السياسة الأمريكية وممارسة النفاق السياسي في سورية

حجم الخط
0

سقط النظام السوري فريسة في الفخ الأمريكي الاسرائيلي المشترك، الذي تم نصبه وتهيئته منذ عدة أعوام مضت، بانتظار هذه الفرصة الكبيرة التي سنحت في وقوع نظام الأسد أخيراً في الشبكة الأمريكية، من دون أن يدفعه إليها أحد، ذهب إليها بمفرده وإرادته نتيجة استكباره وحماقته وأفعاله الإجرامية السوداء ظناً منه أنه قادر على تقمص جميع الأدوار وتخطي كافة الصعاب المحتملة والحجج المعلبة لمواقفه والتلون السياسي، بما يشفع له من ارتكاب الخطايا والمحرمات، معتمداً على ما يملكه من قوة عسكرية محدودة وطفرة اقتصادية وهمية ونشوة تحالفات دولية وإقليمية وأوراق مهمة تمكنه من تحديد استقرار المنطقة العربية، خاصة حدودها الجغرافية المباشرة مع الدولة العبرية، اضافة إلى خبرته في قواعد اللعبة الإقليمية والدولية وثقته اللامحدودة بإمكانية الخروج من المصاعب والمآزق بأمان وطمأنينة وسلام في كل المراحل والأزمنة.

ركض النظام الأمني السوري كعادته مسعوراً بدون وعي وراء جبروته واستكباره ونداء غرائزه الأمنية الشاذة، التي حكم فيها الشعب السوري المسكين بالنار والحديد ظناً منه أنه قادر على قمع حركة الشعب السوري. هذا الشعب العظيم الذي انطلقت شرارة بركان غضبه من سوق الحريقة في دمشق الفيحاء محذراً من عدم اختبار ثورته على الظلم والاستعباد وإهانة الشعب السوري عبر ضرب أحد التجار الدمشقيين ليرفع هتافاته السلمية عالياً ” الشعب السوري ما بينذل”.

 لم يفهم النظام السوري الأمني رسالة هذا الاحتقان الدفين داخل النفوس، لم يدرك معنى هذه الاشارات الخطيرة في ظل هيجان تسونامي قادم من المغرب العربي بسرعة البرق إلى المشرق العربي، باحثاً عن فسحة سماوية يساهم في إخراج الشعوب العربية من العبودية وظلم وظلام الحكام إلى نور الحرية والحياة .

امتدت صيحة الحرية ضد الظلم والعبودية والقهر عبر المدى والأفق في فضاء الوطن الكبير من دمشق إلى درعا لتهتف عالياً “الكرامة ولا المذلة” ليطير صواب النظام الأمني القبيح مجدداً الذي لم يعتد سماع هذه المصطلحات، ويخرج كالوحش المسعور للانقضاض على أطفال أبرياء ليس ذنبهم إلا أنهم حلموا بهتافات وشعارات لا تخرج عن حرية التعبير الطفولي، ليرتكب بحقهم أبشع أنواع الذل والقتل والتنكيل (حمزة الخطيب)، متجاوزا كل وساطات العقلاء والحكماء في منع زج الدبابات والمدرعات والفرقة الرابعة والمخابرات الجوية ومشاركة جميع الفروع الأمنية من دون استثناء بحجة فرض سيادة الدولة والمحافظة على هيبتها أمام الشعب السوري.

فشلت كافة الجهود السلمية في حقن دماء أهالي درعا وسقطت أمام جبروت هذا النظام وعناده واستكباره وحماقاته الاجرامية، الأمر الذي دفع كرامة القبائل والعشائر في درعا إلى التحدي والخروج بشكل سلمي بحت للمطالبة بمحاسبة ومعاقبة المجرمين الذين هدروا دماء أبنائهم ورموزهم، لكنهم لم يدركوا ببساطتهم أبداً، أنهم قد تجاوزوا جميع الخطوط الحمراء في عيون النظام السوري الحادة، ليصبحوا فجأة عصابات إرهابية ومجموعة من القتلة والمجرمين والخارجين عن القانون وأدوات للتآمر مع أعداء الوطن والشعب. انطلقت المسيرات والهتافات والشعارات البيضاء من أمام المسجد العمري لتعلن انطلاقة الثورة السورية المطالبة بالتغيير ومحاسبة المجرمين ومحاربة الفساد والإصلاح الحقيقي للدولة والمجتمع وصولاً في نهاية سلمية الثورة إلى المطالبة بإسقاط النظام.

في هذه الأثناء تترقب الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها من حلفاء بحذر شديد، وتنتظر بفارغ الصبر وراء باب الحارة السورية ارتكاب النظام السوري المزيد من الحماقات والقتل والمجازر بحق الشعب، حيث يتعمق الخلاف بشكل أكبر ويمتد بسرعة إلى مناطق أخرى، ليشمل جميع أبناء الوطن الواحد بحيث يصعب من خلاله العودة إلى المصالحة والمسامحة بسهولة بين الطرفين، الصيد الثمين ويستحق التفكر والتأمل والتفكير والعمل بروية وهدوء، ولا داعي للتسرع والتدخل المباشر وحتى غير المباشر في هذه الفترة، لأن الضحية عمياء وقادمة بقدميها إلى مصيرها المحتوم من دون عناء، رتبت أمريكا جميع الأدوار لحلفائها الاقليميين بحرفية عالية ودقة شديدة في الأداء، وهيأت الكومبارس لاستقبال آخر الضيوف “الكبار” في المنطقة، دقت أجراس وصول موكب الغائب منذ زمن، لتعلن صعود الدخان الأبيض أخيراً بأن المنطقة باتت مساحة نفوذ لها ولن تتخلى عنها أبداً مهما كانت التضحيات ومعاناة الشعب السوري المسكين الأعزل، حان موعد طرد الغرباء والعمامات السوداء من المنطقة، ولا بد من إعادة ملامحها وتكوينها الجيوسياسي من جديد، بدأ وقت الحساب والعقاب، والبدء في كتابة السيناريو والإخراج وتقرير المصير، من دون أي كلفة مالية أو عسكرية أو أي خسائر بشرية أو سياسية لها ولحلفائها، كما حدث إبان احتلال العراق.

إن النظام السوري لم يدرك أن صموده في وجه التحديات الخارجية التي تعرض لها خلال الفترات السابقة كان باعتماده المطلق على جبهته الداخلية التي صمدت وصبرت على قراراته وخياراته السياسية والاقتصادية الخاطئة، ووفرت له الحماية والوقاية من أي تدخل خارجي للإطاحة به، لم يفهم أن صراعه اليوم مع شعبه وأنه يدفع ثمن ظلمه وبطشه واستبداده واستهتاره بأبسط حقوق شعبه المشروعة ومطالبه المحقة في المواطنة والحرية والعدالة والمساواة، لم يتعلم هذا النظام المتخلف عن ركاب المجتمع الدولي المتقدم حضارياً واجتماعياً واقتصادياً وعلمياً، من تجارب الآخرين وفقه حركة التاريخ وفلسفة ثورات الشعوب العظيمة ودوافعها، لم يتعلم الأبجديات الأساسية لمعاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يفهم أن الشعب السوري ولد حراً وسيبقى حراً رغم كل الظلم والقهر والاستعباد، لم يدرك قيمة شعبه وحاجته وتوقه للخروج من ذل العبودية وقهرها إلى رحاب فضاء الحياة الحرة الكريمة، ها هو النظام الفاسد المتمرد على كل الأخلاق والقيم النبيلة، ينهار بإرادته ونتيجة أخطائه القاتلة بين رحمة أذرع الأخطبوط الأمريكي من جهة، وشفقة شباك العنكبوت الاسرائيلي من جهة ثانية، ليذوق طعم الإذلال والاستجداء والخنوع والركوع أمام أعدائه، ينتظر كل يوم قدوم الترياق الأمريكي المناسب والدعم الروسي والإيراني اللازم لصموده وبقائه من أجل القيام بما تبقى من الوظائف والأدوار القذرة الموكلة إليه بحق الوطن والشعب.

لقد وقع النظام السوري وأوقع معه الوطن والشعب برمته بين مخالب أعدائه، يرسل الإشارات تلو الإشارات عبر الوسيط الروسي تارة، والخطابات والبيانات المختلفة تارة ثانية، بإقراره بشكل مباشر وغير مباشر بسيادة السيد الأمريكي في العالم والمنطقة، وإمكانية تعديل مساره السياسي وإعلان الندم والتوبة والغفران، وأنه على استعداد لفعل كل المحرمات والتنازل عن كل المقدسات والقيام بكافة الوظائف الأمريكية بدقة ، لكن أصحاب القرار الأمريكي في البيت الأبيض ما زالوا يمارسون نفس السياسة المخادعة مع النظام السوري والنفاق السياسي بحق الثورة السورية، حيث يمنحون الأسد كل الإشارات والمهل الزمنية اللازمة لارتكاب المزيد من القتل واستخدام القسوة والعنف والإجرام الوحشي بكافة الطرق والأساليب القمعية والمضي قدماً بدون رحمة ورأفة في تدمير كيان الوطن وقتل روح الشعب السوري بأبشع أنوع التعذيب والمجازر الجماعية البشعة التي يندى لها جبين البشرية والإنسانية، بحجة ملاحقة الارهاب وعناصر جبهة النصرة و”القاعدة في بلاد الشام”.

إن كل الجرائم الوحشية التي يرتكبها النظام السوري لم تقنع العم سام بتوبة نظام الأسد بعد، ولم تحقق الضمانة اللازمة بعدم عودته للعناد والمشاكسة، ولم يرتق إلى الحد المطلوب لدخوله مجددا إلى بيت الطاعة بما يضمن ويحقق التفوق الاسرائيلي في المنطقة لعقود طويلة قادمة، ولم يثبت بعد امكانيته بأن يكون وكيلاً مخلصاً وقادراً على حفظ الأمن والاستقرار بما يكفي لتنفيذ المهمات المطلوبة مقابل بقائه في الحكم والسلطة.

يدرك النظام السوري أن قرار بقائه في الحكم مرهون بقرار السيد الامريكي وهو لا يخشى أي أحد سوى قرار التدخل الأمريكي في سورية لأنه يعلم أنها النهاية، لذلك فهو ما زال يراهن على تبدل المزاج الأمريكي اتجاهه عسى أن ينال القبول والرضا مجدداً، والسيد الأمريكي حلو المزاج يعبث في الساحة السورية ويتاجر بدماء الشعب السوري بضمير مرتاح كما يحلو له، حيث يضع الوعود والشروط الهلامية الواحدة تلو الأخرى للمعارضة السورية التي تعيش على أمل قد لا يتحقق أبداً.

إن الشعب السوري المتألم لن ينسى الدور الأمريكي القذر في منح النظام السوري المجرم المزيد من الفرص والمهل للتفنن في طريقة قتله وتدمير وطنه، ومنع جميع الدول الراغبة في دعم الثورة السورية تقديم المساعدات اللازمة لإسقاط نظام الأسد ..ويتوجه إلى الضمير الانساني الحي والبشرية جمعاء مخاطباً ومتسائلاً ما هو الفرق في أن يموت على يد عصابات نظام الأسد المجرمة بالسكاكين وتقطيع الرؤوس والأوصال.. أو الموت بقصف الطائرات عبر البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية الحارقة.. أو أن يموت بقصف الصواريخ الباليستية بعيدة المدى تحت الركام والأنقاض.. أو أن يموت جراء قصف الدبابات والمدافع ليتحول إلى أشلاء.. أو أن يموت تحت التعذيب والتنكيل أو أن يموت من فقدان الدواء أو قلة الطعام والغذاء.. وبين أن يموت بالخطوط الأمريكية الحمراء المزيفة والوهمية “السلاح الكيماوي”؟

إن الأساليب متعددة، لكن النتيجة في جميع الأحوال واحدة ” العذاب والموت وفراق الأهل والأحبة ” لقد سقطت جميع الأقنعة القبيحة عن وجوه الجميع وبات اللعب مكشوفاً في الساحة السورية، لذا فإننا نتوجه إلى الشعب السوري العظيم وإلى المعارضة السورية الوطنية وإلى الثوار الحقيقيين أن ينهضوا ويتحدوا جميعاً على كلمة سواء في لعب دورهم الوطني والتاريخي في إسقاط هذا النظام الفاسد بعيدا عن الخلافات والانقسامات والمهاترات الداخلية، لأن المخططات والتحضيرات الأمريكية لا تبشر بالخير في سورية والمنطقة العربية، لذا لابد من الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية بالاعتماد على أنفسهم وامكانياتهم الذاتية والإيمان بقدرة الله في تحقيق أهدافهم في الحرية والنصر، لأنهم قادرون على تغيير مسار اللعبة الدولية وقلب جميع الحسابات والمعادلات والترتيبات الاقليمية إن توفرت الإرادة الحقيقية والنية الصادقة في تحرير وطنهم وإعادة بنائه والمحافظة على وحدته واستقلاله بعيداً عن الوعود الوهمية والاستلقاء في أحضان السياسة الدولية والإقليمية.

 كاتب وباحث سوري في ألمانيا

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية