الاستقرار، مفهوم عميق في تحديد مصير الإنسان، ويرسم خيوط المستقبل، وجميع شؤون الحياة مرهونة به بشكل مباشر أو غير مباشر، فيما يصنف التهجير القسري للسكان، وهو فعل معاكس للاستقرار، وفق القانون الدولي ضمن جرائم الحرب المرتكبة ضد البشرية.
في سوريا، بات التهجير القسري سياسة، والقانون الدولي، وفق العديد من المصادر فشل في ردع تلك الممارسات القسرية بحق السوريين، في حين أعلنت الأمم المتحدة، قبل أيام أن أكثر من 920 ألف شخص نزحوا في سوريا خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، مشيرة إلى أن هذا الرقم يعتبر قياسيا منذ سنوات.
كافة العائلات السورية، ومقاتلو المعارضة السورية، تم تهجيرهم من قبل النظام، من محافظات عديدة نحو الشمال السوري، وجميع المهجرين، كانوا قد تعرضوا وفق تأكيدات حقوقية وأممية لجرائم الحصار داخل مسقط رؤوسهم.
ونفذت قوات النظام بحقهم أبشع أساليب الحرمان والقتل، فيما تتهم ذات المصادر، تشكيلات عسكرية تتبع للمعارضة السورية بمحاصرة قرى وبلدات موالية للأسد.
نتائج قاسية
قسوة ردود الأفعال ونتائج التهجير القسري للسوريين على يد النظام، لا تنتهي عند وصولهم نحو الشمال السوري، ويقول أبو الحسن، وهو أحد مهجري الغوطة الشرقية نحو ريف حلب، شمال سوريا: «قرار الخروج من المنزل، والأرض والحي والمدينة، صعب للغاية، فنحن مكرهون على ذلك مقابل النجاة بما تبقى لنا من حياة، لنحمل أحلامنا في الحرية نحو مستقبل لا ندرك ما تخفي لنا الأيام في جعبته».
ويصف أبو الحسن الوصول إلى أرض جديدة، فيها خليط من كل سوريا، لـ «القدس العربي»: ولا نمتلك في الحياة الجديدة إلا الملابس وأشياء صغيرة – لا تذكر، أمر في غاية الصعوبة، والتأقلم معه مضني ومتعب، والاستقرار مغيب» ويضيف متسائلاً: «هل استبدال المنزل بخيمة يعد استقراراً؟ وبناء المستقبل يتمازج بالمستحيل».
صراعات داخلية
الأسابيع الأولى، من تهجيرنا القسري من مدينة دوما نحو ريف حلب، لم تكن سوى صراعات داخلية وأفكار متضاربة، وندامة على الحال التي آلت إليه العائلات السورية، وكيف ترك هذا الشعب يعاني ويحتضر، أمام مرأى ومسمع العالم كله، والأخير إلتزم الصمت، وترك السوريين يتيهون داخل حدود موطنهم، وخارجها.
العائق الأكبر، وفق ما يقوله أبو الحسن أمام كل مهجر قسري، هو السكن، والسياسة الدولية – في جانبها الإغاثي في المخيمات، وسط غياب مشاريع التسكين أو الإعمار، وأن القاموس المعترف به، أن «الخيم» تجلب الدعم الدولي، على عكس المنزل، الذي إن قطنته عائلة يتم طيّ صفحاتها في كتاب المجهول.
عملية البحث عن الاستقرار، وفق المصدر، أجبرت أناساً هجروا قسرياً على القبول بالعودة لـ «حضن الأسد» مقابل الفوز بمنزل لا نوافذ ولا أبواب له، وآخرون لا يزالون صامدون يبحثون في أروقة الموطن الجديد عن بدايات ومعالم تعطيهم جرعة أمل، على أن الحياة ستستمر، وأن للحرية ثمن غالي لا بد لكل باحث عنها أن يدفع باهظاً لنيلها.
خذلان كبير
السورية فاطمة، وهي زوجة معقتل في سجون النظام، تم تهجيرها من غوطة دمشق نحو الشمال، محافظة إدلب، تقول: هناك خذلان كبير في توطين العائلات، وتأمين المساكن، وجميعنا هنا مصدوم بتناحر الفصائل وخلافاتها التي لا يتم حلها إلا عبر الرصاص أو المعارك.
والصدمة الأكبر، هو أن كافة الوعود التي تم تقديمها من قبل الفصائل للأهالي، قبل صعود باصات التهجير، تحولت إلى سراب عندما وطئت أقدامنا الموطن الجديد، وبتنا نشاهد أصحاب النفوذ ينتشرون، ومن يملك المال يدخل الأراضي التركية، وبقيت آلاف العائلات ها هنا تعاني وحدها، وتعجز المنظمات المحلية التي تنشط على مدار الساعة لاستدراك الهالة الكبرى التي خلفتها حوادث تهجير مدن وبلدات بأكملها خلال أشهر متتالية.
التهجير القسري
يعرّف التهجير القسرى بأنه «ممارسة ممنهجة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراض معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلا عنها».
ووفق ما ورد في نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، فإن «إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين يشكل جريمة ضد الإنسانية».
كما أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص، أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراض أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة.
نموذج غروزني
الناشط السياسي السوري درويش خليفة، يقول لـ «القدس العربي»: صراحة استراتيجية مناطق النفوذ، التي أنتجت تهجير سكان المناطق الثائرة على النظام، تحاكي النموذج الذي اتبعته روسيا في غروزني وفق العقلية البوتينية، من خلال الإبادة والتهجير المتأصل في العقلية الروسية، ترافقه عقلية إيرانية تعتمد التغيير الديموغرافي، والعمل على احداث خلل في التركيبة السكانية للمناطق التي احتلوها وتحويل سكانها إلى أقلية عبر جلب سكان مؤيدين لهم.
اليوم الشمال السوري يحتوي على ما يقارب أربعة ملايين نسمة، بينهم مليون ومئتي ألف بين نازح ومهجر تقريباً، حيث تم إدراج قطاع إدلب ضمن مناطق تخفيض التصعيد في أستانة 6 وجرى تقاسم النفوذ فيها بين الأتراك وفي درجة أقل الروس والإيرانيين عند مطار ابو الظهور.
مصير مجهول
مصير المنطقة الشمالية من سوريا، وفق درويش، سيبقى في السنوات الخمس المقبلة على ما هو عليه، لحين بلورة اتفاق سياسي شامل يتضمن وضع المهجرين وإعادة إعمار مناطقهم التي دُمرت قبل خروجهم منها.
أما ما ينتظرهم فهذا السؤال يحتاج إلى سد الذرائع الروسية قبل الإجابة عليه، بسبب وجود هيئة فتح الشام «جبهة النصرة سابقاً» في إدلب لن يريحها من الأسلحة الروسية التي تجرب ليل نهار على رؤوس ساكنيها.
بالنسبة للوضع الاقتصادي سيبقى الأسوأ بين مناطق النفوذ بسبب وجود ما يقارب من ثلاثمئة مخيم يحتاج قاطنوها إلى خدمات وتعليم وإغاثة غذائية وهذه المواضيع تحتاج موازنات دول لتأمينها، عدا عن عدة ملفات ما زالت نائمة كتأمين فرص عمل للشباب الذين ستُصبح نسبتهم مرتفعة مع الأعوام الثلاثة المقبلة، وملف الاندماج بين السكان الأصليين والمهجّرين والملف الأمني الذي بات ضرورة بعد عدة اغتيالات في الأشهر القليلة الماضية.
مليون مهجر
منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في سوريا بانوس مومتزيس، قال مطلع شهر حزيران/يونيو الماضي، خلال مؤتمر صحافي في جنيف أن «أكثر من 920 ألف شخص نزحوا في سوريا خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2018 ويرفع النزوح الأخير عدد السوريين الذين نزحوا في داخل سوريا نتيجة عمليات التهجير التي نفذتها قوات النظام إلى 6,2 مليون، في حين يعيش حوالي 5,6 مليون لاجئ في الدول المجاورة، حسب أرقام الأمم المتحدة».
وأضاف أنه «في ظل الوضع الحالي في إدلب حيث يعيش 2,5 مليون شخص، قد نكون لم نرَ بعد الجزء الأسوأ من الأزمة» وقال «نحن قلقون لرؤية 2,5 مليون شخص يتم دفعهم أكثر فأكثر إلى الحدود التركية».
إدلب، الموطن الأكبر لسوريي الثورة، لم تسلم خلال الأسابيع الماضية من العمليات العسكرية، رغم الاتفاق الدولي المبرم حولها، بضمانة تركية روسية إيرانية، وارتكتب مقاتلات النظام وروسيا مجازر، راح ضحيتها العشرات، فيما يبدو أن حتى موطن التهجير ليس بمأمن والمخاوف من التصعيد العسكري لا تبارح أذهان قاطنيها.
اتفاقيات لم تنجح
المنسق العام بين فصائل الثورة السورية عبد المنعم زين الدين، يرى أن اتفاقيات ما يسمى خفض التصعيد ووقف المجازر بحق السوريين في المناطق المحررة، لم تنجح، بل استمرت عمليات القصف بدعوى أنها تستهدف تنظيمات مستثناة من الاتفاقية، فيما استفاد النظام وحلفاؤه منها عبر تحييد مناطق عن الصراع للاستفراد بأخرى.
وقال زين الدين لـ «القدس العربي»: لذا فإن حماية المناطق المحررة، لا تكون باتفاقية يرعاها المحتل نفسه، بل لا بد من حماية أممية تفرِض على المحتل الروسي وقف جرائمه ومجازره بحق الشعب السوري، ويأتي هذا التصعيد الأخير على محافظة إدلب، كإثبات وجود للروس أنهم لا يزالون يتحكمون بمفاصل الوضع في سوريا».
حرب مفتوحة
وأن على الدول مفاوضتهم ومقايضتهم خاصة في ملف إعادة الإعمار، حيث تشعر الدول الأوروبية بخطورة تدفق مزيد من اللاجئين السوريين في حال تطور التصعيد إلى حرب مفتوحة، الأمر الذي عبرت عنه الأمم المتحدة بالقول انه مقلق لها نتيجة عدم وجود مكان آخر يذهب إليه أكثر من 2,5 مليون سوري في إدلب.
كما لا يمكن، وفق محدثنا إغفال الرسائل الضمنية التي يحملها هذا التصعيد، كما يقول المنسق العام، خاصة لتركيا إزاء تقاربها مؤخراً مع أمريكا، والذي تبلور في خريطة طريق متفق عليها في منبج، حيث تريد روسيا أن توصل رسالة لتركيا وأمريكا معاً أنها قادرة على خلط الأوراق، عبر تخريب ما تم الاتفاق عليه في إدلب، إذا زاد التقارب الأمريكي – التركي الذي ترى فيه خطراً على نفوذها في سوريا.
العودة إلى فلسطين
وفي ريف حلب، شمال سوريا، طالب مطلع شهر حزيران/يونيو الماضي، العشرات من أبناء مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الأمم المتحدة ممن هجرهم النظام السوري بشكل قسري خارج جنوب دمشق، بنقلهم إلى فلسطين، بعد أن هجرهم النظام إلى مخيمات بدائية شمالي سوريا.
وجاءت المطالبة، وفق ما نقلته وسائل إعلام سورية معارضة أثناء تظاهرة نظمها المهجرون في مخيم قرية دير بلوط في منطقة عفرين قرب حلب شمال غربي سوريا، ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها «أعيدونا إلى فلسطين» «حق العودة لا رجعة فيه» و»فلسطين لكل الفلسطينيين».
وهجّرت قوات النظام السوري آلاف اللاجئين الفلسطينيين من مخيم اليرموك وحي الحجر الأسود إلى الشمال السوري، بعد حملة قصف أدت إلى مقتل وجرح العشرات.
قافلة الندم
مصدر خاص في الشمال السوري، قال لـ «القدس العربي» ان «النظام السوري يستغل الظروف السيئة التي تعيشها العائلات التي هجرها من مدنها في ريف دمشق، نحو الشمال، بإعادتهم تحت سلطته ونفوذه، ووفق شروط».
وأشار المصدر، إلى إن حكومة دمشق، تقوم باللعب على حالة الفوضى في الشمال، لإرغام العائلات لمصالحته، مقابل تجنيد أبنائهم ضمن قواته العسكرية، ووفق الشروط التي يفرضها.
وفي هذا السياق، تقوم قوات النظام بالتهجيز لقافلة عكسية، من ريف حلب، إلى الغوطة الشرقية، تحت مسمى «قافلة الندم» لإعادة الراغبين في مصالحة الأسد وتسوية أوضاعهم، وأشار المصدر، إلى إن التسمية التي وضعتها قوات النظام لاسم قافلة العودة، دليل على مطالب النظام في قهر السوريين ثلاث مرات، الأولى عندما قتلهم في منازلهم، والثانية عندما حاصرهم وشردهم قسرياً، والثالثة، عندما يسمح لهم بالعودة إلى مسقط روؤسهم بشكل ذليل، وتحت شروطه القاهرة.
وحسب المصدر، فإن أعدادا قليلة جداً قامت بالتواصل مع لجان المصالحة، لتسجيل اسمائهم للعودة نحو الغوطة، وأن الغالبية ترفض مجرد التفكير بذلك، حتى الساعة.
حسام محمد