السياسات الانكلو ـ أمريكية مسؤولة عن تفريخ الارهاب
د. سعيد الشهابيالسياسات الانكلو ـ أمريكية مسؤولة عن تفريخ الارهاباذا صدقت الرواية الرسمية البريطانية حول وجود خطة ارهابية اخري تم اكتشافها قبيل التنفيذ، فانها تعمق القلق بدلا من ان تزيله، ليس في الاوساط الغربية فحسب، بل حتي في الاوساط الاسلامية، لأسباب عديدة. فوجود خطة بهذا الحجم، وبهذه الدقة من التنظيم الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية، أمر مقلق للمهتمين بأمر النهضة الاسلامية وما تختزنه من مشروع سياسي. وثانيا ان قدرة تنظيم القاعدة الذي اشارت الاستخبارات البريطانية اليه بالمسؤولية عن الخطة، يؤكد امرين مهمين: اولهما ان المشروع الامريكي لـ الحرب ضد الارهاب لم ينجح في احتواء الاخطار الارهابية او مصادر تفريخ الارهاب وتمويله. ثانيهما ان الاسلاميين المعتدلين لم يتمكنوا من استعادة الارضية الشبابية التي تترعرع فيها الافكار المتطرفة والعنيفة، وبالتالي، فهو اخفاق للاسلاميين كما هو اخفاق اكبر للسياسات الانكلو ـ امريكية الهادفة لاحتواء الارهاب ومخاطره. وثالثا: ان كافة المشاريع التي طرحت في الاعوام الخمسة الماضية التي أعقبت حوادث 11 ايلول (سبتمبر)، السياسية والدينية، والاجراءات التي اتخذت لتجفيف منابع تمويل الارهاب، ومحاصرة ينابيعه الفكرية بالضغط علي حكومات الدول التي تشجع مناهجها التعليمية المنحي نحو التطرف والعنف والارهاب، لم تحقق الهدف منها، وبالتالي فمن الضروري اعادة النظر في الاطروحات التي انفق عليها الكثير علي امل ان تؤدي الي تخفيف حدة الجنوح نحو العنف والتطرف في بعض اوساط الشباب العربي والمسلم. رابعا: ان الاهتمام الدولي بظاهرة الارهاب لم ينجح في تدويل النقاش والجدل حول هذا الارهاب الذي لم يتم الاتفاق اساسا حول تعريفه دوليا. خامسا: ان سياسات بوش وبلير بدأت تؤتي نتائج معاكسة لما يتوقعانه. وتشير آخر الاحصاءات الي ان 80 بالمئة من البريطانيين يشعرون بان الغرب خسر الحرب ضد الارهاب، ويطالبون رئيس الوزراء بالابتعاد عن السياسة الامريكية، وان 75 بالمائة منهم يعتقدون بان سياساته جعلت بريطانيا هدفا للارهابيين.من المسؤول عن ذلك؟ وهل يمكن اعتبار تصاعد الارهاب الاعمي والتطرف مرتبطين بالسياسات الانكلو ـ أمريكية في منطقة الشرق الاوسط؟ ام ان ذلك التصاعد تعبير عن شعور بظلامة تاريخية لا ترتبط بالواقع السياسي في الوقت الحاضر فحسب؟ وبمعني آخر: هل ثمة علاقة مبشرة بين الوضع العسكري الذي تفجر في لبنان مؤخرا بسبب العدوان الاسرائيلي، وتوجه بعض المجموعات المتطرفة لتوسيع دائرة المواجهة كـ عقاب علي الموقفين الامريكي والبريطاني الداعمين للعدوان العسكري الصهيوني؟ لا شك ان الربط المباشر بين الامرين مسألة فيها الكثير من الاجتهاد والتفسير، ولا تستند الي معلومات مباشرة، بل هي استنتاج قائم علي اساس ربط الوقائع واستقراء منحاها العام. وسواء كانت الخطة الارهابية التي تحدثت عنها السلطات البريطانية، والتي لم تتضح معالمها بشكل قاطع بعد، توسيعا للمواجهة مع التحالف الانكلو ـ أمريكي مع الكيان الاسرائيلي، ام انها استمرار للظاهرة الارهابية التقليدية، فان من الصعب رفض المقولة التي تربط بين السياسات الانكلو ـ امريكية في الشرق الاوسط وتنامي ظاهرة الارهاب والتطرف. هذا الربط ما يزال مرفوضا من قبل مخططي السياسات في واشنطن ولندن، برغم استطلاعات الرأي العام التي تؤكد وجود العلاقة. نقطة الضعف في منطق عدم الربط بين السياسات الغربية الخارجية وتنامي الارهاب انها لا تقدم تفسيرا للغضب الهائل المختزن في نفوس الكثيرين الذي يدفع بعضهم للاقدام علي اعمال ارهابية في شكل عمليات انتحارية خطيرة. اما كون اغلب هؤلاء الارهابيين في الوقت الحاضر من المسلمين فهو امر لا يرتبط بالدين، بل بعمق الشعور بالظلامة نتيجة سياسات الغرب ازاء العالمين العربي والاسلامي. تنظيم القاعدة استطاع توجيه الغضب في نفوس بعض قطاعات الجيل الجديد من المسلمين نحو التطرف والعنف، فحدثت اعمال 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية، وبعض الاعمال اللاحقة في بالي واسبانيا وغيرهما. واشنطن أدركت في البداية اهمية النظر في اسباب هذه الظاهرة، وعدم الاقتصار علي مواجهتها عسكريا. فقامت بدراسات ميدانية لظاهرة العنف والتطرف في العالمين والاسلامي. وعلي وجه التحديد سعت لمعرفة الاسباب التي تدفع لكراهية الولايات المتحدة بشكل خاص، وهي التي تساهم في بعض اعمال التنمية والدعم الاقتصادي والتكنولوجي في المنطقة. وتوصلت الدراسة التي قام بها ادوارد جيرجيان، السفير الامريكي السابق في لبنان، الي حقيقتين مهمتين: اولاهما ان هناك غضبا شعبيا واسعا ازاء السياسات الامريكية في الشرق الاوسط، الداعمة للاحتلال الاسرائيلي، ودعم واشنطن المطلق لانظمة الاستبداد والقمع في المنطقة. اليوم، وبعد ثلاث سنوات علي تلك الدراسة التي قدمت الي الكونغرس الامريكي في تشرين الاول (اكتوبر) 2003، لا يبدو ان استنتاجاتها وتوصياتها تحظي باهتمام الساسة، بل يمكن القول انها ذهبت ادراج الرياح. فالسياسة الامريكية علي الصعيدين المذكورين لم تتغير علي الاطلاق. وقد أكدت الازمة العسكرية الأخيرة تحولا خطيرا في السياسة الامريكية تجاه اسرائيل ، بمعارضتها وقف اطلاق النار، ووقوفها، ومعها الحكومة البريطانية، في مقابل الرأي العام العالمي. هذه السياسة وحدها تكفي لاثارة حفيظة الملايين من البشر الذين يرون في العدوان الاسرائيلي تحديا للقيم وعدوانا ضد الانسانية وجريمة لا يمكن ان تمر بدون عقاب. في الوقت نفسه، لم تغير الادارة الامريكية تعاملها مع انظمة الحكم والاستبداد في المنطقة، بل ازدادت دعما لذلك القمع، وتخلت عن الذين وقفوا ضد استبدادات حكوماتهم ظنا منهم بوجود غطاء امريكي لهم. فلم ترفع ادارة الرئيس بوش طرفا للنظر الي حالهم وما آلوا اليه في السجون. هذا التخلي عن نشطاء الديمقراطية أعاد الوضع الي سابق عهده علي مستوي الحريات العامة والممارسة، وأصبح الاستبداد عنوانا فاقعا مدعوما من الولايات المتحدة الامريكية بشكل لا لبس فيه ولا غموض. وجاءت مقولة الشرق الاوسط الجديد بدلا للمقولات السابقة التي توحي بحماس امريكي نحو الديمقراطية مثل الشراكة الديمقراطية . والي ما قبل عامين، كان بعض الساسة الامريكيين، وفي مقدمتهم السيدة مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية في عهد الرئيس كلينتون، تدعو العرب الي الفصل بين قضية الشرق الاوسط والممارسة الديمقراطية. وقالت بالحرف الواحد: اذا لم يتم تقدم علي صعيد قضية الشرق الاوسط، فهذا لا يمنع حدوث تقدم علي صعيد الديمقراطية. واذا لم تتطور الديمقراطية فهذا لا يمنع العمل لاحداث تطور علي صعيد قضية الشرق الاوسط. هذه المقولات لم يعد له صدي في واقع السياسات الامريكية علي الاطلاق. هل عادت الاوضاع الي ما كانت عليه قبل حوادث 11 ايلول (سبتمبر)؟ لا يستبعد ان يكون الامر كذلك. من الذي أعاد الامور الي المربع الاول؟ انه التحالف غير المعلن بين اربع جهات ذات علاقة وطيدة بالاوضاع العامة: الادارة الامريكية والحكومة البريطانية وقوات الاحتلال الاسرائيلية والانظمة العربية. هذا التحالف ليس جديدا، بل هو مربع جديد – قديم ساهم في الماضي في تحريك مشاعر العداء الشعبي للغرب سواء ضد الاستعمار، ام ضد اساءة استغلال النفط ام دعم الاستبداد وانتهاكات حقوق الانسان، ام حول ما اصطلح علي تسميته قضية الشرق الاوسط . واذا كان العنف الموجه سابقا ضد هذا التحالف الرباعي محدودا فان تجاهل اسبابه وعدم التعاطي معها بشكل جاد أدي الي فعل تراكمي حتي اصبح الوضع علي ما هو عليه الآن. مع ذلك لا بد من الاشارة الي ان ظاهرة الارهاب الدولي ليست جديدة بل كانت لها مصاديقها في العقود الخمسة السابقة، خصوصا خلال الحرب الباردة. ففي الخمسينات كان هناك الارهاب الصهيوني الموجه ليس للعرب فحسب، بل للبريطانيين انفسهم. وقد بلغ ذلك الارهاب ذروته بتفجير فندق داوود في فلسطين الذي كانت القوات البريطانية تستخدمه مقرا لها، وادي الي مقتل اكثر من تسعين شخصا بريطانيا. وفي السبعينات كانت هناك منظمات تمارس العنف علي نطاق دولي من بينها الألوية الحمراء في ايطاليا، وبادر ماينهوف في ألمانيا، والجيش الأحمر في اليابان. وكانت هناك اعمال من قبل المجموعات الفلسطينية ضد الاسرائيليين، انطلق اغلبها بعد حرب حزيران في 1967. ومهما قال الغربيون عن اسباب تصاعد العنف في العقدين الاخيرين، فان عليهم ان يعيدوا قراءة ملف هذا العنف، بموضوعية لكي يكتشفوا عددا من الحقائق: اولها ان ظاهرة العنف والارهاب ارتبطت بشكل او آخر بالأزمة الفلسطينية، وسوف تبقي كذلك. ثانيها: ان الغرب، خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا، فشل في استيعاب جوهر الازمة، وسعي لفرض رؤاه وتصوراته علي الشعب الفلسطيني وعلي الدول العربية، فأحدث شروخا عميقة في الجسد العربي تحولت في بعض القطاعات الي صرخات غضب ضد التحالف المذكور بين الحين والآخر. ثالثها: ان الأوروبيين تخلوا عن دورهم في المنطقة، خشية من التصادم مع الاطروحات الامريكية التي اصبحت تدريجيا اكثر انحيازا لقوات الاحتلال الاسرائيلية. رابعها: ان الخشية من موقف عربي شعبي يتبلور من خلال انتخابات ديمقراطية، دفعت الغربيين الي تكثيف الدعم للانظمة القمعية، فكان من تبعات ذلك تعمق الشعور بالغضب لدي الشعوب، الامر الذي تحول في بعض الحالات الي تطرف وارهاب لم تشهد المنطقة لهما مثيلا. من هنا فما لم يتم التوجه لحل القضية الفلسطينية، ليس بالسعي المتواصل لفرض الارادة الاسرائيلية وشروط قوات الاحتلال الصهيونية، بل بفرض الارادة الدولية المتمثلة بالقرارات الكثيرة الصادرة عن مجلس الامن الدولي، فستظل بؤر الصراع مشتعلة، ومعها الجنوح نحو العنف والارهاب. والحرب الاخيرة بين قوات الاحتلال الاسرائيلية وحزب الله اللبناني أكدت استحالة الهدوء في المنطقة. وما لم يحدث تغير جوهري في السياسة الغربية فسوف تتواصل اعمال العنف، سواء العسكرية كما حدث في لبنان، ام الارهابية، كما يمارسه تنظيم القاعدة وآخرها خطة تفجير الطائرات، حسب قول السلطات البريطانية. 9