماضي بتقديم ما يقرب من 1.8 مليار دولار للتغلب على الأزمة الاقتصادية ومساعدة الإدارة الجديدة المكونة من قوى التغيير والحرية بالمشاركة مع المجلس العسكري على تحقيق انتقال سلس إلى الديمقراطية. وتضمنت قائمة المانحين كلا من الولايات المتحدة (356 مليون دولار) وبريطانيا (150 مليون جنيه إسترليني) وألمانيا (150 مليون يورو) وفرنسا (100 مليون يورو)، وتقدمت الصين وإسبانيا بمبادرة لتخفيض الديون المستحقة على السودان، بينما تعهدت الإمارات بتقديم  (50 مليون دولار) والسعودية (10 مليارات دولار). كما تعهد البنك الدولي بتقديم مساعدات بقيمة تصل إلى 400 مليون دولار لتمويل برامج تنموية تتضمن مساعدات نقدية للأسر الأشد فقرا. وقال رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك إن برنامج الدعم النقدي للأسر الأشد فقرا ضروري جدا لتخفيف أثر إلغاء دعم الوقود والسلع الضرورية الذي يتمسك به صندوق النقد الدولي والمانحون، وتصل تكلفته إلى أكثر من 3 مليارات دولار سنويا. وقد أعلنت الحكومة بالفعل زيادة أسعار الوقود بنسب تتجاوز 400 في المئة اعتبارا من يوم 28 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، واعتمدت نظاما مزدوجا لتسعير المشتقات يفرق بين المستوردة والمحلية.

اتفاق مع صندوق النقد

 

توصل السودان إلى اتفاق غير مالي مع صندوق النقد الدولي، يتضمن التزام الحكومة بتنفيذ برنامج إصلاحي يعيد ثقة مؤسسات التمويل الدولية والمصارف والمستثمرين في سلامة السياسة المالية والنقدية للحكومة ويضمن قدرتها على السداد. كذلك وعدت الحكومة الأمريكية بمساندة طلب حصول السودان على إعفاءات من أعباء الديون المستحقة عليه في إطار مبادرة بإعادة هيكلة ديون الدول الأكثر فقرا وإسقاط جزء منها. وطبقا للاتفاقات والتفاهمات التي تمت فإن حكومة رئيس الوزراء حمدوك وقعت اتفاقا غير مالي مع الصندوق يهدف فقط لإصلاح السياسة الاقتصادية للبلاد ووضعها على الطريق الصحيح لتحقيق النمو المستدام وتخفيض الفقر والبطالة. وتبلغ مدة الاتفاق 12 شهرا، وقد بدأ العمل به اعتبارا من أول تموز/يوليو الماضي، وبمقتضاه ستلتزم الحكومة بالخطوط العامة التالية في سياستها الاقتصادية:

 أولا: مواصلة إلغاء الدعم على الوقود والسلع الأخرى، وزيادة الإيرادات الضريبية من خلال توسيع القاعدة الاجتماعية للضرائب، وتقليل الإعفاءات الممنوحة للشركات والأفراد، والحد من طبع النقود، بما يقود إلى تخفيض العجز في الميزانية وتخفيض التضخم.

ثانيا: زيادة الإنفاق الاجتماعي، بما في ذلك الإنفاق على (برنامج السودان لدعم الأسر) وبرامج الحماية الاجتماعية لغير القادرين، وعلى خدمات الرعاية الصحية.

ثالثا: القضاء على السوق السوداء للعملات الأجنبية، وتوفير شروط التوازن في سعر الصرف، واستخدام الأدوات النقدية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإستقرار النقدي.

رابعا: زيادة كفاءة الإدارة الحكومية من خلال تدابير تؤدي إلى تعزيز مبدأ المسؤولية والمساءلة، والحد من الفساد، والمساعدة على تعزيز بيئة ممارسة الأعمال وزيادة القدرات التنافسية.

خامسا: يمثل البرنامج المتفق عليه مع الصندوق الأساس للتنسيق بين المانحين لمساعدة السودان على إتمام عملية التحول بنجاح وبدون توقف، إلى اقتصاد كفء تقوده آليات السوق، بمساعدة المانحين من الحكومات والمؤسسات المتعددة الأطراف والمصارف والمستثمرين.

وقد أوضح خبراء الصندوق للحكومة السودانية أن المستوى المرتفع للمديونية الخارجية، والمتأخرات المستحقة منذ سنوات، بما في ذلك المتأخرات المستحقة للصندوق، والعجز عن السداد، فإن السودان ليس في وضع يسمح له بالاستفادة موارد الصندوق، وانه يجب أن يقدم أولا سجلا قويا يثبت قدرته على تدوير الاقتصاد، وتكوين الفائض، والبدء في سداد الديون والمتأخرات. ومن هنا فإنه يتعين على السودان الاعتماد على موارده الذاتية في تحقيق إصلاح يؤهله للعودة إلى سوق التمويل الدولية. أقرب هذه الموارد هو النفط والذهب، ومن هنا وُلِد حلم البترودولارات.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية