السياسة الخارجية الاردنية: الأردن والأردنيون أكبر من هروبكم الرسمي

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي في البداية نؤكد على إحترام كل وجهات النظر بشأن كيفية تعامل كل المحلليين الأردنيين مع المسألة السورية ولا نشكك في نوايا أحد، سواء أكانت أراءهم مع أو ضد تدخل أردني أكثر فاعلية في الإطاحة بنظام ‘الأسد’. ولكن وبلا شك فأننا فعلاً متعجبون من كيفيّة أن لا تكون قضية نصرة الأهل السوريين وحقهم المطلق في إختيار نظامهم السياسي هي القضية الأولى. فهذه الأنظمة العربية لم تنزل من السماء بل هي وليدة ونتاج لحالة الفرقة والشرذمة وهذا التخاذل المريب في بناء مؤسسات هيكلية عربية سياسية واقتصادية وحتى عسكرية تنظر ولو بشكل مبدئي تدريجي في القضايا العربية العامة كما يحدث مثلاً في الاتحاد الاوروبي حيث هنالك تقارب تدريجي على مدار العقود الماضية في العديد من المسائل الاقتصادية والسياسية وبنية تحتية معقدة من المؤسسات القانونية والتي تُعنى بالشأن الأوروبي الموّحد وفي العديد من القضايا الهامة.

من حق البعض في الأردن ان يرى المسألة من وجهة نظر ‘الريال بوليتيك’ وكأن العرب ليسوا أكثر من أيتام قدرهم أن يكونوا محرومين من هوية وجوديّة جامعة ليست عُرضة للتلاعب والتحايل من قبل أنظمة عربية عبثية. ولكن هل فعلاً أننا في الأردن وبعد ما يقارب من مئة عام من الدولة الحديثة نريد أن نكون بلا هوية خارجية واضحة المعالم في جزء من العالم عُرِف بالتقلبات اليومية والموسمية؟ فأين هي هويتنا الخارجية الواضحة والتي نُعرف بها في المنطقة والعالم؟ فنحن نرفض أن تكون هويتنا الخارجية كمسهلي حوار أو سماسرة صفقات أو ملطفي أجواء. فهل دور عمان العربية هو تيسير الاجتماعات بين عباس وزعماء المعارضة الاسرائيلية بدلا من إضاعة الوقت الثمين في عملية السلام العبثية؟ نحن في الاردن بحاجة إلى نظرة فاحصة وعميقة في جبهتنا الداخلية، والتركيز على ذلك أكثر من أي وقت مضى من أجل بناء اللحمة والهوية الوطنية. وبدلاً من ان تكون لنا سياسة خارجية واضحة في الشأن الفلسطيني ونفوذ شعبي في الضفة الغربية وعلاقة مباشرة مع المواطنين الذين يقاومون الإحتلال على مدار يومي سواء رضي من يرضى أو غضب من يغضب، خلقنا علاقات عمل وشراكة مع رموز الفساد فيما يسمى بالسلطة ‘الوطنية’ الفلسطينية والتي هي في نظر الكثيرين منا ليست أكثر من أفراد تنفعوا واسترزقوا على حساب الشعب الفلسطيني، فأين هي إنجازات هذه السلطة بعد ما يقرب من 20 عاما منذ بداية أوسلو في عملية سلام بلا جدوى، حيث الاستيطان الاسرائيلي لم يتوقف؟ أين هي المؤسسات الديمقراطية في البنية التحتية الفلسطينية؟ أين هي أنظمة الحكم المتطورة؟ أين هي أعلى المعايير الدولية في الكفاءة والشفافية والمساءلة الكاملة؟ أين هي السلطة القضائية المستقلة؟ هل التعاون الأمني مع إسرائيل الصهيونية وتقبيل زعمائها هو كل ما نحتاج؟

وبقدرة قادر حولنا دورنا الأردني الهاشمي العروبي الكبير ليس لأكثر من مزودي التدريب الأمني لعناصر قوات هذه السلطة تمشياً مع الرغبات الامريكية والتي هي في أكثرها متناقضة وخالية من أي مضمون على المدى المتوسط والبعيد. وبكل انهزامية وتخاذل استسلم كثيرون في الاردن لطرح ما يسمى ‘بالوطن البديل’ ورأوا ان هنالك مصلحة أمنية أردنية عليا بدعم هذه السلطة لأنها ‘المنقذ’ من هذه الطروحات. وبكل أسف لم نسأل أنفسنا ولو للحظة من هو نتانياهو و غيره حتى يفرضوا علينا في الأردن أن ندخل في هذا الهراء وهذه الانهزامية؟ فسلاح محاربتهم يكمن في دعم مواطني الداخل وتوعيتهم بدورهم الوطني المطلوب وفتح جسور الحوار الوطني الكامل حتى يكون الكل على أهبة الاستعداد. فمن هو نتانياهو حتى ‘يخشى’ على سقوط النظام في الأردن؟ ولعلنا نطمئنه ونقول له بأن هذا ليس أردن الفساد أو التوارث الهزيل وأن المساءلة الشعبية ضد كل الذين استفادوا بطريقة غير شرعية سوف تطهر جميع المفاهيم الخاطئة عن هذا البلد العظيم.

بالإضافة إلى ذلك، كيف ولماذا لا نأخذ مسألة احترام المواطن الأردني وكرامته الوطنية عند التعامل مع مسألة الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي؟ نحن نقدر جميع أخواننا في دول مجلس التعاون الذين دعموا الاردن في نضاله الوطني والاقتصادي. ولكن وبلا شك فأن الطريقة التي قدمت الاردن على انه حريص جدا للانضمام الى نادي الأغنياء قد أساءت لشخصيتنا الوطنية وسمعتنا في المنطقة فلماذا لم يكن هناك نقاش وطني حول هذا الموضوع؟ ولماذا تعاملت وزارة الخارجية الأردنية معها بطريقة مغلقة؟ نؤكد هنا أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الأردني يبدأ من تدابير للمساءلة الصارمة وسجن كبار المسؤولين الذين عبثوا بالأموال العامة، واستعادة كل ما سرق إلى الخزينة الأردنية.

يجب أن يكون لنا في الأردن هوية خارجية واضحة المعالم وخطوط حمراء أولها حماية كرامة وحقوق المواطن العربي وإلا فإنها أموال ملوثة بدماء الارامل والايتام والامهات الثكلى تلك التي نقبضها في الاردن من جراء تفضيل المكاسب الإقتصادية والتي هي أصلاً بيد المتنفعين والحيتان، فهذا هو الشعب الأردني الأبيّ يقول كلمته نصرة لأهله في سورية ليلا نهارا بأنه لن يكون مع الطاغية.

فعندما تكون سياستنا الخارجية الأردنية أشبه بسياسة الرقص على الحبال ففيها الظلم الكبير للأردني الذي عنوانه الشهامة والمصداقية والنخوة فمن حق هذا الأردني أن تكون سياسة دولته الخارجية تعبيرعن طموحه ورؤيته وشخصيته الوطنية. فنحن في الأردن نؤمن بعروى الصداقة مع الولايات المتحدة ولكن هذا لا يعني مطلقاً أن لا تكون لنا هويتنا الوطنية الخارجية الواضحة المعالم والتي تلاقي إنعكاساً مباشراً وحزماً وتأكيداً على دورنا الاساسي والمحوري في هذه اللحظات، ليس كسماسرة صفقات بل كلاعبين أساسيين ومحوريين لنا مصالح حيوية هامة فيما يحدث بالضفة الغربية ولنا مصالح رئيسية فيما يحدث مع الأهل في سورية. وعليه فأنه يتوجب علينا في الاردن أن ننظر في المسألة السورية من الناحية الأهم وهي مسألة حقوق الأهل في سورية، وبكل ثقة فإننا نقول لوزير الخارجية في النظام السوري نعم إن المسألة (قرضة ودين) ولكنها قرضة بين الشعوب والأهالي العربية الشقيقة وليس لتآمرات وسمسرة الحكام وجلاديهم. أما بالنسبة لقضية التخويف بتحالف أجهزة الاستخبارات الايرانية والسورية العسكرية ضدنا فهذا الكلام يعجز أن يفهم سيكولوجية الأردني والذي لا يقبل التهديد أو التخويف. ولنقلها وبكل شجاعة بأننا كأردنيين لن ترهبنا كل استخبارات ومؤامرات العالم ولن تغرينا كل الأموال على أن نضحي أو أن نبيع قطرة دم واحدة لطفل عربي سوري ينظر لنا نظرة المستبشر والمتأمل، أن هنالك في وطننا العربي الكبير رجال ما زالوا مترفعين عن كل ضيم ومصلحة خاصة. ونقول لهذا الطفل وآلاف الأبناء في سورية الشقيقة نحن في الأردن الشعبي لا ولن نهادن هذه الحقوق ولن نختار الألفاظ الدبلوماسية رغماً عن مصالح السماسرة والتّجار. فهذا هو القذافي مدلل امريكا وبائع أسرار جيشه جيفة متعفنة في حفرة مجهولة.

ونقول ‘للمعلم’ ولرئيسه بشار وماهر وآصف شوكت هذا هو قرضكم منا نحن الاردنيين وهذا هو تهديدكم مردود عليكم وعلى كل ما ورائكم من آليات استخباراتية عسكرية وغيرها من أدوات القمع من كل الاردنيين الشرفاء الذين بكل ثقة وإقتدار يمدون أياديهم لكل أشقائهم في سورية البطولة. ونقول لهم جميعاً بأن شعبنا في الاردن بوحدته الوطنية وحذر وحيطة أجهزتنا الأمنية أقوى من حجم المؤامرات والتخويف.’ محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدجو المحاضر السابق غير المتفرغ في القانون الدولي العام في مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية