هل سترى إلى الشأن الثقافي بمشحونك السياسي،
أم سترى إليه بحسك الحضاري.
٭ ٭ ٭
هكذا، كلما التفتنا إلى المسألة الثقافية سنكون في مهب هذه المساءلة، لئلا نصبح ضحية الأوهام التقليدية التي ستأخذنا لتكرار الأخطاء الفادحة التي كنا نخسر فيها الاثنين: السياسة والثقافة في اللحظة نفسها.
٭ ٭ ٭
لم نزل نصادف الفجوة الفجة بين المزاعم التي تقول عن الشأن الثقافي، (باعتباره جزءاً من الحق العام) وحقيقة السلوك الذي يسقط الثقافة من قعر قفة برامجهم النظرية وأجندتهم العملية.
فبعد سنوات الإجهاز الرسمي على العديد من الفعاليات والطاقات الثقافية، بضروب بالغة التنوع من العسف والكبح والتهميش، وهي مرحلة تعلمنا منها الدروس الساخنة وعميقة الدلالات، دون أن نخسر وعينا بالحفاظ على ناصية الثقافة، ودون التفريط بها تحت ضغط صلافة الواقع. وهو واقع المؤسسة، التي لا ترى في الثقافة سوى التابع المطيع للمؤسسة، وهذا الشرط هو الذي كان يحكم (بالنفي والإثبات) علاقة تلك المؤسسة بالمثقف/ الأديب/ المبدع.
٭ ٭ ٭
قد يستدعينا واقع الاحتدام والتحاجز بين الثقافي والسياسي إعمال الجهد العميق لإخراج أحدهما من الآخر، أو بالأحرى تحريرهما من سلطات لم تزل تفتك بهما، مدعومة من شأن ثالث هو الشأن الاجتماعي، بوهم عدم فعاليتهما بمعزل عن سلطة الآخر وشرطه.
٭ ٭ ٭
ليس القول بالحق في صياغة الواقع هو شأن سياسي، يدور في تخوم ديمقراطية الحريات، لكنه شأن أخلاقي، تتوقف عليه أهلية الإنسان وجدارته في نيل حصته كريمة وكاملة من جمال الحياة وخيرها، دون ابتذال الذات بالسعي الدوني والمطالبة المهينة بهذا الحق. فليس لأية سلطة في الكون حق منع أو حصر أو منح هذا الحق للإنسان بوهم الحكم والمفاضلة.
الأخلاق الإنسانية هي الفعل الأول الثابت الذي تنشأ على أساسه الاجتهادات السياسية المتغيرة.
الانسان هو الحدث الأول، جاءت بعده ومن أجله الحقوق والواجبات وتلتها القوانين، والسياسة بالتالي هي نتاج يصوغه الانسان بنفسه لنفسه.
٭ ٭ ٭
الواقع لا يصبح واقعاً إنسانياً منجزاً مكتمل العناصر والتكوين، إلا بإسهام الإنسان الفعال بمخيلته النشيطة في تكوين هذا الواقع.
وليس ثمة واقع، يمكن الإنسان بقماشته، إلا إذا تسنى للإنسان المشاركة في صيغته وتنويع حدوثه، وفي ما عدا ذلك يظل الحدث خارج حدود النص الإنساني، وبالتالي هو في حكم فرض قوة على الكائن الأضعف غير المعني بالحدث، المتأثر به، والمتضرر منه، لغيابه عن حدوثه وانعدام مسؤوليته عن ذلك الحدوث.
٭ ٭ ٭
ففي لحظة انسانية مثل هذه، يتوجب علينا أن نرى إلى الثقافة مناسبة للحوار الرصين الفعال في حقل التنمية البشرية. فالطبيعة الحيوية للثقافة لا تجعلها صالحة كميدان للمجابهات، بل حقلا للتفاهم الكوني الذي يضع العناصر الإنسانية بوجهات نظرها المنوعة سبيلا يفتح المزيد من آفاق المستقبل؟
٭ ٭ ٭
لم نكن نستغرب ذلك.
لكننا نرقب ما يحدث لتفاديه قدر الممكن. ورفضه على ما نقوى. الذين يرتهنون بما يحدث حولنا، سوف يرون إلى الواقع بأنه الحقيقة، فيما الحقيقة أمر يختلف (جذرياً أحياناً) عن الواقع، فليس من الحكمة الخضوع للوهم الذي يجري الترويج لها بوصفه حقاً مستحقا.
بيننا وبين ما يجري مسافة كالتي بيننا وبين السماء، السماء التي نرى على الأقل. فما يجري حربٌ بين القوى التي لسنا منها، وليست لنا. إنها القوى التي تختلف على كل شيء، وعندما يدركنا الوقت ويدركهم، يتفقون علينا. تلك هي القوى التي نعرف، فنحن مادة التجارة الي تتصرف بها تلك القوى، بكل أدواتها التي لا تحصى.
وعلينا ألا نستغرب ذلك.
فربما كان ذلك قسماً من دورهم (ودورنا) في الحياة.
لكننا.
سنعمل دوماً على قياس الأمر، في ما نفعل، بين الشأن السياسي، والشأن الحضاري.
ثمة من لا يهمه ذلك. وفي هذا يكمن مقتلنا الوشيك.
هل الحضارة لنا، والسياسة علينا؟
شاعر بحريني