من الطبيعي فقط أن يجلس حكام العالم العربي والإسلامي امام شاشات التلفزيون لمتابعة نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة. ومع ذلك، رغم انه لم تجر أبدا حملة انتخابات على هذا القدر من الاثارة والبهجة، فمن الجانب العربي يمكن أن نلاحظة عدم مبالاة ظاهرة أو اهتماما هزيلا فقط. فمن جهة، يغرق العالم العربي عميقا في قضاياه. ومن جهة اخرى ليس للمنافسة رؤيا أو خرائط عمل. فالحكام يمقتون الاثنين: لا يصدقون هيلاري «السيئة»، ولا يطيقون ترامب «الاسوأ». واذهب لتقرر من هو الرئيس المفضل في «الحارة».
في صحيفة «عرب نيوز» السعودية نشر في الايام الاخيرة استطلاع اجري بالتعاون مع معهد استطلاعات أمريكي وشمل بزعمهم اكثر من 3 الاف مشارك من 18 دولة عربية. معظم المشاركين (47 في المئة) أعلنوا بأنهم لو كانوا اصحاب حق اقتراع، لما تكبدوا عناء الوصول إلى الصندوق. 44 في المئة أجابوا بأنهم كانوا سينتخبون كلينتون، ونال ترامب 9 في المئة فقط. تعتبر كلينتون ذات تجربة سياسية دبلوماسية مشوشة، أما ترامب فيعتبر كالخناق.
سلوك كلينتون في موضوع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، تأييدها الغريب لحركة الاخوان المسلمين في مصر، قضية السفارة الأمريكية في ليبيا وغض النظر من جانبها في شؤون سوريا لا تبث أملا في العالم العربي. وينثر الخبراء العرب لشؤون البيت الابيض التقديرات بأنهما (كلينتون وترامب)، لا يعتزمان «توسيخ الايدي» والغرق في مستنقعات نزاعات الحارة.
وبالذات علي خامينئي، الحاكم الإيراني الاعلى، تطوع للمراهنة. فهو الزعيم الوحيد في العالم الإسلامي الذي كشف عن اختياره. فقد أعلن خامينئي عن ترامب بأنه الرئيس المفضل لدى آيات الله بفضل مؤشرات التقرب التي لمح بها ترامب باتجاه بوتين. وليس معقدا أن نفهم لماذا: ففي محيط خامينئي يريدون الحفاظ على الفضائل الاقتصادية للاتفاق النووي، يبحثون عن المنافس الذي لن يزيد القوات الأمريكية في العراق، ولن يزعج الإيرانيين في تثبيت «النظام الجديد» في لبنان بعد انتخاب ميشيل عون، الذي أُعتبر كدمية يحركها بالخيوط الحرس الثوري، رئيسا.
تمسك الانتخابات في الولايات المتحدة العالم العربي متلبسا بحالة الضعف وانعدام التراص، غارقا في نفسه، وعرضة للتهديد. فعندما يصوت ملايين الأمريكيين (بمن فيهم ملايين المغتربين من العالم العربي)، في حارتنا يحصون يوم السنة الخامس لثورات «الربيع العربي». لا يوجد اليوم ولا حتى حاكم عربي واحد يجلس هادئا في كرسيه. في الاردن قتلوا في نهاية الاسبوع ثلاثة ضباط أمريكيين، في مصر أنزلوا تخفيضا لقيمة العملة، قفزوا باسعار الوقود والسكر، والإرهابيون قتلوا ضابطا كبيرا آخر. في المغرب تهيج الشوارع في اعقاب الموت الصادم لبائع السمك المتجول محسن فكري، وفي السعودية يترددون في كيفية مواصلة العقوبات الاقتصادية على السيسي دون السماح لمصر بالغرق.
البروفيسور عوزي رابي، رئيس مركز ديان في جامعة تل أبيب، أطلق في نهاية الاسبوع كتابه «عودة إلى المستقبل»، الذي يحلل التغييرات الدراماتيكية التي أدت إلى الاطاحة بأربعة طغاة عرب في السنوات الخمسة الاخيرة. رابي لا يهديء روع القارىء الإسرائيلي. كما أنه لا يقترح حلولا، بل يبعث بالقارىء إلى التفكير من خارج علبة الاقانيم القديمة، يزوده بالمصابيح التي تضيء النظام الجديد الذي يسيطر على المحيط.
على لوحة عمل الادارة في واشنطن مسجلة اخطاء لا تحصى في مواضيع المنطقة. تكاد لا تكون دولة عربية لم تدفع ثمنا باهظا، بحياة الانسان وبتفاقم الازمة الاقتصادية بسبب الفكر الأمريكي المغلوط. رأينا كيف تحاول الادارة ان تفرض على الدكتاتوريين العرب عالما غريبا من المفاهيم في كل ما يتعلق بحقوق الانسان. وعندما لم يطيعوا، رأينا كيف يتجندون لإسقاطه. ما هي دروس كلينتون؟ ماذا يعد ترامب؟ في السنتين القادمتين، حسب التقديرات، فان الرئيس/ة الجديد/ة لا ي/تعتزم انزال حلول ابداعية. هذه ستكون فرصة لبوتين.
يديعوت 6/11/2016