السياسة الامريكية: المصالح الأنانية الضيقة وليس الديمقراطية

حجم الخط
0

السياسة الامريكية: المصالح الأنانية الضيقة وليس الديمقراطية

د. نسرين مرادالسياسة الامريكية: المصالح الأنانية الضيقة وليس الديمقراطية بالذات منذ ظهورها علي خشبة المسرح الدولي بشكل باهر ومتميز عقب نجاح تجربتها في صنع القنبلة النووية الأولي في الثلاثينات من القرن الماضي عرفت الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية مع الأمم الأخري بحرصها علي إعطاء حق الأولوية شبه المطلق لمصالحها الأنانية. بشكل ملفت للنظر، لا تكترث السياسة الأمريكية لأية مبادئ إنسانية أو اجتماعية أو فكرية أو عقائدية عند الغير إذا ما تعارض أمر القضية المطروحة مع تلك المصالح؛ حتي عندما انفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم كقطب أوحد بعد زوال الاتحاد السوفييتي. أعظم تلك المصالح أو المصادر الحيوية للولايات المتحدة علي الإطلاق موجودة بشكل شبه كامل خارج حدود الولايات المتحدة نفسها، النفط الذي يمثل مصدر الطاقة الرئيسي في حياة وازدهار وعظمة وتطور وتقدم البلاد، فيما مضي والآن وفي المستقبل المنظور. هذا إذا ما استثنينا الطاقة النووية ذات الاستعمال الضيق والمكلِف والخطر علي البيئة، إلي جانب الطاقة الشمسية والطاقة المستمدة من الرياح واللتين لا تزالان في مرحلتيهما البدائية والمكلِفة والمحدودة. في الأراضي الأمريكية يوجد احتياطي نفطي يزيد قليلاً علي نصف المليار برميل وهو ما يكفي للمصروفات الأمريكية من البترول لمدة شهر واحد تقريباً إذا ما افترضنا أن المصروف اليومي الأمريكي من النفط يقارب العشرين مليون برميل. ولنفترض لهدف الجدل والنقاش، وليس من باب التمني هنا، أن الولايات المتحدة ستتعرض لسيناريو حظر أو تعطيل إمداد نفطي دولي شامل أو شبه كامل لسبب أو لآخر. هذا السيناريو إن يقع فسيُحدث الحظر الافتراضي شللاً أو عطلاً في معظم مفاصل الحياة الأمريكية التقليدية والحديثة ابتداءً من عمل الجرار الزراعي في الحقل أو المزرعة والسيارة الخصوصية في الشارع وانتهاءً باستمرارية عمل مصاعد كهرباء ناطحات السحاب في المدن الرئيسية وإبحار السفن وحاملات الطائرات في البحر وإقلاع المركبات الفضائية إلي الفضاء الخارجي. خلال أقل من شهر ستصبح الإدارة الأمريكية عاجزة عن دفع رواتب الموظفين والمستخدمين لديها في حال أكثر مرارة مما يحدث الآن في قطاع غزة والضفة الغربية من قبل السلطة الفلسطينية، التي تفرض إسرائيل والإدارة الأمريكية حصاراً محكماً عليها بهدف إسقاط حكومتها المنتخبة ديمقراطياً حقيقياً. ستحدث انهيارات خطيرة وسريعة في كافة الاتجاهات وفي عموم القوة الأمريكية الجبارة مما يجعلها غير قادرة حتي علي حماية حدودها الجنوبية من تسلل موجات العمال والمهاجرين غير الشرعيين من المكسيك ودول أمريكا اللاتينية والذين يعتقدون أن الولايات الجنوبية الأمريكية مثل تكساس ونيفادا ولويزيانا ومكسيكو الجديدة وجنوب كاليفورنيا هي في الأصل أراض اسبانية أو مكسيكية. ومن يضمن تماسك بقية كتل المجتمع الأمريكي من مختلف أطياف اللون والعرق واللغة والسحنة والعقيدة؟ بطريقة أخري فإن الاقتصاد الأمريكي العملاق وبالرغم من قوته الجبارة إلا أنه جدُّ متطفل علي ثروات ومقدرات تقع خارج حدود الولايات المتحدة بشكل ملفت للنظر؛ في هذا الصدد كيف يمكن تخيل حال المؤسسات الأمريكية العامة والخاصة العملاقة في حال توقّفَ أو شحَّ الدعم المادي والحيوي عنها! ربما ما حدث للاتحاد السوفييتي عند اندثار قوته الاقتصادية ومن ثم السياسية والعسكرية يمكن تكراره بسهولة غير متوقعة لدي القطب الدولي الآخر المسيطِر حالياً، الأمريكي في هذه الحالة. لا يخفي علي عقل أحد أن أكثر الدول خشية بل حساسيةً لنجاح الديمقراطيات الحقيقية في العالم عامة وفي الشرق الأوسط خاصة هي الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلفها بقية دول الاستعمار القديم. في مختلف أرجاء العالم أقامت الإدارات الأمريكية المتعاقبة نظماً دكتاتورية حكمت بالحديد والنار والإرهاب الكثير من الشعوب المتخلفة والضعيفة ونصّبت عليها أصناماً قامت الإدارات الأمريكية نفسها بعبادتها وعلي مدي عقود من الزمن! حتي إذا ما صحت تلك الشعوب وشعرت الإدارة الأمريكية أنه لا مناص من التخلي عن هؤلاء الأصنام المؤلَّهة لتتركهم لمصائرهم غير المشرِّفة أو المحبذة واصفة إياهم بالأنظمة الدكتاتورية الفاسدة بعد نقل أموالهم إلي البنوك الأمريكية، تماماً مثلما كان يفعل عرب الجاهلية في عبادتهم لآلهتهم من الأصنام المصنوعة من التمر عندما يشعرون بالجوع أمام أعينها … كانوا يأكلونها. إذا ما نشأت ديمقراطية حقيقية معززة مكرمة في المنطقة فإن ذلك يمثل تهديداً مباشراً لمصالح أمريكا الجدُّ حيوية؛ إذ ستحترم تلك النظم الديمقراطية نفسها وترعي مصالح الأوطان وأبناء الأوطان. في خيال الإدارة الأمريكية سيُحدث ذلك التغير الديمقراطي الحقيقي مساساً بتدفق الطاقة وعائداتها بشكلها الحالي المتفرّد علي الأسواق والبنوك الأمريكية، علي التوالي؛ وستبدأ المنطقة بالنمو اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً وهناك احتمال أن تجد المنطقة أخيراً من يوحدها كقوة عظمي.وكمثال صارخ ساطع علي ما سبق فإنه عند إعلانها في 15 ايار (مايو) 1948 فرحت الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت كثيراً بقيام دولة إسرائيل رسمياً كجسم قابل للاستخدام ضد طموحات شعوب المنطقة العربية. يقال انه تأخرت برقية خبر إعلان دولة إسرائيل عن موعد وصولها المحدد إلي نيويورك بسبب خطأ فني فما كان من الإدارة الأمريكية إلا أن أعلنت اعترافها بإسرائيل ولم تتريث حتي تصل البرقية للتأكد من صحة الخبر، ربما كان الفرق في الوقت يحسب بالدقائق. فيما بعد وضعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة كل ما بوسعها للحفاظ علي أمن إسرائيل الاقتصادي والعسكري والاجتماعي وجعلها كياناً سياسياً فاعلاً بقوة ومسيطراً بالنيران! علي مجمل المنطقة من حولها. المتتبع لتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي يجد أن وجود إسرائيل يؤخّر كثيراً في نزوح دول المنطقة تجاه استحداث تغييرات في أنظمة الحكم تؤدي في نهاية الأمر إلي قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية في العالم العربي. هذه الحقيقة ربما هي التي تجعل جل أعضاء الكونغرس يقفون علي أقدامهم منتصبين في موجات تصفيق حادة عاصفة عشرات المرات عند إلقاء أحد زعماء إسرائيل من أمثال أرييل شارون وخليفته إيهود أولمرت خطاباً علي مسامعهم، مهما تكن كلمات تلك الخطب متطرفة في الفكر وتنضح بالأكاذيب؛ وعلي الرغم من سجل الرجلين الإجرامي في مجال حقوق الإنسان الفلسطيني في فلسطين والشتات. لسبب ضيق الأفق السياسي لدي أعضاء الكونغرس هؤلاء أو لوقوعهم ضحية إعلام موجه يقتنع هؤلاء أن بقاء إسرائيل في قمة الغطرسة والعربدة هو خير ضمان لمصالح الولايات المتحدة الحيوية في المنطقة. لضمان مصالح أمريكا الحيوية علي المنطقة العربية أن تظل بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية وأن تبقي غارقة في بحور الجهل والتخلف والفساد. هذا ما يفسر كذلك عدم بخل الإدارة الأمريكية في استخدام حقها كقوة عظمي في الفيتو لتجنب حتي خدش حياء دولة إسرائيل في ممارساتها العدوانية الصارخة في المنطقة كلها. حتي في نظرتها لتطبيق السلام في المنطقة ولإرضاء الديمقراطية الإسرائيلية تريد الإدارة الأمريكية من الفلسطينيين أن يعودوا تاريخياً وجغرافياً وفكرياً ومعنوياً ونفسياً آلاف السنين إلي الوراء ويقتنعوا بتصورات حاخامات حركة كاخ العنصرية الصهيونية المتطرفة عن عهد النبيين موسي وسليمان، عليهما السلام، لكن الإدارة الأمريكية نفسها علي استعداد أن تتعامل مع القضايا الأخري حسب الواقع الحالي والمستقبلي وبشكل غاية في الحداثة واللبرالية! في هذه الآونة تزعم الإدارة الأمريكية أنها ماضية في إنشاء نظم ديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط الكبير يتم تفصيلها حسب مصالح الولايات المتحدة، تدعمها بالمال والسلاح والسياسة والإعلام الموجه بكافة أشكاله. علي هذا الدرب تتصرف الإدارة الأمريكية كما لو كان العالم يعيش في غابة حقيقية. فهي مثلاً تهاجم وتحتل العراق الذي يحتوي احتياطياً نفطياً يغطي لوحده مصروفات الولايات المتحدة النفطية لعشرات السنين القادمة؛ هذا بالإضافة إلي بحار النفط الجوفية المتوفرة في الدول المجاورة للعراق، الصديقة منها والمعادية. علي المرء أن لا يُذهَل أو يستغرب من تصرفات عناصر من صفوة سلاح البحرية الأمريكية مثلاً عندما يوجهون أسلحتهم الفتاكة لقتل الإنسان العراقي المدني المسالم البريء. لا غرابة علي الإطلاق في أن يقوم الجيش الأمريكي بأعمال استفزازية وإجرامية يندي لها جبين الإنسانية وأن يلعب الإعلام الأمريكي علي أكثر الأوتار حساسية ودموية في العراق حين ينثر الطائفية والمذهبية والعنصرية بين أفراد الشعب الواحد، بناء علي شكل عمامة رجل الدين وطريقة اعتناء العراقي بشواربه أو طريقة لبسه الكوفية والحطة والعقال علي رأسه، وغير ذلك القليل. إن مرد ذلك كله هو الخوف الأمريكي الحقيقي علي مستقبل الولايات المتحدة، داخلياً وعلي المسرح الدولي، من ضياع مصادر الطاقة في المنطقة من بين أيديهم. من أجل كسب النفط لا مانع أن تضحي الإدارة الأمريكية بالعراقيين ووطنهم ومستقبلهم وحضارتهم وتاريخهم وطريقة تعايشهم الفريدة من نوعها. كذلك لا تتردد الإدارة الأمريكية في استعمال جبروت الولايات المتحدة العسكري لإرهاب المنطقة بأكملها بالأسلحة التقليدية وغير التقليدية.لكنَّ علي الإدارة الأمريكية أن تقرأ تاريخ الإمبراطوريات جيداً وأن لا تعتقد أن الولايات المتحدة محصنة ضد الاضمحلال والأفول، كونها بعيدة جغرافياً عن ما يجري لشعوب العالم القديم ومغلّفة بين ساحلي محيطين مائيين عميقين وشاسعين واسعين. هنالك مثل عند الدارسين للتاريخ يقول بأن من لم يتعلم التاريخ جيداً عليه أن يجربه بنفسه . الحكمة التاريخية العامة كذلك تقول انه لم تعش للظلم دولة ، حكمة خرجت من بين أقوام قارات العالم القديم ولكنها حتماً تنسحب علي أقوام قارات العالم الجديد أيضاً.جامعة الإمارات العربية المتحدة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية