السياحة العربية تقدر بـ 350 مليار دولار والسعودية الأكبر ومصر الأكثر تنوعا

إبراهيم نوار 
حجم الخط
2

تلعب السياحة في الدول العربية النفطية وغير النفطية دورا رئيسيا في تحقيق التنمية. ويستحوذ القطاع السياحي في الدول العربية على نسبة تتراوح بين 2 في المئة إلى 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتبر الأنشطة السياحية من الأنشطة الاقتصادية القليلة التي تعطي عائدا في اليوم التالي للاستثمار، كما أنها مصدر مهم من مصادر النقد الأجنبي. وتساعد السياحة أيضا على خلق أنشطة اقتصادية مرتبطة بها في قطاعات الخدمات والإنتاج المختلفة، مثل النقل والمطاعم والترفيه ومنتجات الحرف اليدوية وغيرها. ونظرا لأن الدول العربية تتمتع بمزايا هائلة تمثل مقومات راسخة لتنمية السياحة، فإن العالم العربي كله يشهد حاليا موجة من التدفقات الاستثمارية لتعظيم العائد من مقومات الهبات الطبيعية، مثل الموقع والشمس والمناخ والبحر والواحات والصحاري وغيرها. كما تشمل المقومات المستهدفة بالاستثمار وتعظيم العائد خصائص التراث والثقافة والتاريخ. ويظهر استعراض رؤى التنمية 2030 في الدول العربية بشكل عام اهتماما ملحوظا بتنمية السياحة، ابتداء من السعودية التي تتربع على عرش السياحة العربية، إلى سلطنة عُمان التي تعتبر «الحصان الأسود» القادم في مجال المنافسة السياحية في العالم العربي والشرق الأوسط. كذلك تتضمن خطط التنمية في الأردن وتونس ولبنان اهتماما كبيرا بدفع النمو السياحي للاستفادة من الآفاق الواعدة للمقومات السياحية التي تتمتع بها. وهناك دول عربية كانت قد بدأت مسيرة العمل في تنمية القطاع السياحي مثل السودان واليمن، هي في أشد الحاجة الآن للاستقرار الضروري لاستئناف هذه المسيرة التي توقفت تقريبا.
وتمثل مصر والمغرب قاطرتين محوريتين في التنمية السياحية العربية، حيث يملك المغرب ناصية البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، بينما تملك مصر ناصية البحرين المتوسط والأحمر. كما تتمتع الدولتان بمقومات ومزايا تجعلهما من المقاصد السياحية الرئيسية في العالم. ومع ذلك فإن نصيب كل منهما من السياحة العالمية يقل عن نصيب إمارة دبي. ويعود ذلك الى ضعف وتخلف البنية الأساسية الضرورية، ونقص الترويج والجذب السياحي، مقارنة بدولة مثل تركيا، التي تحقق إيرادات سياحية تزيد عن ضعف ما تحققه السعودية، أو أربعة أمثال ما تحققه مصر، وما يقرب من خمسة أمثال ما يحققه المغرب. وطبقا لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة العالمية «UNWTO»، فقد احتلت تركيا في 2024 المرتبة الرابعة عالميا من حيث عدد السائحين الدوليين بنحو 56.7 مليون سائح أجنبي. كما تعاني مصر والمغرب من انخفاض نسبة السياحة الفاخرة من إجمالي التدفقات السياحية، وهو ما يعبر عن نفسه بانخفاض قيمة إنفاق السائح في الزيارة الواحدة أو في الليلة عن المتوسط العالمي. وتقود التدفقات الاستثمارية الضخمة في القطاع السياحي في كل من المغرب ومصر في السنوات الأخيرة، التي تأتي معظمها من دول الخليج، خصوصا من قطر والإمارات، موجة واسعة وقوية من مشروعات التنمية السياحية في كل منهما. وتترافق هذه التدفقات السياحية في المغرب مع قرب بطولة كأس العالم لكرة القدم الذي تستضيفه المملكة المغربية وإسبانيا والبرتغال معا في عام 2030. كما تترافق أيضا مع خطة طموحة لتنمية السياحة المصرية، تستهدف جعلها إحدى أكبر بلدان السياحة الشاطئية في العالم، من خلال مشروعات سياحية عملاقة يتم طرحها الآن على شواطئ الساحل الشمالي، والبحر الأحمر. وقد سجلت بيانات مجلس السياحة والسفر العالمي في العام الماضي قفزة كبيرة في أعداد السائحين إلى المقاصد السياحية المغربية والإيرادات السياحية هناك بنسبة تقرب من 20 في المئة، في حين حققت مصر زيادة طفيفة بلغت حوالي 5 في المئة فقط نظرا للتطورات السلبية التي تشهدها بعض المناطق المحيطة بها، خصوصا في غزة والبحر الأحمر. أما بالنسبة للسياحة في الدول العربية الأخرى القائدة في القطاع السياحي، فقد استمرت التدفقات السياحية القوية، وعلى رأسها السياحة في السعودية.
وطبقا لتقرير مجلس السياحة والسفر العالمي The World Travel & Tourism Council (WTTC)، شهد قطاع السفر والسياحة في الشرق الأوسط خلال عام 2024 نموًا ملحوظًا، حيث ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي الاجمالي للمنطقة ككل إلى حوالي 507 مليار دولار. وبحسب إحصاءات مجلس التعاون الخليجي «GCCStat»، فقد بلغ إجمالي مساهمة قطاع السفر والسياحة بنهاية 2024 نحو 247.1 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 11.4 في المئة من ناتج دول الخليج المحلي. وعلى الرغم من انخفاض نسبة مساهمة السياحة في الناتج المحلي لسلطنة عمان إلى حوالي 2.7 في المئة، فإن السلطنة تنفذ برنامجا طموحا لمضاعفة هذه النسبة إلى أربعة أمثالها بحلول عام 2040. وبتحليل البيانات للشرق الأوسط عامة (507 مليار دولار طبقا لمجلس السياحة والسفر العالمي WTTC)، فسوف نجد أن دول الخليج العربية الست تستحوذ على النسبة الأعظم من نصيب الدول العربية، حيث تقدر إيرادات قطاع السياحة في كل من السعودية، الإمارات، عمان، قطر، الكويت، البحرين بحوالي 247 مليار دولار من السياحة في 2024. أي أن دول الخليج الست الغنية تستحوذ وحدها على ما يقرب من نصف دخل قطاع السياحة في منطقة الشرق الأوسط ككل بنسبة 49 في المئة تقريبا. وبإضافة الإيرادات السياحية لكل من مصر والمغرب والأردن ولبنان وتونس وغيرها، فإن رقم إيرادات السياحة في الدول العربية كلها للعام الماضي يتراوح بين 320 إلى 350 مليار دولار. وهو رقم لا يعكس المزايا النسبية الطبيعية والتاريخية والثقافية للطاقات السياحية في العالم العربي. وبسبب هذا الرقم المتواضع فإن نسبة مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي تنخفض إلى ما دون الـ 10 في المئة في بلدان محورية على خريطة السياحة العالمية مثل مصر والمغرب.

تنويع السياحة السعودية

مثلما تتجه المملكة السعودية إلى تنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، فإنها تتجه أيضا إلى تنويع مصادر الدخل السياحي لتقليل الاعتماد على الحج والعمرة كمصدر رئيسي للدخل السياحي. حتى الآن تتربع السعودية مستريحة تماما على عرش السياحة في الدول العربية. الفضل في ذلك يعود إلى السياحة الدينية الإسلامية. وقد ارتفع عدد السائحين القادمين من الخارج في العام الماضي إلى 29.7 مليون سائح مقارنةً بنحو 18 مليونا في عام 2016، وجاءت وراءها الإمارات التي استقبلت18.7 مليون سائح. وإضافة للسائحين القادمين من الخارج فإن نسبة مساهمة المقيمين الأجانب في السياحة السعودية تضاعفت تقريبا في العام الماضي. وتظهر بيانات السياحة الدولية أن السعودية حققت خلال السنوات العشر الأخيرة، أكبر معدلات النمو في الإيرادات السياحية. وطبقا لبيانات العام الماضي فقد بلغت قيمة الإيرادات السياحية إلى 153.6 مليار ريال سعودي في 2024 (ما يعادل 41 مليار دولار)، مقارنة بـ135 مليار ريال في 2023، بمعدل نمو يصل إلى 148 في المئة تقريبا مقارنةً بالعام 2019. وفي خارج العالم العربي كان هذا أعلى معدلات نمو الإيرادات السياحية بين دول مجموعة العشرين. ويرجع الأداء الاستثنائي للسياحة السعودية مقارنة ببقية الدول العربية إلى أثر السياحة الدينية، والهبات الطبيعية التي تتمتع بها مثل سواحل البحر الأحمر، وطبيعة المناخ في مناطق معينة مثل عسير في الجنوب والعُلا وتبوك في الشمال إضافة إلى مشاريع سياحية ضخمة ضمن رؤية «2030»، مثل مشروع نيوم على البحر الأحمر، ومشاريع الترفيه والتراث، إضافة إلى إصلاحات تنظيمية وتسهيل تأشيرات الدخول، ما أسهم في جذب أعداد كبيرة من السياح في كل مقاصد السياحة تقريبا.

مقومات التنمية السياحية

تمثل مصر مركز جذب سياحي رئيسي في المنطقة والعالم. ونعني بالجذب السياحي هنا جانبي العرض والطلب. ويتعلق العرض بتدفقات الاستثمارات السياحية من الخارج إلى مصر، بهدف تنمية جانب العرض الذي يشمل المرافق السياحية، وتوسيع وتطوير البنية الأساسية للسياحة من مطارات وطرق وفنادق وشواطئ وخدمات ترفيهية متنوعة. وتستهدف رؤية التنمية السياحية في مصر زيادة عدد السائحين إلى أكثر من 30 مليون سنوياً بحلول عام 2030، وزيادة الإيرادات السياحية إلى أكثر من 30 مليار دولار سنويا. وتتكون أهم مقومات رؤية التنمية السياحية في مصر حاليا من تطوير السياحة الثقافية والأثرية (مثل الأهرامات، الأقصر، المتحف الكبير)، وتوسيع السياحة الشاطئية على البحرين الأحمر والمتوسط من خلال مشروعات عملاقة مثل مشروع رأس الحكمة، ومشروع تطوير منطقة (علم الروم) بالساحل الشمالي الغربي الذي يقيمه جهاز قطر للاستثمار، باستثمارات تصل إلى 4 مليارات دولار، لتطوير مدينة سياحية متكاملة تضم «منتجعات سياحية عالمية، ووحدات سكنية فاخرة، ومراكز تجارية وترفيهية، إضافة إلى مرسى لليخوت ومرافق خدمية متطورة، وذلك على غرار مدينة رأس الحكمة». كما تتضمن رؤية التنمية السياحية في مصر تطوير مطارات، وموانئ، وطرق، وافتتاح المتحف المصري الكبير كمشروع محوري، وإسناد كل ذلك بحملات الترويج الذكية وربط السياحة بالفن والثقافة. ومن المستهدف كذلك تحفيز الاستثمار الخاص في إنشاء الفنادق والمرافق السياحية، مع العمل على تنمية الموارد البشرية من خلال برامج التأهيل والتدريب السياحي.

استعداد المغرب لكأس العالم

قررت المملكة المغربية استثمار ما يزيد عن 10 مليارات دولار في مشاريع البنية التحتية المتعلقة باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم بالمشاركة مع إسبانيا والبرتغال عام 2030. ولا تقتصر الاستعدادات على الجانب الرياضي، بل تشمل أيضًا الاقتصاد، النقل، السياحة، والأمن، في إطار رؤية شاملة تجعل من كأس العالم 2030 فرصة استراتيجية لتسريع التنمية. وفي هذا السياق شرعت الحكومة المغربية في تنفيذ خطة طموحة لتطوير البنية التحتية والمرافق الرياضية، بما يعكس مكانة المغرب ويضمن نجاح الحدث على المستويين التنظيمي والاقتصادي. وتتضمن تلك الخطة توسيع الطاقة الفندقية، وإضافة فنادق ذات قيمة مضافة عالية، وتوسيع المطارات القائمة وإضافة مطارات جديدة، ومد خطوط سكك حديد جديدة، ورفع طاقة النقل الداخلي في المدن الكبرى، خصوصا تلك التي من المقرر أن تستضيف مباريات في جدول البطولة. في هذه الخطة تحظى العاصمة الرباط، وأهم المدن الدار البيضاء بأهمية خاصة إضافة الى المدن الصناعية الكبرى مثل طنجة، والمدن التراثية ذائعة الصيت مثل مراكش. من خلال خطة الاستعدادات الجارية للمشاركة في استضافة مباريات كأس العالم تسعى المملكة المغربية لأن تعيد تقديم نفسها للعالم، كدولة صناعية صاعدة تتمتع ببنية أساسية قوية، وقدرة عظيمة على التنظيم.
وتتضمن الخطة المغربية بناء مجمعات رياضية جديدة فخمة، منها ملعب عالمي ضخم في مدينة بنسليمان (قرب الدار البيضاء)، بطاقة استيعابية قد تصل إلى 113 ألف متفرج، ليكون أكبر ملعب في أفريقيا، يعتمد على تقنيات صديقة للبيئة، وإقامة ملعب آخر ضخم في الرباط. كما تتضمن توسيع شبكة القطار فائق السرعة «البراق»، وهو أول قطار فائق السرعة يتم تشغيله في أفريقيا، خاصة الربط بين مراكش وأكادير والدار البيضاء. وإضافة إلى ذلك تستهدف الاستعدادات الجارية لكأس العالم  تعزيز القدرة الفندقية والسياحية وذلك ببناء فنادق جديدة بمواصفات عالمية، وتحفيز الاستثمار في السياحة الرياضية، من خلال شراكات مع القطاع الخاص، إضافة إلى تهيئة مدن الإقامة الجماهيرية بأسعار مناسبة. وعلى الصعيد التنظيمي يجري تطوير البنية الرقمية والأمنية لإدارة الملاعب، مثل الإنترنت، وأنظمة التذاكر الذكية، والمراقبة بالفيديو، وتعزيز أنظمة الأمن السيبراني والرقابة الذكية عبر الكاميرات، وتدريب الكوادر الأمنية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتأمين الحدث. وفي هذا السياق يتم تبادل الخبرات مع الدولة العربية التي سبقت المغرب إلى تنظيم بطولة كأس العالم وهي دولة قطر، من أجل الاستفادة من خبرتها. ويجدر بالذكر أن الاستثمارات التي قامت بها قطر وساهمت في نجاح البطولة، أصبحت الآن جزءا من البنية الأساسية الخادمة للسياحة، وتسهم يوما بعد يوم في زيادة أعداد السائحين والإيرادات السياحية.
وتتضمن أهم مقومات تنمية السياحة في المغرب، استثمار تنوع المنتجات السياحية: الشاطئية، الجبلية، الصحراوية، الثقافية. وإعادة تقديم المغرب للعالم في صورة حضارية جديدة، وتطوير البنية الفندقية وزيادة عدد الغرف الفندقية، ودمج المجتمعات المحلية في المشاريع السياحية، وتحسين الربط الجوي مع أوروبا وأفريقيا، وحماية التراث (فاس، مراكش، الصويرة). وتستهدف هذه الرؤية مزيدا من الجذب السياحي وتعظيم الإيرادات السياحية بزيادة عدد السائحين إلى 26 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.
وكذلك مضاعفة نصيب السياحة في الناتج المحلي الإجمالي من حوالي  7.5 في المئة إلى ما يتراوح بين  12 – 15 في المئة. وكان عدد السياح في العام الماضي قد وصل إلى حوالي 17.4 مليون سائح، ما يعادل نصف عدد سكان المغرب تقريبا، وارتفعت قيمة الإيرادات السياحية إلى حوالي 11 مليار دولار، مسجلة رقما قياسيا، من المرجح أن يستمر في الارتفاع مع زيادة الإقبال على زيارة المغرب من جانب أسر العاملين الأجانب في القطاع الصناعي الناهض في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء والرباط.
ويعمل عدد كبير من الفنيين والمهندسين الأجانب في المصانع المنتشرة في هذه المدن، ما يخلق طلبا متزايدا على السياحة بواسطة أسر العاملين، الذين يعتبرون أن زيارتهم للمغرب هي بمثابة تجربة حياتية جديدة لما تحمله معها من تجربة ثقافية وحضارية مختلفة. ومن المتوقع أن تؤدي مشاركة المغرب في استضافة بطولة كأس العالم إلى مضاعفة عدد السائحين والإيرادات السياحية بما يتراوح بين مرتين وثلاثة، قياسا على قياس متحفظ مقارنة بالتجربة القطرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية