هي مجرد مصادفة، لكن رؤساء حزب “الصهيونية الدينية” قرروا هذه السنة بأنه إحياء يوم القدس بالتقويم العبري غير كاف. أول أمس، وزعت منشورات تطلب من الجمهور إحياء الذكرى السنوية لنهاية حرب الأيام الستة وفق التقويم الميلادي، بمسيرة أعلام أخرى ستجري في البلدة القديمة الخميس المقبل.
في معظم أيام الأسبوع الماضي، كتب بأن الأزمة السياسية غير المسبوقة قد تشهد أيضاً توتراً أمنياً جديداً داخل مناطق الخط الأخضر وفي المناطق. الاستفزازات الجديدة من مدرسة بتسلئيل سموتريتش، على شاكلة مسيرة، تعزز هذا الشك. وأمس، أضيف إليه تحديث استثنائي جداً من رئيس “الشاباك”، نداف أرغمان، بتحذير من عنف سياسي قد يصل إلى درجة المس بحياة الناس، على خلفية الجهود المبذولة لتشكيل الحكومة.
إن التصميم على إجراء المسيرة في المرة السابقة، في 10 أيار الماضي، وفّر لحماس ذريعة لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة نحو منطقة القدس، وأشعل جولة قتال استمرت 11 يوماً وشملت رشقات شديدة نحو الجنوب والوسط. زعيم حماس في القطاع، يحيى السنوار، عاد الآن وهدد بأن حماس ستدافع عن المسجد الأقصى من اليهود. النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يبدو الآن وكأنه مشهد متواصل سبق رؤيته. لا تبذل الأطراف أي جهود للعثور على مبررات أصيلة لاستئناف التوتر.
السبب الحقيقي لإجراء المسيرة الجديدة هو -كما يفهم كل من له عينان- سبب سياسي. التصعيد السابق دفع نفتالي بينيت إلى الزاوية واضطره إلى الإعلان عن الانسحاب من المفاوضات الائتلافية مع يئير لبيد. وعندما توقف القتال استيقظ بينيت واستأنف الاتصالات، التي انتهت الأربعاء الماضي بإعلان مشترك لهما، وهو أنهما تمكنا من تشكيل الحكومة.
في الأيام العشرة القادمة، سيجري في الكنيست تصويت مصيري على منح الثقة للحكومة. وإعادة إشعال المنطقة في القدس هو طريقة مجربة لزرع الفوضى والإحراج في أوساط أجزاء الائتلاف الغريب جداً. قد يكون توقيت المسيرة حاسماً. وقدرت الشرطة بأنها ستسمح بإجراء المسيرة هذه المرة أيضاً مع تغييرات معينة في مسارها لتقليص الاحتكاك المحتمل مع الفلسطينيين في شرقي المدينة. جرى نقاش تمهيدي لدى وزير الدفاع، بني غانتس، بمشاركة رؤساء أذرع الأمن. وأعلن غانتس بأنه سيطالب بعدم إجراء المسيرة في هذا الأسبوع بذريعة أن “هذا يحتاج إلى جهود أمنية خاصة، وقد يمس بالنظام العام والعملية السياسية”.
ما زالت في الخلفية نقاط توتر أخرى في المدينة، فمن شأن المستشار القانوني للحكومة أن يقدم موقفه لمحكمة العدل العليا في الخلاف حول نية إخلاء عائلات فلسطينية من بيوتها في حي الشيخ جراح شرقي القدس. وجرت أول أمس مظاهرة على خلفية نزاع مشابه في قرية سلوان، قرب سور البلدة القديمة.
السنوار وحماس لا يعملون في فضاء فارغ في كل ما يتعلق بقطاع غزة. ومنذ يومين، يتم الشعور بزيادة التوتر في القطاع على الطريقة الضبابية التي أوقف فيها القتال هناك. اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة مصر لم يشمل سوى تعهد من إسرائيل وحماس بـ”الهدوء مقابل الهدوء”. وتطالب حماس الآن بأن يتم إدخال الإرسالية الشهرية القطرية البالغة 30 مليون دولار في حقائب إلى القطاع. ولكن إسرائيل تريد استغلال العملية الأخيرة لتغيير قواعد اللعب وإدخال الأموال بواسطة السلطة الفلسطينية فقط، وهو الطلب الذي تعارضه حماس.
في الوقت نفسه، هناك محاولة إسرائيلية جديدة لاشتراط تحويل الأموال، بالأساس نشاطات إعادة إصلاح الأضرار التي تسببت بها العملية الأخيرة في القطاع، وبحل مشكلة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في القطاع. حماس مستعدة للدفع قدماً بالمفاوضات، لكنها ما زالت تطرح طلبات باهظة الثمن، منها إطلاق سراح عدد كبير من السجناء الفلسطينيين من بينهم شخصيات كبيرة، التي ستجد إسرائيل صعوبة في الاستجابة لها.
تحذير أرغمان
إن تصريح أرغمان أمس، تضمن تحذيراً شديداً من زيادة تطرف النقاش السياسي، لا سيما في الشبكات الاجتماعية. وحذر أرغمان من أن “هذا الخطاب قد يفسر في أوساط مجموعات معينة أو أفراد وكأنه يسمح بأعمال عنيفة وغير قانونية يمكن -لا سمح الله- أن تصل إلى درجة المس بالأرواح”. وُجهت أقوال أرغمان بالأساس إلى التحريض المتطرف إلى درجة أقوال هستيرية ضد بينيت وأعضاء حزب “يمينا” منذ أن قرروا الانضمام لحكومة التغيير. بدأ “الشاباك” بحماية بينيت من الخميس الماضي، في حين أن حرس الكنسيت وضع الحراسة على عضوة الكنيست اييلت شكيد.
إن أرغمان، الذي تم تمديد فترة عمله من قبل رئيس الحكومة نتنياهو في الشهر الماضي لبضعة أشهر، يعرف تاريخ جهازه جيداً. فهو يتذكر بأنه قبل بضعة أسابيع على قتل رئيس الحكومة السابق إسحق رابين، جمع رئيس الجهاز في حينه، كرمي غيلون (الذي اضطر إلى تقديم الاستقالة في أعقاب عملية القتل)، عدداً من كبار المحللين في وسائل الأعلام، وقال لهم بأنه يخشى من محاولات لاغتيال رابين.
أقواله أمس توازي ذاك التحذير، وفي هذه الحالة هي موجهة أولاً وقبل كل شيء إلى أذن نتنياهو نفسه، الذي يجري جزء من التحريض بمباركة من أبناء عائلته. الشعور بالاستعجال الذي أظهره أرغمان تم توضيحه بعد فترة قصيرة عندما أصدر حاخامات “الصهيونية الدينية” موقفاً يدعو لفعل كل شيء لمنع تشكيل الحكومة. حتى هذا الصباح، لم يكلف رئيس الحكومة نفسه عناء الرد على أقوال رئيس “الشاباك” الشديدة.
إضافة إلى هذه الأحداث، لا يجب تجاهل حقيقة أن الهدوء غاب عن المدن العربية في إسرائيل، فالأجواء في يافا وعكا واللد والرملة وفي مدن مختلطة أخرى، بقيت متوترة. يأتي مئات اليهود في كل نهاية أسبوع لتعزيز الأنوية التوراتية في عدد من تلك المدن، الأمر الذي يثير استياء الجيران العرب. ويزداد الغضب في أوساط الجمهور العربي بسبب الاعتقالات الكثيرة التي قامت بها الشرطة عقب أعمال الشغب (أكثر من 2100 معتقل، من بينهم 92 في المئة من العرب). وهناك قلق كبير في أعقاب ازدياد خطورة الوضع الاقتصادي، وفي عدد من المدن العربية يبلغون عن انخفاض 80 في المئة تقريباً في المداخيل في فروع التجارة والمطاعم والكراجات، لأن اليهود توقفوا عن زيارتها.
حتى لو مر هذا الأسبوع ومرت المسيرة المتوقع إجراؤها بسلام، فهذا يعطي لمحة كما هو متوقع من حكومة بينيت – لبيد إذا تم تشكيلها. والمعارضة في أوساط اليمين وأوساط الفلسطينيين سيواصلون تحدي الحكومة بصورة ثابتة على افتراض أنها حكومة غير مستقرة وغير مجربة، وأن أي توتر عسكري يمكن أن يهزها ويضع استمرار وجودها محل تساؤل.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 6/6/2021
*