السياسة الغربية التي لا يضبطها شيء
د. علي محمد فخروالسياسة الغربية التي لا يضبطها شيءمن بين بعض مساوئ مشروع الحداثة الأوروبي (وهو ليس المشروع الحداثي الوحيد المطروح علي العالم) إصراره علي إستقلالية مجال وممارسات حقل السياسة عن الحقول الأخري. لقد تجلًّي ذلك الإستقلال والفصل في أوضح صوره عندما ألحُّت بعض المدارس الليبرالية الغربية علي إستقلال السياسة عن الإقتصاد في نظرتها للديمقراطية.فالديمقراطية بالنسبة لتلاميذ تلك المدارس هي الديمقراطية السياسية التي تقوم علي مبادئ من مثل مبادئ الحرية الفردية، وحرية تكوين الأحزاب والنقابات وتنظيمات المجتمع الأخري، والانتخابات الدورية، وفصل السلطات الثلاث، وتداول السلطة إلخ… أما الديمقراطية الإقتصادية الاجتماعية التي تقوم علي مبادئ توزيع الثروة العادل، وتساوي الفرص، ومحاربة الفقر، والحق في عمل مجزٍ، وحقوق التعليم والرعاية الصحية إلخ.. فإنها، بالنسبـة لمنطقهم، تنتمي إلي مجال آخر غير السياسة. وينطبق الأمر نفسه عند هؤلاء علي إصرارهم علي فصل السياسة عن الأخلاق والقيم وتعاليم الدين والعواطف الإنسانية والقوانين. والواقع أنه إذا كانت السياسة هي علم وفن ممارسة الحكم فان فصلها عن تأثيرات وضوابط الحقول الأخري سيعني بالضرورة قابليتها للشُّطط والسقوط في الرًّذيلة، وهذا بالضبط مانراه أمامنا كل يوم. فالرئيس الأمريكي بوش تدمع عيناه وهو يتعاطف مع عائلات وأحبُّاء ألفين وخمسمائة جندي أمريكي ممًّن قضوا نحبهم في مغامرة إستعمار أرض العراق لكنه لايذكر بكلمة رثاء واحدة أو بتنهُّدة، حتي ولو كانت كاذبة، عشرات الألوف من رجال ونساء وأطفال شعب العراق الذين قتلهم جنود ألته الحربية البربرية. فالسياسة الماكيافيلية تقتضي سكب الدموع من أجل حزبه في الانتخابات القادمة بينما غياب الأخلاق والعواطف الإنسانية، غير المسموح بها في عالم السياسة، يؤدي إلي محو وجود العراقيين وإلي نفي حقٍّهم في المواساة في المشهد السياسي الأمريكي. وهو نفس المنطق الذي يجعل هذا الرجل الأمريكي الأحمق يحسب ألف حساب لأموال وسطوة وإعلام اللُّوبي الصهيوني في الساحة السياسية الأمريكية ويغمض العين والضمير والعقل عن عذابات وأنين وجوع وعري الشعب الفلسطيني لأن ذلك المشهد يخصُّ ساحة سياسية أخري خارج أمريكا. أما بالنسبة للمسؤولين العرب فان أخوًّة الدين لايسمح لها أن تؤثُّر علي حقل السياسة. فمن أجل قاعدة السياسة التي تقول بأن لاتزعج النًّمر حتي لايعضُّك يساهمون في إذلال وحصار الحكومة الفلسطينية المنتخبة، وفي الهرب من الساحة العراقية، وفي طلب المزيد من التطمينات النووية الإيرانية بدلاً من طلب تلك التطمينات من الدولة التي تهدًّد بشٍّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّن حرب ذرية علي شعب إيران المسلم.وفي الساحات السياسية العربية المحلية تُكسر الوعود وتنقض العهود ويمارس الكذب وتترسخ المحسوبية وينتشر الفساد المالي والاقتصادي والإداري وذلك باسم الضرورات والظروف السياسية.. وهنا أيضاً لا مكان للدين ولا للأخلاق.لقد بدأت مسيرة استقلال السياسة بفصلها عن الدين، بما في ذلك ضوابطه الأخلاقية والقيمية. ثم تبع ذلك فصلها عن الاقتصاد حتي ترتع الرأسمالية المتوحشة ويمـرح اقتصاد السوق. ثم كان من الطبيعي أن تفصل العلوم الطبيعية عن العلوم الاجتماعية والإنسانية لنصل إلي وضعنا الحالي الذي تتطور فيه التكنولوجيا دون ضابط علمي أو أخلاقي أو بيئي. ويظهر أننا لن نري نهاية لهذا العبث. إن السياسة التي ليس لها ضابط قد فتحت المجال لممارستها من قبل المثلومين في إنسانيتهم والمشوًّهين في ضمائرهم وثقافتهم. والنتيجة أن سمعة السياسيين، ومعهم السياسة، قد وصلت إلي الحضيض في كل العالم. يقول الكاتب الانكليزي جون جًريٍ: لايدخل السياسة عندنا إلاً أمثال باعة السيارات المستـعملة (إشارة إلي الخداع والكذب والمساومة التي يمارسها كثير منهم). ومن قبل قال رئيس فرنسا الراحل يومييدو: إن رجل الدولة هو السياسي الذي يخدم بلده، أما السياسي فهو رجل الدولة الذي يخدم نفسه.إذا كنا نطمع في بناء حداثة عربية فلنأخذ العبر من أخطاء الحداثة الغربية فهي كثيرة.9