تثير سياسة اردوغان الجديدة تجاه السوريين ثلاثة أسئلة رئيسية، أولها هو لماذا الآن؟ وثانيها هو ماذا تعني بالنسبة للسوريين؟ وثالثها ماذا عن تأثيرها على التوازن الجيوسياسي في منطقة شرق البحر المتوسط؟
من الطبيعي أن يكون رد فعل قطاع من الناس على تدفق اللاجئين سلبيا، حتى لو اعتمد الخطاب السياسي الرسمي على مفهوم “الضيافة وتوفير الحماية” للاجئين. وقد برزت قضية اللاجئين السوريين في تركيا كقضية أساسية في انتخابات بلدية اسطنبول. ويستطيع أي محلل سياسي جاد أن يستنتج أن سياسة اردوغان الجديدة تجاه السوريين ليست في حقيقة الأمر إلا رد فعل دفاعي ضد الخطاب السياسي القومي الشعبوي لمرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو لرئاسة بلدية اسطنبول.
اردوغان قال، أن من يفوز باسطنبول يفوز بتركيا. ولذلك فإنه بذل كل ما يستطيع حتى لا يخسر مرشحه على يلدريم الانتخابات، ولم يكن يدافع عن يلدريم، وإنما عن سياسة “استضافة اللاجئين السوريين” وهي سياسته. هذه السياسة صورها أوغلو على إنها سبب البطالة والأزمة الاقتصادية الحالية في تركيا. وكان ضروريا على اردوغان أن يرد على هذا الخطاب القومي الشعبوي التقليدي لخصم (العدالة والتنمية) الذي استمد جزءا كبيرا من قوته الانتخابية من خطابه العدائي للسوريين. وهذا الرد ضروري من الآن ضمن حسابات الانتخابات العامة المقبلة عام 2023.
عنوان اللعبة حاليا ليس “إعادة التوطين” وإنما عنوانها “تقنين أوضاع اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا”. وبمقتضى شروط التقنين التي أعلنها كل من وزير الداخلية وعمدة اسطنبول، يتوجب مغادرة اسطنبول لكل من لا يملك إقامة قانونية سارية داخل الحدود الإدارية للولاية. والذين يملكون إقامة في ولايات أخرى يتوجب عليهم العودة إليها، أما الذين لا يملكون أوراق إقامة ثبوتية، فسوف يتوجب ترحيلهم. عمليات الترحيل ستتم على الأرجح على أساس فردي، وسوف تكون وجهتها معسكرات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة على الحدود التركية – السورية، والتي يشارك في تمويلها الاتحاد الأوروبي ومنظمات الإغاثة العالمية مثل الهلال الأحمر والصليب الأحمر.
وتقدر السلطات التركية عدد السوريين المقيمين في إسطنبول بما يزيد على 600 ألف شخص أي ما يقرب من 15 في المئة من عدد اللاجئين السوريين في كل تركيا. ومن المرجح أن تظل اسطنبول أهم مدن استيعاب اللاجئين السوريين ومعظمهم من رجال الأعمال والمهنيين والطلاب والعمال المهرة.
في الوقت نفسه، فإن عملية تقنين وجود السوريين في تركيا سوف تشجع الآلاف على التقدم بطلبات للحصول على الجنسية التركية، طالما تم استيفاء شرط الإقامة بدون مخالفات لمدة خمس سنوات طبقا للقانون. وليس من المتوقع أن تواجه طلبات الحصول على الجنسية عقبات كبيرة، باستثناء إجراءات الفحص والتحري الأمني، يصدر بعدها قرار من وزير الداخلية بشأن كل طلب بمفرده إما بالقبول أو بالرفض.
قضية توطين اللاجئين السوريين في تركيا ليست مجرد تصريح إقامة أو إذن عمل أو جواز سفر، فهي في جوهرها قضية هوية. اللجوء قد يكون حلا لمشكلة التهجير من وطن، وقد يكون بحثا عن وطن. لكن اللاجئ بمرور الوقت يتعرض للصراع بين تيارات هوية متضاربة، قد يعصف بهوية هشة أو مهشمة، أو يعزز هوية صلبة عميقة الجذور. وبين هذا وذاك يبحث اللاجئ عن وطن.
الوطن بالنسبة للاجئ ليس المكان، وإنما هو الشعور بالأمان، الذي يسكن فيه اللاجئ، وينتفض على غربته، وينهض ليمارس حياته كإنسان. وقد تبدأ رحلة البحث عن الهوية المفقودة بمجرد البحث عن ترخيص بالإقامة، أو إذن للعمل، لكنها مع الوقت تسهم في تشكيل هوية جديدة، شئنا أو أبينا.
تصدمنا نشرات الأخبار بخطة لإعادة توطين اللاجئين السوريين الذين أقصتهم عن وطنهم الحرب الأهلية المشتعلة منذ أكثر من ثماني سنوات، تماما كما تصدمنا خطط إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، وخطط خلق أوطان بديلة داخل الأوطان الأصلية في السودان والصومال واليمن والعراق، وربما في “أقطار” عربية أخرى، تولت فيها الحكومات “القومية العربية” بحماقة مسؤولية حرق وتشويه مقومات الهوية للإنسان الفرد وللمجتمع ككل، وتحويل جماعات كثيرة إلى مجرد أقليات عرقية أو دينية منزوعة الهوية مهضومة الحقوق.
حرب الهوية في العالم العربي لم تبدأ اليوم، لكن اشتعالها حاليا، يجعل منها واحدة من أهم قضايا القرن الواحد والعشرين، ليس في المنطقة الممتدة من “الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي” كما كنا نردد في صفوف الدراسة المبكرة، ولكن في العالم كله، حيث أصبحت مشاكل اللاجئين العرب واحدة من أخطر قضاياه.
لقد أصبحت سياسات التعامل مع اللاجئين ومع المهاجرين غير الشرعيين في السنوات الثماني الأخيرة واحدا من أهم محركات السياسة في دول الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة. وأدى تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى ظهور تيار قومي متعصب يعتبرهم السبب في ضياع الوظائف وارتفاع البطالة بين المواطنين، ويدعو إلى طردهم وإقامة الأسوار على الحدود لمنع وصولهم، وسن القوانين التي تحظر دخولهم باعتباره مرضا اجتماعيا يجب اجتثاثه. هذا هو الحال لدى جماعة ترامب في الولايات المتحدة، وفي جماعة لوبان في فرنسا وفاراج في إنكلترا وفي جماعات أخرى كثيرة في ألمانيا والنمسا والمجر والهند وغيرها. هذه الجماعات تقود بقوة تيارا معاديا للمهاجرين مثل جماعة أكرم إمام أوغلو عمدة اسطنبول الجديد الذي يمثل حزب أتاتورك المعادي لغير الأتراك.
وفي مقابل هذا التيار اليميني، يوجد تيار ذو طبيعة إنسانية عولمية، يتبنى سياسات لدمج المهاجرين وتشجيع إسهاماتهم الثقافية والاقتصادية، واحتضانهم في أوطان الهجرة، ومنحهم جنسيات بلدان المهجر إذا طلبوا هم ذلك، حسبما ينص القانون، مثلما هو الحال في بلدان الاتحاد الأوروبي، وأيضا في تركيا، التي تعمل منذ سنوات طويلة على جعل نفسها بلدا “متوافقا” مع الاتحاد الأوروبي اقتصاديا وسياسيا وقانونيا، مع احتفاظها بهويتها الثقافية وطابعها الإسلامي.
في تركيا يقود حزب العدالة والتنمية تيارا يكتسي بسمات الميراث الإمبراطوري العثماني، من حيث اعتبار كل المسلمين رعايا للدولة العثمانية، واعتبار تركيا هي بوابة المسلمين إلى عالم الحضارة والارتقاء. وفي هذا السياق، فإن اللاجئين يعتبرون تركيا بوابتهم إلى العالم، أو ربما هي العالم نفسه، في حين أن حزب العدالة والتنمية بقيادة زعيمه رئيس تركيا الحالي رجب طيب اردوغان، يعتبر احتضان اللاجئين من البلدان الإسلامية التي تمزقها الصراعات، علامة من علامات الولاية التركية على مصير شعوب تلك البلدان، ورافعة من الروافع التي تبرر التدخل في سياساتها.
إن تركيا الاردوغانية تحتفظ لنفسها بدور رئيسي في إدارة الحرب في سوريا، فهي عضو في المجموعة الثلاثية التي تقرر مصير ذلك البلد، ومعها كل من روسيا وإيران. لكن تركيا هي الدولة الوحيدة بين هذه الدول الثلاث التي تشترك في حدود برية وبحرية وجوية مع سوريا، وهي أيضا أكبر بلدان العالم احتضانا للاجئين السوريين وترحيبا بهم، ففيها وحدها يعيش أكثر من نصفهم، كما إنها تاريخيا كانت صاحبة الولاية على سوريا لما يقرب من ستمئة عام، وهي ما تزال حتى الآن تحتل “إقليم الاسكندرونة السليب” بعد أن كانت قد ضمته إليها ضمن التسويات المتأخرة التي تلت الحرب العالمية الأولى، وسبقت الحرب الثانية.
تركيا إذن، تلعب بورقة التوطين، وهي لعبة مزدوجة الطابع، قد تنطوي على مكاسب هنا وخسائر هناك، وقد تؤدي أيضا إلى إعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية لكل من تركيا وسوريا. لكن فصول لعبة التوطين لن تنتهي بغير اتفاق تركي مع كل من روسيا وإيران وأيضا مع الحكومة السورية التي يقودها بشار الأسد.
وفي سياق عملية تقنين وجود السوريين في تركيا سيتم إعادة توزيعهم على المناطق المختلفة، وخصوصا في ولايات جنوب شرق تركيا والشريط الحدودي الفاصل بين تركيا وسوريا. الهدف من ذلك على المدى الطويل هو تغيير الطبيعة الديموغرافية للسكان، بما يزرع كثافة عربية بالقرب من الحدود السورية والعراقية، ويساعد على إقامة حاجز سياسي يفصل بين أكراد تركيا وبين أكراد سوريا، ويزيد الثقل السكاني السني في مواجهة المراكز السكانية العلوية التي تكونت أو هي بصدد التكون في إطار عمليات إقامة المناطق المحدودة التوتر التي تشرف عليها روسيا وإيران وتركيا.
وسوف تنتهي عملية تقنين وجود اللاجئين السوريين في تركيا، بفصل من يقيمون إقامة غير شرعية عن غيرهم. لكن هذه لن تكون نهاية مسألة حرب الهوية، نظرا لأن فصل غير الشرعيين يعني ضرورة توفير أماكن بديلة لإقامتهم، وتمويل ذلك، ثم البحث عن حلول طويلة الأجل لتسوية أوضاعهم. وعند هذه النقطة سوف تصل مشكلة اللاجئين السوريين الذين لم يحصلوا بعد على التوطين الرسمي من خلال التجنيس إلى النقطة التي كانت قد بلغتها قضية السكان في إقليم الأسكندرونة بعد التغييرات الديموغرافية التي أعقبت اتفاق سايكس-بيكو واتفاق سيفر عام 1920 حيث طلبت الحكومة التركية بعد ذلك إجراء استفتاء على حق تقرير المصير تحت إشراف عصبة الأمم، يختار فيه السكان بين الانضمام إلى تركيا أو البقاء في سوريا. ولما جاءت نتيجة الاستفتاء في عام 1939 بالأغلبية لصالح الانضمام إلى تركيا، تم تعديل خريطة دولة سوريا المقترحة تحت الانتداب الفرنسي بفصل لواء الأسكندرونة عنها، وضمه إلى تركيا. وربما تتضمن نهاية لعبة التوطين توسيع نطاق الحدود الجنوبية الشرقية إلى داخل سوريا وضم أجزاء من إدلب، على غرار ما حدث في الأسكندرونة. كذلك فإن لعبة إعادة التوطين في مرحلتها النهائية قد تصل أيضا إلى أزمة عالمية، تهدد فيها تركيا بفتح الدروب لفيضان المهاجرين إلى أوروبا، إذا هي فشلت في أن تحصل على دعم لمطالبها.