تنظيمات مدافعة عن مصالح المهاجرين تصف وزير الهجرة بـ ناقص روح انسانية
باريس – “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله: قرر بريس اورتوفو وزير الهجرة والاندماج والهوية القومية في فرنسا منح والدي الفتي الروسي ايفان وثائق اقامة مؤقتة علي التراب الفرنسي لمدة ستة أشهر لاعتبارات انسانية تسمح لهما في اطار قانوني بمتابعة العلاج الذي يتلقاه طفلهما في المستشفي بعد سقوطه من الطابق الرابع أثناء مطاردة الشرطة الفرنسية للعائلة.
كان ايفان، المراهق الروسي البالغ من العمر 12 سنة، يعيش مع أمه ناتاليا أبُوايفا وأبيه أندري ديمبسكي في مدينة آميان الفرنسية حيث تقيم العائلة اقامة غير شرعية بعد ان رفضت مصالح الهجرة تسوية وضعيتها القانونية ومنحها وثائق اقامة شرعية. في يوم الخميس 9 اب (أغسطس) وأثناء تدخل مباشر لرجال الشرطة الفرنسية في بيت العائلة لاعتقالها في اطار السياسة الفرنسية الجديدة الهادفة الي تضييق الخناق علي المهاجرين غير الشرعيين وطردهم من التراب الفرنسي، اعتقد ايفان أنه قادر علي الافلات من قبضة الأمن ولاذ بالفرار. لكن، أثناء محاولته النجاة بنفسه سقط من الطابق الرابع للعمارة التي تقيم فيها الأسرة ليجد نفسه بعدها في احدي غرف مستشفي المدينة في حالة خطيرة. غداة ذلك، تجند المئات من سكان الحي والمتعاطفين في مدينة آميان لتنظيم مسيرة تضامن وتنديد بما اقترفته مصالح الشرطة في حق العائلة الروسية الصغيرة والفقيرة والمطالبة بتسوية وضعيتها القانونية.
غير أن كل ما انتهي اليه هذا المسعي لا يتعدي وثائق الاقامة المؤقتة لمدة ستة اشهر التي اقرتها وزارة الهجرة. واعتبرتها شبكة التربية بلا حدود، التي تناهض عملية طرد الأطفال من التراب الفرنسي بسبب عدم امتلاك أوليائهم لوثائق اقامة شرعية، وكأنها صدقة لشحاذ، منتقدة بشدة ضعف الروح الانسانية لدي الحكومة الحالية، وطالبت بتسوية وضعية كل أفراد العائلة الروسية الصغيرة تسوية دائمة. كما طلبت هذه المنظمة لقاء مع رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي بخصوص هذه القضية، غير أنها لم تتلق منه أي رد حتي الآن رغم اعرابه يوم وقوع الحادث عن تأثره لما جري لايفان ومطالبته بالقاء كل الضوء علي حيثيات تدخل مصالح الأمن الذي ادي الي هذه النتيجة الأليمة. وقد تم فتح تحقيق اولي علي مستوي مفتشية الشرطة التابعة لوزارة الداخلية الفرنسية.
أما جاك فيرجيس وفرنسيس لاك، محاميا الطفل ايفان، فأعلنا في مؤتمر صحافي أنه يجب علي الدولة أن تعترف بمسؤوليتها في هذه المأساة والا اضطرا الي رفع دعوي قضائية. وشبّه فرنسيس لاك تدخل الشرطة في بيت عائلة ايفان في الصباح الباكر والطرق العنيف علي الباب طيلة ساعة، علي حد تعبيره، بـ عمليات الكومندوس، بينما تساءل عن السبب الذي جعل قوات الأمن تتدخل يوم 9 اب (أغسطس) في حين كان يمكن انتظار مثول العائلة أمام المحكمة الادارية بصورة عادية يوم 6 ايلول (سبتمبر) المقبل كما يدل علي ذلك الاستدعاء الذي تلقته العائلة مؤخرا. من جهته تساءل جاك فيرجيس غاضبا: ما ضرورة التدخل بكومندو من 15 عنصر أمن؟ هل هو اجراء طبيعي؟ ثم أكد باصرار أن الطفل ايفان فوق كل ذلك تلميذ ممتاز في دراسته ويرغب في الاندماج في المجتمع الفرنسي وأن والديه لا ينتميان لعصابات. وطالب المحاميان بالسماح للعائلة الروسية الصغيرة بالبقاء في فرنسا علي الأقل الي غاية شفاء ايفان وتعافيه، وهو ما سيتطلب حسب مصادر طبية ستة أشهر في أقل تقدير. كما طالب المحاميان بفتح تحقيق يتولاه قاض محايد وليس المفتشية العامة للشرطة كما يجري في الوقت الحالي.
في هذه الأثناء، قامت منظمة شبكة التربية بلاحدود مجددا مساء الثلاثاء بتنظيم مسيرة تضامنية مع العائلة الروسية منددة بالسياسة التي تتبعها الحكومة والتي تدفع الشرطة الي ارتكاب مثل هذه الأخطاء المأساوية باجبارها (أي الشرطة) علي تحقيق سقف معين من الاعتقالات والطرد للمهاجرين غير الشرعيين بانتظام.
أما بريس اورتوفو وزير الهجرة الذي يمثل السياسة الصارمة التي وعد بها نيكولا ساركوزي ازاء المهاجرين غير الشرعيين فاضطر أمام الحرج الذي سببته له هذه الحادثة الي التذكير ان اسرة ديمبسكي وابوايفا تقيم في بلاده بشكل غير قانوني رغم رفض مصالح الهجرة لملف طلبها لوثائق اقامة شرعية ثلاث مرات. وكان أعلن قبيل وقوع مأساة الطفل الروسي أن سياسته تهدف الي افهام المهاجرين غير الشرعيين الذين يأتون الي فرنسا أن اتباع هذا الطريق لا مخرج له علي حد قوله. وأكدت وزارته، من جهة أخري، أنها تتابع بانتظام تطور الحالة الصحية للفتي الروسي ايفان. التي قال عنها مسؤولو مستشفي مدينة آميان أنها مستقرة في الوقت الراهن، فيما كان والداه قد صرحا أنه لا زال في غيبوبة عكس ما هو معلن عنه ويتنفس بالأجهزة الاصطناعية.
بهذا التدخل المأساوي لمصالح الأمن الفرنسي من أجل اعتقال وطرد متهمين بالاقامة غير القانونية علي التراب الفرنسي، يسود انطباع في فرنسا وفي اوساط المهاجرين بشكل خاص أن الحكومة اليمينية الحالية التي يقودها نيكولا ساركوزي وفرانسوا فيون قد قررت العودة الي سياسة مطاردة واصطياد المهاجرين غير الشرعيين حتي في عقر ديارهم مثلما كان يفعل وزير الداخلية اليميني الأسبق شارل باسكوا في منتصف تسعينيات القرن الماضي. وكان من بين المستهدفين في مثل هذه العمليات آنذاك مواطنون جزائريون. فيما قالت جهات مسؤولة في الشرطة الفرنسية أنها لم تتلق تعليمات خاصة بملاحقة المهاجرين غير الشرعيين في بيوتهم وان كانت مصالح الأمن مطالبة بانجاز كوطات طرد معينة لأن رئيس الجمهورية يطالب بنتائج ملموسة في هذا المجال. كما أوضحت أن ذلك لا يعني أنه لا يحق اعتقال هذه الشريحة من الناس في بيوتهم ومقرات اقامتهم مهما كانت مثلما يتم في الشارع علي الطريق العمومي ومقرات العمل وحتي داخل مكاتب مصالح الهجرة عند حضور المهاجر غير الشرعي لايداع ملف طلب وثائق الاقامة أو متابعة تطوراته.
تجدر الاشارة الي أن وزارة الهجرة حددت كوطة من الاعتقالات في حق المهاجرين غير الشرعيين تقدر بـ 125 ألفا سنويا وكوطة أخري تتعلق بالطرد من التراب الفرنسي قدرت هي الأخري بـ 25 ألفا سنويا. ولا شك أن الـ 130 عائلة التي تقيم في مدينة آميان في نفس ظروف عائلة الطفل ايفان جد معنية بما تخطط له حكومة فرانسوا فيون ووزارة بريس اورتوفو التي تريد حماية الهوية القومية الفرنسية بأسلوب يقول عنه العديد من الفرنسيين أنفسهم انه يقتل هذه الهوية.