مع اعتبار سنة 2014 سنة عربية للسياب، تبدو صورة السياب الآخر المغيبة اكثر مدعاة للحضور، اذ يمكن من خلالها استعادة ما تبقى من السياب الاثر والظاهرة الشعرية المؤسسة، فهل ان معطف السياب مازال حقا هو المعطف العائلي للقصيدة العربية؟ وهل ان ظاهرة السياب مازالت هي المهيمن اللاوعي الذي يمارس سطوته الابوية على توليدات القصيدة العربية؟ وهل ان للسياب وجها اخر اختلط فيه النفسي مع السياسي مع الثقافي؟
وجه السياب الاخر هو جزء من أثره الوجودي، وليس جزءا من ظاهرته الشعرية. سأحاول في هذه القراءة التعاطي مع هذا الوجه الاخر للسياب الثقافي، السياب الذي حاول ان يمارس ادوارا تتجاوز صورته الشعرية وتضعه في سياق الصراعات السياسية والايديولوجية التي كانت تعصف بالحياة العراقية منذ نهاية الخمسينات، واذا كانت هذه القراءة تكشف عن وجه آخر للسياب، فانها بالمقابل تكشف عن جوانيات هذا الشاعر المضطربة والتي نعتقد بأهميتها في صياغة ثيمة القلق والعصاب والتذمر والسخط في اغلب قصائده، تلك التي اسبغت على بعض مواقفه نزوعا وجوديا، وتمردا حسيا، مثلما كشفت عن ان فكرة التمرد في السلوك والوعي لم تكن لاسباب فنية مجردة، ولاسباب تتعلق بتأثره العميق والاستلابي احيانا بثقافات غربية وترجمات لعبت دورا في تشكيل وعيه ونصه ونزعته الرثائية لكل ما يحوطه فقط، وانما لاسباب تتعلق بهوسه بالتغيير والمغايرة، والاحتجاج، وربما النزوع الى الكراهية والسخط والكآبة، والتي نجدها في نصوصه النثرية/رسائله او اعترافاته، تلك التي نظن بأهميتها في دراسة ظاهرة السياب الشعرية والانسانية..
بدر شاكر السياب ظاهرة شعرية حاضرة في الذاكرة دائما، نضعها عند كل موسم ثقافي امام المزيد من القراءات والتأويلات والاجتهادات الجديدة، تلك التي تكشف عن مستويات قرائية اكثر اثارة للاسئلة حول شعريته وشخصيته. ولكن ثمة عديد من هذه القراءات تبدو وكأنها محاولة للنيل من الكاريزما السيابية، وترحيل ظاهرته من سياقها الشعري الى سياق شخصاني يوحي بالكثير من الاشكالات والتقاطعات والاسئلة، خاصة فيما يتعلق بشخصيته المزاجية و(محدودية ثقافته) كما يصفها الناقد احسان عباس، حتى بتّ احسب ان هذه القراءات تحمل موقفا قصديا من السياب السياسي وليس السياب الشعري او ربما هي كتابة تفترض صيغة المؤامرة!!
ولعل صدور كتاب (كنت شيوعيا) الذي ضمّ مجموعة من اعترافات السياب ورسائله عن دار الجمل (2007) يكشف هذا الهوس بالاثارة، والقصدية بالبحث في زوايا عوالم السياب الشخصية عن ملفات تثير اللغط حول شخصيته المضطربة والمزاجية ومواقفه غير الواضحة من الصراعات السياسية والاجتماعية والايديولوجية التي كانت تعتور الحياة العراقية آنذاك..
يضم هذا الكتاب 29 حلقة من الاعترافات/الرسائل، التي كان قد نشرها السياب سابقا عام 1959 في جريدة الحرية البغدادية لصاحبها ورئيس تحريرها المحامي قاسم حمودي المعروف باتجاه القومي المناوىء للاتجاهات الشيوعية التي كان (شيوعها) اقرب الى الظاهرة الشعبية في الخمسينات..
لقد حملت هذه الاعترافات/الرسائل نزوعا ساخطا ضد الشيوعيين العراقيين، نعتهم السياب باوصاف حادة ومشينة تكشف عن مزاجه المضطرب وطبيعة تداعيات خصومته مع الاخرين، فضلا عما تكشف من فطرته في التعاطي مع (مشكلات) السياسة وظواهرها، اذ ان السياب كان في وقت ما شيوعيا ملتزما و(منظمّا) كثيرا ما امتدح الشيوعيين وحمل شعاراتهم في الكتابة وفي التظاهرات التي شارك فيها، وتحمّل ازاء هذا الانتماء الكثير من المضايقات والمطاردات التي جعلت الحكومة بعد تخرجه من دار المعلمين العالية، تعينه معلما في مدينة (هيت) البعيدة جدا عن المدن التي ألفها، حيث كان هذا التعيين شكلا من اشكال النفي السياسي..
ان هذه الاعترافات التي حملت العنوان نفسه تبدو وكأنها اشبه بإعلان البراءة، وطبعا هذه البراءة تجد عند الخصوم السياسيين اهتماما واضحا، اذ رغم عدم اهمية هذه الرسائل/الاعترافات من الناحية التاريخية وضعف مستواها الفني وحتى (الانشائي)، تلك التي كشفت حقا عن محدودية ثقافة السياب في انفعاله مع معطيات الظاهرة السياسية والحزبية، وقدرته في (السيطرة) على سياق جدله المنفعل والساخط مع الافكار التي يناوئها، فانها وجدت ايضا عند اصحاب التيار القومي، وهم الخصوم التقليدون للحركة الشيوعية حظوة كبيرة، حيث سارع رئيس تحرير جريدة الحرية قاسم حمودي المحامي وهو والد جعفر قاسم حمودي عضو القيادة القطرية في حزب البعث في العراق آنذاك والصحافي سعد قاسم حمودي وزير الاعلام في السبعينات من القرن الماضي الى الاهتمام بنشرها في صحيفته وبطريقة تبدو فيها ملامح التشفي ..
لاشك ان فضاء صراعيا وصاخبا قد احترحته هذه الكتابات، لان السياب كان شخصية عامة اولا، وكان الجدل السياسي والحزبي على اشدّه في نهاية الخمسينات في العراق ثانيا، فضلا عما عكسته ايضا على الساحة اللبنانية من اسئلة خاصة بين مريدي التيار القومي والتيار اليساري والتيار المجذوب الى اشكال الحداثة (صاحبة الريبة) ثالثا، كل هذا جعل هذه الرسائل بمثابة الانفجارات التي ملأت الساحة الثقافية بالكثير من الشظايا والدخان ،خاصة اذا كانت هذه الكتابات بتوقيع شاعر مهم مثل السياب وانها تمسّ بعض خفايا الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والسلوكية، حتى بدا واضحا فيها بان السياب مهووس بفكرة التشهير والشتيمة، وانه لا يفقه شيئا عن الشيوعية وان انتماءه اليها وطوال سنوات الكلية (معهد المعلمين العالي) والعمل كان جزءا من الانتماء للهيجان الشعبي..
حاول السياب ان يوظف وعيه (الثقافي) في تبرير خصومته مع الاخرين من خلال استعارته رواية (1984) لجورج اورويل المشهورة في عداوتها للشيوعية وهيمناتها، ومقابلة حيوات ابطالها مع يومياته وخصوماته، لكنه سقط في نوبات المزاج المنفعلة القلقة، اذ بدت الاعترافات فاضحة وحادة وتخلو من الشعرية طبعا!! وضعت السياب في خانة صانعي الشتائم وفاضح الاسرار، واظن انها عكست جوهر شخصيته المزاجية المتقلبة، حيث لم تحمل هذه الاعترافات أي وعي بالمشكلة السياسية او حتى بالايديولوجيا، بقدر ما حملت هوسا ساخطا، تبلبل بالتوهان اللغوي الذي تختلط فيه الشتيمة بالرغبة بالاعتراف بالسخط، اذ حاول تحت هذا التوهان ربط الظواهر قسريا مع بعضها، فهو يرى ان مظاهر الانهيار السياسي لثورة تموز 1958 ترتبط بنزوع التفرد عند قوى معينة، مثلما يرى ايضا ان ازمة هذه القوى السياسية ترتبط بموقفها من الدين، اذ عمد السياب وبشكل فاضح الى تهويل هذه الطروحات والمواقف واستخدام التوصيفات الحادة وغير المهذبة احيانا، حتى تبدو وكانها اشهار بالقطيعة او الكشف بان كتابته/اعترافاته تلك هي بمستوى تصفية حسابات مع اصدقاء الامس!
حملت الرسائل/الاعترافات الكثير من التفاصيل اليومية لبدر شاكر السياب خلال وجوده داخل التنظيم السياسي وفي اسفاره وهروباته خاصة الى ايران وعلاقته بحزب توده الشيوعي، اذ بدا وكأنه يعيش ازمة نفسية انعكست فيها رغبته العارمة في التمرد، وعدم انسجامه مع طبائع الايديولوجيا التي يحملها الحزب ودوره الشعبي في مرحلة ما بعد، 1958 وصراعاته الداخلية التي تختلط فيها مشاعر الحسد والكراهية والخوف والغيرة من اسماء معينة يعرفها جيدا كأصدقاء ورفاق، لكنها تبوأت مراكز مهمة في الحزب، فقدمها السياب بنوع من السخرية السوداء المعبرة عن ضغائن واحتجاجات تعتمل في داخله..
ويبدو ان السياب لم يكن صادقا وحقيقيا في كل هذه الاتهامات والاعترافات والمواقف المنفعلة حيث ظل يعيش ازمة صراعية عميقة انهكت قواه مع ما كان ينهكه المرض الذي جعله جليس المستشفيات..فقد نشرت مجلة (الاغتراب الادبي) التي كانت تصدر في لندن والتي يصدرها الشاعر العراقي صلاح نيازي وزوجته القاصة سميرة المانع في عددها (25) موضوعا تحدث فيه السيد عبد الصاحب الموسوي وهو من اصدقاء السياب القلائل، خلال زيارته للسياب في ايامه الاخيرة في مستشفى الكويت، حيث قال (كنت اكثر زائريه القليلين مكثا عنده واستماعا اليه، وكانت به رغبة شديدة للكلام عن كل شيء والتحدث في كل موضوع وخصوصا ما يتعلق بحاله وتنكر الحكومة العراقية له، وكان يشعر بندم جارح حين يتذكر مقالاته التي نشرها ايام عبد الكريم قاسم في جريدة قومية بعنوان (عندما كنت شيوعيا) وكان يشدّ بيده اليمنى (السليمة) على شعره الخفيف ويصرخ بكلمة شتيمة على نفسه لانه ارتكب تلك الحماقة ورضي ان يكذب عن رفاق لايستحقون ان يوصموا بما وصمهم به على طول تلك المقالات، وكان يقسم باسلوب متشنج ان كل ما كتبه كذب في كذب اضطره على ارتكابه سوء وضعه الاقتصادي،كما كان يذكر بندم شديد قبوله للمساعدة التي قدمها عبد الكريم قاسم من اجل ان يتعالج في الخارج)18.
ان هذه الاعترافات المضادة تكشف هول الازمة والحرمان اللذين كان يعيشهما السياب، وهول مطروديته وجزعه من الحكومات التي تركته نهبا للجوع والمرض والموت، فضلا عن خرابه الروحي الذي جعله يشتغل في منطقة بعيدة جدا عنه، منطقة المؤامرة والشتيمة والخصومة غير الواعية مع الاخرين ومع ازمات السياسة والايديولوجيا التي تحمل بطبيعتها مزاج الهواء والهروب الدائم نحو غواية الجهات..
٭ كاتب عراقي
علي حسن الفواز