السياسات النخبوية في مواجهة الثورة

حجم الخط
1

الثورات الشعبية في الشرق اليوم هي محاولة جديدة من الناس العاديين لدخول التاريخ، لا العودة إليه، فالإنسان في الشرق، وربما العالم، مغيب منذ فجر التاريخ عن كتابة مصيره، الأمر الذي اختزل عادة بالطغاة والسادة، والجنرالات وبعض ‘المفكرين’ المهووسين بالسلطة حتى الجنون …
الطريقة الوحيدة ليقتحم البشر ‘العاديون’ مسرح التاريخ أو يشاركوا في صناعته هو الثورة، فقط … وهذا بالضبط ما بدأه مهمشو الشرق مع البوعزيزي مع أفول عام 2010 … ويجب الإقرار اليوم بأن تحولات الثورات الشعبية هي في جزء منها نتيجة التناقضات في فعل وتفكير المهمشين أنفسهم، وأيضا، نتيجة فعل القوى السلطوية المختلفة التي تحاول السيطرة على مصير هذه الشعوب … خلافا للدارج، ليست الديمقراطية آلية ليحكم الناس ‘العاديون’ أنفسهم بأنفسهم، إنها آلية حكم نخبوي فوقي هرمي أكثر استقرارا بزعم أنه أكثر ‘عقلانية’ .. الديمقراطية هي مطلب ومشروع نخبوي أساسا، وجزء مكمل للسياسات النخبوية يهدف إلى شكل ‘ضروري’ لكنه ‘مستدام’ وقابل للاستمرار للتحكم بالبشر .. تعكس خطابات النخب المعارضة نخبوية مشاريعها: تركيزها على مفاهيم الدولة والحفاظ عليها، وحدة التراب الوطني، البحث عن هوية مصطنعة قبل إنسانية أو لا إنسانية (الاعتراف بإنسانية الإنسان على أنها هويته الفعلية سيؤدي حتما إلى الإقرار بقدسية حريته فوق اي اعتبار آخر)، اتهام عفوية الجماهير وغياب الإيديولوجيا أو التنظيم الهرمي الفوقي أو غياب القيادة على أنه السبب وراء كل ‘أخطاء الثورات’ أو انحطاطها، الحال قد يكون مختلفا في الواقع، يبدأ انحطاط الثورات الشعبية كمغامرة نحو المجهول والحرية عندما يجري لجمها وإخضاعها لإيديولوجيا وقيادة أقلية ‘ثورية’ ما … هذا لا يعني أن الخصم الآخر للنخبة الليبرالية، أي الإسلاميين، بالرغم من شعبويتهم، يمارسون سياسة مختلفة في نهاية المطاف .. كحركة احتجاجية، يقترب رفض الإسلاميين لهيمنة الإنسان على الإنسان بدعوى ‘عبوديته’ لله وحده من المثال الأكثر جذرية أو ‘تطرفا’ للحرية الإنسانية، حيث لا هيمنة لإنسان على آخر، لكنهم يختلفون كلية عندما يصبحون أو يقتربون من السلطة، حالهم في ذلك مثل بقية السلطويين … فهم يؤمنون بضرورة فرض العدالة وغيرها على المجتمع والناس العاديين من أعلى بالإكراه، إنهم أقلية ثورية جدا، وسلطوية جدا في نفس الوقت، دون أي مساومة في الحالتين … إنهم حقيقيون جدا في أنهم اليوم المعارضة الأكثر راديكالية وجذرية للطبقات الحاكمة في الشرق ولمجمل النظام الرأسمالي العالمي، إنهم ألد أعداء لعالم يقوم على القهر والاستبداد والخداع، وهم مزيفون جدا في أنهم يريدون هدم هذا العالم لإقامة يوتوبياهم : عالم يمارسون فيه قمع واستلاب الناس العاديين بدرجة أعلى من الشمولية والطغيان والإكراه .. في الثورات العربية اليوم تناقض رئيسي : بين المضمون التحرري الهائل لها وبين مطالبها وشعاراتها النخبوية والفوقية، بين فعل الجماهير وأهدافها وبين فعل النخب ورغباتها، وكل تراجعات أو هزائم هذه الثورات وانحطاطها المحتمل يعكس عجز الجماهير عن التملص من آليات الهيمنة النخبوية السابقة والجديدة ..
قد يكون رفض الديمقراطية كمطلب ومشروع نخبوي ضروريا بالفعل لحرية حقيقية للناس العاديين، من اجل ‘سياسة’ جديدة تمارسها الجماهير مباشرة في الأسفل، لكن هذا الرفض قد يؤدي من جهة إلى التنظيم الذاتي للجماهير إلى أشكال مبتكرة من الديمقراطية المباشرة للجماهير على حياتها، ما يقترب فعلا من معنى حكم الناس لأنفسهم بأنفسهم بالفعل، أو إلى الفاشية والشمولية … لقد حدث هذا من قبل، في غمار صعود ثوري جماهيري مماثل قال يومها لينين أن الحرية هي كذبة برجوازية، قضى البلاشفة يومها على الأورخانا القيصرية لتأخذ التشيكا البلشفية مكانها، وفرض الصمت والخضوع كقاعدة أساسية للحياة، أغرق تروتسكي انتفاضة بحارة كرونشتادت بالدماء، وصولا إلى معسكرات العمل العبودي في الغولاغ .. قد يكون هذا أشد قسوة بكثير مما فعلته البرجوازية الأمريكية البيضاء أو الفرنسية أو الانكليزية بعد ثوراتها الشعبية، الفلاحية – البروليتارية هناك، عندما اختارت الشكل الديمقراطي لهيمنتها على الجماهير، في كلتا الحالتـــــين أخرج الناس العاديون بالقوة من التاريخ، بانتظار ثورات جديدة، بانتظار وقت يحكم فيه الناس العاديون أنفسهم بأنفسهم.
مازن كم الماز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية