لندن ـ ‘القدس العربي’ يعيش السوريون اليوم بين تطرف من ثلاثة وجوه، الديكتاتورية، والجهادية والجو القارص. فصحيفة التايمز ركزت على الأول والثاني ـ اما صحيفة ‘غارديان’ فاختارت عنوانا ‘عصر الشدة’ في إشارة للحالة التي يواجهها السوريون في ‘مخيمات’ اللجوء في لبنان والأردن، حيث يعيش اللاجئون في ظل أجواء جوية قاسية بدون بطانيات ويسير الاطفال بدون أحذية تقيهم الصقيع والثلج.
وخصصت صحيفة ‘تايمز’ افتتاحيتها لنقد السياسة الغربية تجاه ما يجري في سوريا، في الوقت الذي انتقدت منظمة ‘أمنستي انترناشونال’ سياسة بريطانيا مع اللاجئين السوريين حيث قالت أن على بريطانيا أن تطأطئ رأسها خجلا من عدم فتح حدودها للاجئين السوريين الذين هم بحاجة ماسة للمساعدة.
وجاء في مقال ‘تايمز’ أن الهجوم الذي شنه الرئيس السوري بشار الأسد على شعبه قبل ثلاث سنوات أدى لخلق كارثة إنسانية لا يمكن لأحد تخيلها.
وقالت إن فشل الغرب في منع الأسد ووقف نزعاته الإجرامية تشير إلى أن امريكا قد تنازلت عن قيادتها. وكانت النتيجة متوقعة وأكدت أن أقوى المعارضين لنظامه الذين برزوا كانوا الإسلاميين. فقد ضيعت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون فرصة العمل وتقوية الجماعات العلمانية المعتدلة المعارضة لنظام الأسد، وتلاشت اليوم هذه الفرصة وأصبحت بعيدة المنال. وأضافت أن ‘على الدبلوماسية الغربية التركيز على ما يمكن تحقيقه، فالخيار الأقل والأسوأ هو تمزيق معسكر الأسد البعثي من أجل عزله وخلق مساحة سياسية بين ضعفه والجماعات الجهادية المتمترسة في سورية’. وأشارت إلى التحالف الجديد وهو الجبهة الإسلامية التي يقاتل تحت رايتها أكثر من 5 آلاف مقاتل وأعلن عنها الشهر الماضي.
و’رحب الجميع بها ومن بينهم كان اللواء سليم إدريس، رئيس قيادة أركان الجيش الحر’.
وقالت الصحيفة إن إدريس شخصية معتدلة، انشق عن النظام العام الماضي ولكن موقعه ضعيف مقارنة مع التحالفات المعارضة الأخرى التي تحمل رؤية مختلفة حول سورية ما بعد الأسد.
وتقول ‘تايمز’ إن ‘الجبهة الإسلامية تدعو إلى دولة إسلامية، وهي لا تمثل القاعدة وليست مرتبطة بها، ومع ذلك تظل رؤيتها غير متوافقة فكرة التعددية وفصل الدين عن الدولة. وخلف هذه المجموعة التي تظل معتدلة هناك تقارير تتحدث عن انتهاكات ومذابح تمارسها جماعات أخرى’.
وفي المقابل تقول إن الأسد أظهر استعدادا لاستخدام أي شيء للحفاظ على نظامه القمعي، وحافظ على تماسك نظامه، فقد كان آخر انشقاق مهم من صفوفه قبل عام تقريبا.
شق النظام
وبدلا من مواجهة النظام وضربه قامت إدارة باراك أوباما التي زاوجت بين ضعف القيادة وسوء التقدير بالموافقة على تفكيك ترسانة النظام الكيميائية بدلا من معاقبته. واعتبرت أن نظام الأسد يمثل تهديدا مباشرا على الشعب السوري والمنطقة جمعاء. فالأسد ليس بحاجة لسلاح كيميائي لممارسة الإرهاب فهو يقوم به بطرق أخرى وقتل أكثر من 120 ألف سوري.
وتخلص الصحيفة إلى فشل صناع القرار في العواصم الغربية في تخفيف معاناة الشعب السوري. و ‘عليهم والحالة هذه مراجعة استراتيجيتهم والعمل على قسم النظام وشق صفوفه وحرمانه من رعاته’. ‘فلن يكون هناك أي تفاوض مع الأسد، مجرم الحرب، وقد يظهر أعضاء الحلقة المقربة منه ميلا نحو قبول الحوافز خاصة أنهم سيصبحون منبوذين حالة ظلوا متمسكين بالأسد’.
وتدعو إلى تقديم عروض لأعضاء النخبة المقربة تشمل حماية من العقوبات إن قدموا معلومات عن النظام ومن المحاكمة إن انشقوا عنه.
وقد ‘يؤدي هذا إلى دق إسفين بين النظام وداعميه من الداخل’. وتعترف الصحيفة أن هذه السياسة قد لا تنجح، خاصة أن دعم وتسليح المعارضة كان الخيار الأفضل. وبعيدا عن هذا فما يحتاجه السوريون أكثر هو التعجيل برحيل الأسد والسماح بنشوء ‘مركز’ يعبر عن نفسه.
والبديل عن هذا هو استمرار نظام منبوذ في الحكم حتى ينهار ويترك وراءه دولة فاشلة وفراغا في السلطة، وهذا سيناريو مخيف للمنطقة ويبدو أنه يقترب كما تقول.
وجاء تعليق الصحيفة في ظل تراجع التيار المعتدل المسلح وسيطرة الجبهة الإسلامية على مقار تابعة للجيش الحر ومجلسه العسكري في شمال سورية، وهو ما دعا كل من الولايات المتحدة وبريطانيا الى وقف دعم المعارضة بالمعدات غير الفتاكة، ذلك أن بعض المخازن التي نهبت وسيطر عليها المقاتلون من الجبهة تحتوي على معدات أرسلتها واشنطن ولندن.
فقد التأثير
وفي الوقت الذي نفى فيه الجيش الأخبار التي تواردت عن ‘هرب’ إدريس مؤكدة أنه موجود في تركيا ويتفاوض مع الجبهة، كما نفت أن تكون الأخيرة طردتها من مقارها ومن معبر باب الهوى، بل جاءت لنجدتها، وأيا كان الحال تقول صحيفة ‘تايمز’ في تقرير لها إن الحرب في سورية إنحدرت نحو قتال رباعي الأطراف.
مشيرة إلى تراجع تأثير الغرب على الساحة القتالية السورية، ذلك أن المشهد العسكري في سورية أصبح متداخلا ويحتوي على ولاءات متعددة ولم يعد فقط حربا بين نظام ومعارضة تريد الإطاحة به. فمن جهة تقاتل الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة النظام في محاولة لتعزيز وجودهما ورسم حدود مناطق سيطرة. وتقاتل في الوقت نفسه الجيش الحر.
وفي طرف آخر تختلف ‘الجبهة الإسلامية’ مع كل من القاعدة والجيش الحر. ويقول محللون أن التطورات وصعود كل من الدولة والجبهة الإسلامية هي ‘اخبار سيئة للجيش الحر’ حسب مايكل ستفينز من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في قطر والذي أضاف ‘هذا الوضع يدعم فكرة ظهور الجبهة الإسلامية كجيش المعارضة القادرة على حماية خطوط الإمدادات والذي سيقوم بمواجهة الدولة الإسلامية’.
ويقول إن إدريس وإن ظل على رأس القيادة لكنه يعترف بعدم سيطرته على مناطق رئيسية، مما يظهر الحقائق على الأرض’. ويشير إلى أن الطريق إلى جنيف2 ليس واضحا حيث يحاول كل طرف ‘تحقيق إنجازات على الأرض للحصول على تنازلات سياسية من الطرف الآخر’، و’في الوقت الحالي هناك حلقة مفرغة بدون نهاية’.
يذكر أن إدريس أكد في تصريحات لشبكة ‘سي أن أن’ أنه عاد لتركيا وهو بين جنوده، فيما جددت الخارجية معلوماتها وقالت إن إدريس ذهب لقطر ثم عاد لتركيا حيث يملك منزلا لا يبعد كثيرا عن الحدود مع بلاده.
وتقول صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ إن حقيقة ما جرى في أطمة بدأت تتضح ولكنها تظهر في الوقت نفسه الطريقة التي تكافح فيها إدارة أوباما التعامل مع وضع متغير على الجبهة السورية حيث تواجه قيادة إدريس نفسها تحد من جماعات أخرى.
قصة أميرة
مظهر الشدة الثالث الذي يعاني منه السوريون هي تداعيات البرد وما جلبه إعصار ‘أليكسا’ على من يقيمون في لبنان تحديدا، وكتب في هذا السياق مايكل شين الممثل البريطاني في صحيفة ‘إندبندنت’مقالا عن الموضوع وجاء فيه ‘في هذا البلد الصغير، طفلة صغيرة تكافح، فقبل أربعة أشهر ولدت أميرة في ‘مخيم’ للاجئين في منطقة البقاع،على مساحة من القفر الآخذة بالتوسع والمحفوفة بالمخاطر، والمليئة بالأكواخ المصنوعة باليد والتي يعيش فيها السوريون الذي هم في أمس الحاجة، وأمها هي واحدة من بين أكثر من 800 ألف سوري يعيشون في داخل حدود جارة سورية الصغيرة، وهربت من القتال الكريه المشتعل هناك، حاملة معها ما تستطيع، حقيبة، كتاب’، والآن ‘يقترب البرد القارس، وبدأت العاصفة تهب على الخيمة الهشة التي تنام فيها أميرة، والمرض يحوم حولها. فقد عانت أميرة ولأسابيع من إسهال حاد، وقال الطبيب إنها تعاني من سوء تغذية. وعندما زرت لبنان قبل أسابيع، كانت مياه المجاري تسير بين الخيم الفقيرة المبللة بماء المطر والتي تفتقر للتدفئة، وبدا وزن أميرة نصف حجمها الطبيعي’. ويضيف شين ‘هناك العديد من السوريين الذين يعيشون مثل أميرة في البرد، وعددهم يصل إلى 6 ملايين في سورية والمنطقة هم بحاجة ماسة للمساعدة. وتبدو الصورة داخل سورية أكثر كآبة، فقد علق مئات الآلاف من الاطفال في المناطق التي تشهد قتالا، مقطوعة عنهم المساعدات.
وفي بلدان مثل الأردن والعراق ولبنان يعيش أكثر من مليون طفل في أوضاع ‘اشهد أنهم يعيشون في أوضاع تحطم القلب، فقد وصل الكثيرون منهم في الصيف، هربوا بملابسهم التي كانت عليهم، وفي الشتاء الماضي، تجمدت الصحراء وهبطت الحرارة فيها لست درجات تحت الصفر’.
الصدمة
وبعيدا عن الظروف التي يعيشونها، فالصدمة التي ستتركها الحرب عليهم طويلة الأمد، فقد شاهدوا العنف الرهيب، وتحدثت لبنات وأولاد شاهدوا عائلاتهم واصدقاءهم يقتلون أمامهم. فيما لم يذهب الأطفال للمدارس منذ ثلاثة سنوات ومستقبلهم أصبح في مهب الريح، والأطفال الذين خسروا كل شيء يبدو أنهم سيخسرون أكثر’.
وفي الوقت الذي تحاول فيه المنظمات الإنسانية بمن فيها منظمة الطفولة العالمية ‘يونيسيف’ المساعدة وتوفير الأغطية والملابس الشتوية والأحذية وتوفير التعليم والدعم النفسي إلا ان العدد المتزايد من اللاجئين يفاقم من أعباء هذه المؤسسات ‘وعندما كنت في لبنان تدفق أكثر من 20 ألف لاجئ في مدى أيام، وهناك 20 ألفا آخرين بحاجة ماسة للمأوى والطعام والملابس والأدوية’.
وفي الوقت الذي يدعو فيه الجميع لحل للأزمة والتأكيد على أهمية جمع كل الأطراف المتنازعة والتوصل لحل سياسي لكن ما يحتاجه السوريون الآن ‘هو حماية الأطفال وإخراجهم من البرد.. فأطفال مثل أميرة بحاجة للمساعدات وتوفير الدفء لهم وإنقاذهم من الأمراض، إنه لا يمكنهم الإنتظار’.
وعن حالة اللاجئين في البقاع نقلت صحيفة ‘غارديان’ عن عامل ميداني مع منظمة ‘انقذوا الأطفال’ ان الريح قد مزقت خيام اللاجئين، وأصبحت تنز ماء على من يحتمون داخلها. وقال إن ‘الكثير من الأطفال لا يلبسون الأحذية المناسبة، ويلبسون الشباشب، ومعظمهم في ملابس الصيف، وبعض العائلات لديها مواقد لكنها لا تستطيع الحصول على الخشب ولهذا تحرق الأكياس البلاستيكية، وهذا خطير، ولكنهم قالوا لي أمامنا خياران: التجمد حتى الموت او الإختناق بالدخان’.