واشنطن ـ «القدس العربي»: السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ستتغير مع رئاسة جو بايدن، بعد سنوات من نهج “إسرائيل أولاً” الذي نفذه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، الذي أشاروا، أيضاً، إلى أن طموحات وزير الخارجية القادم، انتوني بلينكين، بتنفيذ سياسة “عمل أقل في الشرق الأوسط وليس أكثر” قد لا تكون سهلة المنال بسبب التقلبات الحادة في المنطقة، حيث تتآمر الظروف على التمنيات.
وتوقع دبلوماسيون من دول حليفة وشريكة للولايات المتحدة أن إدارة بايدن ستغير حتماً من لهجة الاستجابة الأمريكية لتحديات الشرق الأوسط، وهذا يشمل الموقف من الفلسطينيين. وقالوا إن بايدن لن يُظهر نفس “التسامح” مع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير الشرعي مثل سلفه، ولن يؤيد ضم إسرائيلي أحادي الجانب للأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال.
وأكد محللون أمريكيون أن إدارة بايدن الديمقراطية ستعود إلى صيغة حل الدولتين في مقاربتها لصنع السلام في الشرق الأوسط، وهي صياغة تم تهميشها بشكل كامل خلال إدارة ترامب، وأشاروا إلى أن التحولات في السياسة الأمريكية نحو المنطقة ستكون أقل إيديولوجية وأكثر تركيزاً على ما يمكن وصفه بالمبادئ الأساسية.
وستشمل هذه المبادئ تركيزاً أكبر على حقوق الإنسان، وهذه ليست بشرى سارة للدول والكيانات المستبدة، بما في ذلك كيان الاحتلال الإسرائيلي، ويمكن أن نتوقع أيضاً من إدارة بايدن ان تتبنى وجهة نظر غير متسامحة مع تدخلات الدول الأخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك التدخل الروسي في سوريا وتركيا.
وقد ضغط ترامب خلال رئاسته على عقد اتفاقيات بين بعض الدول العربية وكيان الاحتلال الإسرائيلي، ورحب بايدن بهذه الاتفاقيات، ووصفها بأنها “خطوة تاريخية” ولكنه أضاف تحذيراً بشأن محنة الفلسطينيين.
واستنتج العديد من المحللين الأمريكيين أن بعض دول الخليج غير متأكدة من التزامات الولايات المتحدة الإقليمية طويلة الأجل، وأنها تحاول البحث عن طرق لتعزيز أمنها، وقالوا إن هذا الأمر هو من أحد الأشياء التي كان يأملون بتحقيقها من خلال التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من خطأ هذه النظرية المخادعة نوعا ما.
وقال بايدن في حديث لإذاعة صوت أمريكا خلال حملته الرئاسية في ايلول/سبتمبر: “أعتقد أن على إسرائيل أن تكون مستعدة للعمل من أجل حل حقيقي يقوم على دولتين” وأشار بيان للحملة الانتخابية لبايدن إلى الرغبة في الانتقال من المحادثات الهادئة مع إسرائيل إلى خطوات أكثر جرأة نحو التطبيع، ولكن الخبراء يتوقعون أن قطار الدفع باتجاه التطبيع لن يكون بنفس المستوى من السرعة.
وقالت ناتاشا هول، وهي خبيرة في برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن مسألة التطبيع، لن تكون من أولويات بايدن بنفس طريقة ترامب.
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة
وأشار بايدن إلى أنه لن يتراجع عن قرارات سلفه تجاه إسرائيل، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة والاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان.
وأشار المحللون الأمريكيون إلى أن موسكو وأنقرة تعدان الآن من أهم اللاعبين في منطقة الشرق الأوسط، ومن منطقة الخليج إلى شمال أفريقيا.
وبالنسبة لإيران، فقد أوضح بايدن أن من بين أولويات سياسته الخارجية في وقت مبكر هو إعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقعته الولايات المتحدة في عام 2015 إضافة إلى أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي وإيران.
وكان الاتفاق على الحد من امتلاك إيران لقدرات نووية تتويجاً لإنجاز السياسة الخارجية لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما.
وقد تخلى ترامب عن خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي) بشكل غير مسؤول في عام 2018 ومن جهته قال بايدن في مقال نشرته شبكة “سي إن إن” إن الولايات المتحدة ستعود إلى الاتفاقية كنقطة انطلاق لمفاوضات المتابعة إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم للاتفاق النووي.
وفي هذه العملية، سترفع الولايات عقوبات النفط المعوقة التي وضعتها إدارة ترامب، والتي ألحقت ضرراً كبيراً في الاقتصاد الإيراني، وذكر بعض الخبراء أن الجدل حول الانضمام إلى خطة العمل المشتركة من دون تنازلات من إيران قد يكون محفوفاً بالمخاطر.
وتوقع محللون أمريكيون أن تتعرض إدارة بايدن لضغوط كبيرة لإعادة التفاوض على جوانب من خطة العمل المشتركة بعد العودة، وسيشمل ذلك تمديد المهلة الأصلية البالغة 15 عاماً على قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي.
ومن المتوقع أن يضغط الفريق الأمريكي المفاوض على إيران للتراجع عن دعمها للوكلاء الإقليميين في لبنان وسوريا والعراق واليمن، كما ستسعى واشنطن أيضاً إلى كبح صادرات من الصواريخ الموجهة بدقة إلى الحلفاء في المنطقة وخارجها.
وقالت طهران إن هذه القضايا لن تكون مطروحة على الطاولة في حالة إعادة المفاوضات بشأن خطة العمل المشتركة. وحسب العديد من المحللين، فإن هذه الأمور معقدة للغاية، وما هو منطقي هو المؤشرات على أن إدارة بايدن ستسعى لإشراك الأطراف المهتمة الأخرى في خطة العمل المشتركة المعاد التفاوض بشأنها.
وكان فريق السياسة الخارجية في إدارة بايدن قد تحدث عن إضافة لاعبين إقليميين في منطقة الخليج العربي، وهذا من شأنه أن يساعد بالتأكيد في معالجة مخاوف الانتشار النووي.
مخاطر سباق تسلح نووي
في الشرق الأوسط
وفي مقابلة حديثة مع صحيفة “نيويورك تايمز” حذر بايدن من مخاطر سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط يضم مصر والسعودية وتركيا في حالة حصول إيران على قدرة نووية متفجرة.
ولاحظ محللون أن إعادة الثقة بين طهران وواشنطن قد تكون صعبة للغاية بدون نوع من المفاوضات عبر القنوات الخلفية، أو حتى إشارة رمزية من التعويض عما حدث مع العقوبات، وقالوا إن العودة إلى الاتفاق النووي تمثل إشكالية بالفعل في ظل المشهد السياسي الحالي مع خوض المزيد من المرشحين المتشددين في الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/يونيو.
من المرجح أن يحاول بايدن تغيير لهجة وتركيز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولكن باستثناء بعض مبيعات الأسلحة والدعم الأمريكي لبعض السياسات الخارجية المتعلقة ببعض دول الخليج، لم يشر الرئيس المنتخب إلى أنه سيحاول التراجع عن معظم التغييرات التي أحدثها ترامب، وهناك ادراك جديد في واشنطن بأن الشرق الاوسط الذي كان يعرفه كنائب للرئيس السابق أوباما وسيناتور كثير السفر، ليس هو نفس الشرق الأوسط بعد ولاية ترامب.
وحتى فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، فإن الجزء الكبير من سياسة بايدن سيكون حول محاولة إعادة تأهيل الصفقة واستبدالها، على الرغم من وجود مؤشرات قليلة على أن إيران ستمضي قدماً أو أنه يمكن التغلب على معارضة كيان الاحتلال الإسرائيلي لمثل هذه الدبلوماسية.
وبالنسبة للعراق، هنالك اعتقاد بأن البلاد ستحظى باهتمام جيد من البيت الأبيض أثناء ولاية بايدن، الذي لديه تاريخ طويل مع قادة بغداد وسجل مثير للجدل منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي، حيث صوت بايدن كرئيس لمجلس الشيوخ الأمريكي في عام 2002 لصالح قرار أدى إلى الغزو الأمريكي للعراق، كما شغل منصب نائب أوباما، ولعب دوراً رئيسياً في سحب 150 ألف جندي أمريكي من البلاد في عام 2011.
وقد تعهد بايدن بإعادة القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، ولم يتبق سوى عدد قليل من قوات مكافحة الإرهاب، ومع ذلك، فإن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق غير مرجح، وقال محللون إن من المقرر أن تبقى القوات المشاركة في التحالف تحت إدارة بايدن.
وتناول بعض الخبراء الشأن الليبي بتركيز خاص عند الحديث عن سياسة بايدن الخارجية، وقالوا إن المأساة الإنسانية والفوضى السائدة في البلاد الآن هي في نهاية المطاف نتيجة للسياسة الخاطئة للرئيس السابق باراك أوباما، ومن باب الانصاف، فقد عارض بايدن التدخل العسكري، وفي مذكراتهما، أكد كل من وزير دفاع أوباما روبرت جيتس ونائبه مستشار الأمن القومي بن رودس هذه النقطة بالتحديد، حيث قال بايدن إن التدخل كان في الأساس جنوناً، وسأل عن جدوى التورط في حرب أخرى في دولة مسلمة.
وتشير التوقعات إلى إن إدارة بايدن لن تنخرط كثيراً في المشكلة الليبية، وفي الواقع، ليست هناك رغبة لدى الإدارة المقبلة بتكرار الحماقات القديمة، ولكنها لن تنتهج سياسة “الطيار الآلي” التي اتبعتها إدارة ترامب فيما يتعلق بليبيا.
ومن المتوقع أن تتحسن العلاقات الأمريكية-الأردنية مع إدارة بايدن، وهناك شعور بالتفاؤل، ولا يخفى على أحد بأن العلاقات بين عمان وواشنطن قد توترت بسبب الخطوات التي اتخذها البيت الأبيض بشأن القضية الفلسطينية، لا سيما الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال وقطع التمويل عن اللاجئين الفلسطينيين، وكان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني قد رفض هذه القرارات وتجاهل خطة ترامب للسلام.