فرصة نادرة وسانحة لها لتعزيز مكانتها في الساحة الشرق اوسطية.. والحصول علي المساعدات
هل تتجه مصر نحو الحرب مع اسرائيل فعلا؟ عضو الكنيست يوفال شتاينيتس أراد من خلال وثيقته التي نشرها في صحيفة هآرتس في 4 / 12 ان يمزق الستار الذي تغطي به جارتنا الجنوبية وجهها، ويكشف صورتها الحقيقية. يوفال قال ان الجيش المصري يزيد من قوته ويتدرب من اجل الاستعداد للحرب ضد اسرائيل، وقال ايضا ان زيادة تهريبات السلاح عبر محور فيلادلفيا ما هي إلا جزءا من خطة عمل مصرية ذات هدف مزدوج: الدعم الهاديء للارهاب ضد اسرائيل، والدعوة الي نشر عدد أكبر من القوات المصرية في سيناء لوقف نزع السلاح القائم في اتفاقية السلام.
إلا ان هذه الادعاءات تتناقض بصورة مطلقة مع السياسة المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. لو ان القيادة المصرية كانت ترغب في الغاء الاتفاقات مع اسرائيل، أو التصادم معها عسكريا، لكانت فعلت ذلك في المناسبات الكثيرة التي سنحت لها. المعارضة الداخلية وبعض القادة العرب طالبوها بذلك مرات كثيرة، إلا أنها رفضت ذلك بصرامة. الرئيس المصري، حسني مبارك، كرر القول لمن يتحدثون عن الحرب بأنهم لا يدركون نتائجها. كما ان التجربة المصرية تؤكد ان من الممكن تحقيق أهداف في مواجهة اسرائيل من خلال طاولة المفاوضات، بينما فشلت جهود المقاطعة الطويلة والحروب والكفاح المسلح في إخضاعها.
خلال الانتفاضة الثانية في خريف 2000 ارتفعت الاصوات الشعبية، وحتي القيادية (لحود وعلي عبد الله صالح) مطالبة باتخاذ خطوات عملية في وجه اسرائيل، الا ان مبارك قام بتهدئة هذه الاصوات وطالبها بالتمسك بالمسار السياسي وعدم الانجرار وراء التطرف. الرئيس المصري وضع الثقل المصري كله مع الاردن والسعودية والمغرب وتونس لمنع اتخاذ قرارات تزيد من حدة الازمة في قمة القاهرة المنعقدة في تلك الفترة.
جيران شكاكونأما تسلح الجيش المصري وتزويده بأجهزة حديثة، فيجب ان ينسب لتصور القيادة المصرية حول دور هذه القوات في الماضي والحاضر. انجازات الجيش المصري في حرب تشرين الاول (اكتوبر) فتحت الطريق نحو السلام وأجبرت اسرائيل علي سحب قواتها من سيناء والجلوس الي طاولة المفاوضات. القوات المصرية هي مصدر قوة أساسي للنظام وضمانة لاستقرار مصر باعتبارها دولة مركزية في الشرق الاوسط الحافل بالازمات، والجيش المصري مثل كل الجيوش يستعد للأحداث المحتملة والسيناريوهات المختلفة. مصر لا تثق باسرائيل أكثر مما تثق اسرائيل بها. وهناك علاقة بين تعزيزها لقوتها وبين تعزيز اسرائيل لقوتها في المقابل. أضف الي ذلك ان تصريحات بعض القادة السياسيين في اسرائيل تعتبر دافعا للقادة المصريين لتعزيز قوتهم العسكرية مثل تصريح ليبرمان حول قصف سد أسوان.
زيارة السادات الي اسرائيل والاتفاقات الموقعة بين البلدين كانت نقطة انعطاف استراتيجية في السياسة المصرية تجاه اسرائيل. السياسة المصرية تقوم علي الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحل الصراعات مع اسرائيل بالطرق السلمية. وهذه الاتفاقات كانت سابقة ونموذجا يحتذي به من قبل دول اخري، حيث حصلت مصر علي مقابل اقتصادي وعسكري شامل كثواب علي سياستها هذه.
الاستراتيجية السياسية التي انتهجها السادات تواصلت خلال الفترة الطويلة التي حكم فيها مبارك مصر من بعده، التغيرات الدولية التي حدثت بعد ذلك ساعدت في رفع المقاطعة العربية التي فرضت علي مصر وأعادت لها دورها المركزي في الساحة الشرق اوسطية. نظام مبارك تحول الي راعٍ لـ م.
ت.
ف وبذل جهودا ملموسة في اقناع عرفات بتبني صيغة الارض مقابل السلام. اتفاقات اوسلو والمبادرة العربية في قمة بيروت في آذار (مارس) 2002 تساوقت كلها مع المسار والنهج السياسي المصري، كما أن موقف سورية من العملية السياسية مع اسرائيل يرتكز علي النموذج الاسرائيلي ـ المصري.
مصر رسخت مكانتها كدولة عظمي اقليميا، والفائدة التي جنتها من سياستها الجديدة ساعدتها اقتصاديا في الوقت الذي تزداد فيه حاجتها لهذه المساعدات في ظل تضاعف عدد سكانها في العقود الأخيرة.
دور الوسيطالي جانب التزام اسرائيل ومصر بالاتفاقات المعقودة بينهما، إلا أن قادة الدولتين لا يرون المجريات في الشرق الاوسط بنفس المنظار، وخصوصا سبل حل الازمات التي تنشب فيه. مصر تعارض سياسة القبضة الحديدية الاسرائيلية، وسياسة المقاطعة واللاشريك والنهج أحادي الجانب الذي استُخدم في السنوات الأخيرة. هذه السياسات أحرجت مصر ومثيلاتها من الدول العربية وزادت من رصيد الانظمة والحركات المتطرفة. وعليه فان مصر تعتقد أن علي اسرائيل وامريكا أن تُغيرا سياساتهما في الشرق الاوسط من اجل الخلاص من الازمات التي ألمت به، وهي تمارس دورا نشطا في التوسط وتسوية الازمات، خاصة علي المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي كما يحدث مؤخرا. والآن، في ظل بحث امريكا اليائس عن الخلاص من ورطتها، قد تلعب مصر والسعودية (وحتي سورية) دورا أهم في تسوية الازمات في الشرق الاوسط وخصوصا علي المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي وتسوية الوضع في العراق، كما يدعو تقرير بيكر ـ هاملتون الأخير.
التقرير يتساوق مع السياسة المصرية المنادية بالحوار والمشاركة العربية الفاعلة وتغيير السياسة الامريكية والاسرائيلية، وهذه فرصة نادرة وسانحة لمصر لتعزيز مكانتها في الساحة الشرق اوسطية والفوز برصيد هام والحصول علي المساعدات التي تحتاجها بلاد النيل بصورة ماسة.
يورام ميتالكاتب في الصحيفة(هآرتس) 11/12/2006