عبد الغني بلوط
مراكش ـ “القدس العربي” خطفت الأفلام السياسية الواقعية الأضواء بمدينة مراكش، وحصدت جميع جوائز المهرجان الأربعة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته السادسة والذي شهد مشاركة 15 فيلما من أربعة عشر بلدا، فيما خيب الفيلمان المغربيان المشاركان في المسابقة الرسمية الآمال ولم يحصلا علي أي تتويج.
ونال الفيلم الألماني الببغاء الأحمر لمخرجه دومينيك كراف النجمة الذهبية وحصل أيضا الممثل الألماني الشاب ماكس ريميلت الذي لعب دورا رئيسيا في الفيلم نفسه جائزة أحسن دور رجالي، فيما توجت الممثلة الشابة السوداء فاتو نداي بجائزة أحسن دور نسائي حين لعبت دور فتاة نادلة شابة في الفيلم الكندي يوم أحد بكيكالي لمخرجه روبير فافر، كما توج الفيلم الروماني هيرتيا في الباسترا لمخرجه الشاب رادو مونطيان بجائزة لجنة التحكيم وهو ثاني فيلم لهذا المخرج الشاب بعد فيلم الغضب المنتج سنة 2002. قبل الاعلان عن النتائج يوم السبت بقصر المؤتمرات فهم كثير من الحاضرين تلميحات رومان بوانسكي رئيس لجنة التحكيم الي الأفلام الفائزة حين قال ان الحبكة السينمائية وحدها تحكمت في اختيار الأفلام المدونة وليس الآراء الأيديولوجية والسياسية أو محاباة هذا البلد أو ذاك، مما فهم منه أن الفيلم المغربي انهض يا مغرب والذي تحدث عنه كثيرا لنيل احدي الجوائز لم ينل رضا لجنة التحكيم المكونة من كل من الممثلة الفرنسية ساندرين بونير والممثل الفرنسي من أصل مغربي جمال الدبوز والممثلة والمخرجة البرتغالية ماريا ميديريوس والمخرج وكاتب السيناريو الهندي بان نالان والمخرج المصري يسري نصر الله والممثلة الفرنسية ليدفيين ساميي والممثلة الاسبانية باز فيكا والممثل الأسترالي دافيد وينهام… وبدا الممثل الشاب ماكس ريميلت متأثرا كثيرا وهو يتسلم بعد تسليمه جائزة أحسن ممثل رجالي، الجائزة الذهبية نيابة عن المخرج دومينيك كراف الذي حبسه عمل سينمائي عن حضور اختتام المهرجان وتسليم الجائزة وهو نقطة أخري حسبت له حين اعتبر أن السينمائي الذي يحب العمل ويقدسه يستحق فعلا التتويج، وختم كلامه بكلمة شكر حرص كثير من غير العرب والفرنسيين الذين صعدوا الي المنصة علي النطق بها احتراما للجمهور المراكشي الحاضر. ولم يتوقع كثير من الجمهور والمتتبعين حصول الفيلم علي الجائزة خاصة مع حضور أفلام جميلة أخري مثل الفيلم الايطالي في بيتنا حيث تجسد مدينة ميلانو في يومنا الحاضر مكان وزمان حبكة الفيلم التي يتشابك فيها عن وعي أو غير وعي مصير عدة أشخاص بعلاقتهم بالمال. ايكو واحد منهم، بنكي مشبوه تحاول ريتا ضابطة في شرطة الجرائم المالية القاء القبض عليه، ومثل الفيلم الايراني تدريجيا حيث يعلم محمود (عامل بالسكة الحديدية) أن زوجته اختفت منذ أسبوع، يغادر عمله للبحث عنها و تتكاثر علي أسماعه الأقاويل و الاشاعات.
ومثل الفيلم الأمريكي بوبي الذي يحكي تشابك مسارات ثمانية أشخاص يوم 6 حزيران (يونيو) 1968 الذي عرف اغتيال السيناتور روبير كنيدي مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية في بهو بفندق بلوس أنجليس.
ويروي الببغاء الأحمر الفيلم الحاصل علي النجمة الذهبية العلاقة المعقدة بين ثلاث شخصيات أثناء الأشهر الأخيرة قبل بناء الجدار 1961، حيث يربط الفيلم بين الحب والتحرر الجنسي والسياسة والتاريخ. سيغي أو الممثل (ماكس ريميلت) ذو العشرين سنة يذهب الي مدينة دريسدن في ألمانيا الشرقية من أجل العمل، ويحاول أن يندمج في مجموعة تغني علي النغمات الغربية وترقص علي ايقاع الفيس برسلي، لكن الشرطة تقتحم المكان وتحطم جميع الأشرطة الغنائية، وهو مشهد من المشاهد الذي حاول المخرج أن يظهر فيها للجمهور الاختلاف بين العيش في المانيا الشرقية والمانيا الغربية والمشاكل الحياتية للشباب في دولة اشتراكية، حينها يفضل الكثيرون مغادرة البلاد الي الجهة الغربية قبل بناء الجدار. و يروي فيلم يوم أحد بكيكالي أنه في ربيع 1994 بكيكالي عاصمة رواندا في قلب أفريقيا، يصور برنار فالكور فيلما وثائقيا حول مرض السيدا في وقت كانت فيه الصراعات العرقية بين التوتسي و الهوتو تتعمق.
أما الفيلم الروماني هيرتيا فا في ألباسترا فيحكي عن شاب مقتنع أنه من واجب كل مواطن روماني أن يحارب أتباع شاو شيسكو بعد سنوات الديكتاتورية الطويلة التي ميزت حكمه، فيقرر الجندي كوستي ترك الوحدة التي ينتمي اليها و الانخراط في الثورة. أما بخصوص الفيلم المغربي انهض يا مغرب أو نوض تكعد بالدارجة المغربية الذي خرج خاوي الوفاض ولم تحابه لجنة التحكيم التي ترأسها المخرج رومان بولانسكي، فاتضح أن المخرجة المغربية كررت نفسها ولم تحترم أذواق الجمهور المغربي، وكان فيلمها حسب مراقبين أسوأ فيلم في المسابقة حتي وصفه البعض بالورطة.
وبدت نرجس النجار متوترة جدا في الندوة الصحافية التي عقدتها بعد عرض الفيلم حيث وجهت الاهانة هنا وهناك في حق صحافيين حاولوا نقد الفيلم، علي اعتبار أنها استغلت العلم المغربي ورعاية خاصة من أجل انتاج فيلم مغربي لا يشرف المغاربة. وبدت بعض اللقطات محشوة في الفيلم مثل لقطات أجساد نساء عاريات في الحمام الشعبي وقبلات حارة طويلة بين الممثلة الشابة والممثل أثناء الباسه القميص الوطني في مباراة نهائية.
وفي حين بدأت القصة جميلة بين لاعب كرة قدم يحاول أن يري بلده أجمل بلد في العالم، وفي الوقت الذي كان يعتقد فيه الجميع أن الفيلم سيحكي عن قصة نهضة بلد وشعب في طريق الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان ومشاركة الجميع في هذا البناء الضخم، ركنت المخرجة الي أفكار مسبقة حول الدين والحرية والشرف بات كثير من المغاربة يرفضونها، فهي تحكي وجهة نظر واحدة موجهة، وتكلم أبطالها باللغة الفرنسية في الفيلم حين يتعلق الأمر بنقل أفكارها الي الجمهور فيما تحتقر المشاعر الدينية بسذاجة مرة وبجهل مرة أخري، وتلصق التطرف الي أمور حياتية بسيطة مثل بيع التسابيح والصلاة، وتحاول أن تصنع صراعا للأجيال متوهما في الخيال بعيدا عن التخيل الشعبي، حتي بدا ذلك واضحا بين عرافتين واحدة تجسد دور عرافة شابة تعيش صراعا يوميا مع منافستها العرافة المسنة إذ رغم نجاح العرافة الشابة مهنيا، ورغم شهرتها الواسعة في الضريح الذي تستقبل فيه روادها، فانها تسعي الي مغادرته نحو مكان آخر لايمانها بأن مكانها ليس في المغرب، وهذا الرحيل يدخل في لب موضوع الفيلم والمتمثل في مغرب جديد تطمح اليه المخرجة وليس كل المغاربة.
كثير من أحلام المغاربة تحولت في الفيلم الي كابوس، ومن اللقطات التي استفزت الجمهور، انه حين يخفق المغرب في الحصول علي شرف تنظيم كأس العالم واعلان جوزيف بلاتير جمهورية افريقيا الجنوبية فائزا بهذا التنظيم، تعمد المخرجة الي تنزيل العلم المغربي وكأنها تعلن عن موت حقبة ذهبية للأبطال المغاربة في مجال كرة القدم والقطع مع الماضي بصفة نهائية.
وتري المخرجة نفسها كما قالت في ندوتها الصحافية في بطلات الفيلم وعبرت عن رأيها حول الحرية والايمان واستهترت بالمشاهد المغربي حين حولت السجود في الصلاة الي أربع سجدات متتالية وأحذية كل المصلين الي أحذية رياضية يصلون في شكل دائري في مسجد كبير بالدار البيضاء.
أكيد أن الجمهور من عشاق الرياضة استمتعوا بالفيلم لأنه كرم العربي بن مبارك أحد أبطال الكرة في المغرب وأرجع الهيبة والكرامة الي ثلاثة لاعبين مغاربة مغضوب عليهم في الفريق الوطني وحول الفيلم الي ما يشبه البرامج الرياضية المليئة باللقطات الحاسمة، وأكيد أن عشاق الأغنية الشعبية والفرنسية والدولية استمتعوا بالفيلم ورأوا فيه كليبات موسيقية عالية الجودة في التصوير والأداء لكنها معزولة عن السياق، لكن عشاق السينما خاب أملهم وتحسروا ورأوا كيف تعطي امكانيات هائلة بالمجان قدرت بالملايين من أجل انتاج فيلم رديء، فيم تأوه البعض الآخر متمنيا ألا يكون الفيلم ضمن المهرجان أو بل بالأحري ضمن المسابقة. من جانب آخر لم يستسغ عدد من النقاد السينمائيين مستوي عدد من الأفلام المعروضة في المهرجان علي هامش أفلام المسابقة وتساءلوا ان كانت اللجنة قد وضعت معايير لانتقاء هذه الأفلام علي غرار أفلام المسابقة، وتميزت كل الأفلام المعروضة غير الخاضعة للرقابة خاصة الفيلم الفرنسي الثعبان والفيلم المصري عمارة يعقوبيان بعرض لقطات جنسية مثيرة ألهبت حماس الشباب الحاضر في قاعة سينما قصر المؤتمرات ودفعتهم الي الصفير والعويل بعيدا عن الأعراف السينمائية، وحينت الحديث عن الفرق بين دور السينما في التثقيف الجنسي والتهييج الجنسي، حيث شوهدت لقطات واقعية لشباب وشباب داخل أروقة قصر المؤتمرات يدخنون السجائر ويتبادلون القبلات كما يحصل في الفيلم. ولم تمنع لافتة مكتوبة في باب قصر المؤتمرات ممنوع علي أقل من 18 سنة كثير من الأطفال ممن هم دون ذلك السن من ولوج قاعات السينما ومشاهدة لقطات لا تجب حتي للكبار.
الممثلون المغاربة انقادوا مع موجة التحرر السينمائي وشوهد أحدهم يقبل آخر في فمه في لقطة لا تشاهد الا في مهرجانات أمريكا وأوروبا، مما جعل الحديث عن الثقافة الجنسية يتجدد مع ظهور عادات السينما الغربية في البلاد العربية. ومن الجانب التنظيمي فقد أسدل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش الستار علي دورته السادسة وسط انتقادات شديدة اللهجة حول تهميش اللغة العربية والكفاءات الوطنية المغربية وكثرة أخطاء ادارته الفرنسية، وباقصاء عدد من الصحافيين المغاربة عن حضور حفلة الاختتام.. واعتبر الاعلاميون المشاركون في تغطية المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، كما ذكر ذلك موقع المراكشية الالكتروني، أن الصحافة المكتوبة بالعربية لم يكن مرحبا بها في المهرجان موازاة مع الصحافة الأجنبية. ورأوا أن الاهتمام الأكبر كان يولي للصحافيين الآتين من خارج الحدود، وبكيفية أكثر بالمنابر الاعلامية الناطقة بلغة منظمي المهرجان. وذكر أكثر من منبر صحافي مغربي التضييق علي مراسله، ورفعت شكاوي منذ الدورة الثانية للمهرجان، وأن هناك سياسة متبعة من قبل القائمين عليه ترمي الي تسويقه للخارج وجعله واجهة ليس الا، واذا كان العديد من الزملاء الكتبة باللغة العربية يتجشمون متاعب السفر من مدن قريبة او بعيدة عن مراكش لمواكبة فعاليات المهرجان، ليجدوا في الأخير بعد أن يتم اعتماد بعضهم وابعاد البعض الآخر بأنهم من الصنف الذي لم يجد المنظمون منه بُدّا فيبدأ التعامل معهم علي أنهم ضيوف و من الصنف الثاني. وكان صحافي من وكالة اعلامية عمومية بالمغرب بعد أن انتدبته المؤسسة للمشاركة في تغطية المهرجان قد استعان بأصدقاء له في موضوع الايواء والأكل بعد أن أخل المنظمون بوعدهم في اعتماده كما كان منتظرا. الأغرب في كل هذا هو أن الصحافيين المغاربة والمحليين علي الخصوص الذين تم اعتمادهم لم يسمح لهم بحضور حفلات الافتتاح والاختتام وما بينهما من عروض بعض الأفلام المرشحة، وأخري علي هامش المسابقة التي فرض لمشاهدتها دعوات خاصة اضافة الي البادج. . كما لم يسمح لهم بحضور أي نشاط آخر علي هامش المهرجان ولو كان حفل تكريم فنان أو ممثل داخل فضاء قصر المؤتمرات نفسه. بل ان البادجات الممنوحة للصحافة لم تتح لهم متابعة حتي الأفلام التي لم يتمكنوا من متابعتها في فضاء قصر المؤتمرات واضطروا لمشاهدتها في القاعات السينمائية. السياسة أيضا كانت حاضرة في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها الممثل الساخر أحمد السنوسي (بزيز) الذي قال في بيان وزع علي الصحافيين كتب بلغات مختلفة انه يريد أن يجعل من وقفته رسالة واضحة الي الفنانين والاعلاميين الأجانب يبين فيها الظلم الذي لحقه من جراء منع طال 16 سنة وكذلك حرمانه من لقاء جمهوره ومحاولة محو اسمه من الذاكرة الشعبية للمغاربة، وأيضا اتلاف أرشيفه من التلفزيون المغربي. وأضاف هل تفضلون صوت حرية التعبير أو تكونون عملاء لأكذوبة تسمي المهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
وأعلن بزيز أمام الجميع أنه تعرض للتهديد بالقتل فيما حصلت التجديد علي رسائل تضامن من جمعيات حقوقية منها الجمعية المغربية لحقوق الانسان والمركز المغربي لحقوق الانسان تندد بالتهديدات بالقتل التي تعرض لها عبر الهاتف مع المطالبة بفتح تحقيق بشأنها والمتابعة القضائية للمسؤولين عنها، ومع المطالبة كذلك بحمايته من المخاطر ضد سلامته الشخصية وحقه في الحياة، كما اعتبرت أن معركة أحمد السنوسي من أجل حقوقه المهنية والابداعية كفنان هي جزء من النضال العام من أجل حرية الرأي والتعبير وحقوق الانسان، داعية كافة القوي والفعاليات الديمقراطية بالداخل والخارج الي التضامن الفعال معه.
هذا الوقفة تحولت الي نقاش بوليميك حيث أعلن وزير الاتصال عن نية استقالته اذا ما تم منع بزيز من التلفزيون العمومي في حين رد بزيز بالقول أنا مستعد لأبرهن عن ذاك المنع، فقط حددوا لي موعدا وانا حاضر، فيما شوهد ممثل مغربي آخر وهو يطوف في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش بين الممثلين والفنانين المغاربة بورقة قال المتتبعون انها عريضة يراد لها أن تجمع أكبر عدد من التوقيعات من أجل ادانة الوقفة الاحتجاجية التي قام بها الفنان الساخر أحمد السنوسي (بزيز) في ليلة افتتاح المهرجان. وتداول الحاضرون في المهرجان هذا التصرف ـ واعتبروه غريبا باعتبار أن النقابات لم تتخذ أي قرار في هذا الشأن باعتبار أن احتجاج أحمد السنوسي الذي كان مؤازرا بجمعية لحقوق الانسان كان موجها للمسؤولين الذين يحاصرونه حسب تعبيره وليس ضد الفنانين.
السياسة كانت حاضرة أيضا حين اختارت ادارة المهرجان تكريم الممثلة الأمريكية سوزان ساراندون وحين تحدث رومان بولنسكي المخرج السينمائي العالمي ورئيس لجنة التحكيم كان الكثيرون يستعرضون صورة سوزان في المهرجان حتي عندما قال بأن السينما أداة للتواصل، رغم أنها قد تستغل في أغراض أخري لخلفيات سياسية. نفس الاحساس انتاب آخرين حين قال بخصوص الأفلام الطموحة التي تعتني بالجانب الفني وتعالج قضايا كونية، والتي ما تزال تدافع عن واقع السينما الحالية التي أصبحت تجارية بكل امتياز، علي اعتبار وسائل التوزيع الضخمة التي اصطبحت تعطي الأولوية للأفلام التجارية، لكن بولانسكي أضاف أن الجمهور يبقي الحاسم في مسألة نجاح أو فشل العمل الفني، والحد من ظاهرة الأفلام التجارية، وكأنه يقول لسوزان أنت من اقصد وهذا الجمهور من أقصد.
تشابهت قلوب رومان وسوزان وان كان البعض يحب أن يكون أمام الكاميرا والآخر خلفها، لكن الحدس الفني يبقي كما قال رومان هو القنطرة الحقيقية للوصول الي الجمهور.