يوميات بيروت: حقائق وأكاذيب فيلم وثائقي لبناني للمخرجة الفلسطينية ـ اللبنانية مي المصري:
بيروت ـ “القدس العربي” ـ من زهرة مرعي: يوميات بيروت: حقائق وأكاذيب فيلم وثائقي لبناني للمخرجة الفلسطينية ـ اللبنانية مي المصري سجلت فيه عينها السينمائية المشهد السياسي الذي يظهر عليه لبنان واللبنانيون منذ 14 شباط (فبراير) 2005. رافقت كاميرا المخرجة شباب لبنان منذ لحظة اعتصامهم في ساحة الحرية (ساحة الشهداء) مروراً بالتظاهرتين الكبيرتين اللتين شهدتهما المدينة في 8 و14 أذار، وجعلت من ندين الطالبة في كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية الصوت المعبر عن أحلام الشباب، هواجسهم، تساؤلاتهم وخيبة أملهم. ندين كانت جزءاً حيوياً من مخيم الحرية، السؤال عندها كان ملحاحاً ولم تكن تفوت تفصيلاً دون الاستفسار عنه، لكنها لم تصل للاجابة الشافية. وندين شكلت صلة الوصل بين شبان ينتمون الي فريقين مختلفين، حيث جاءت بزملائها من كلية الاعلام الي خيمة الحرية ليشاركوا في ندوة حوارية رغم عدم قناعتهم بنتائج ما يحاول أن يصنعه نزلاء تلك الساحة من أجل وطن خرج للتو من الوصاية السورية كما يردد أهل الساحة. مي المصري نقلت لنا أفكاراً وأراء لشبان تتراوح أعمارهم بين 12 و26 سنة وهم يتشكلون من مختلف الاتجاهات السياسية. ومن خلال هؤلاء الشبان وصلنا قلق المخرجة وخوفها من الآتي الذي ينتظر مدينة بيروت التي احتضنت ذلك الغليان الشبابي. فالذي جسدته الكاميرا في هذا الوثائقي هو الانقطاع الكلي بين فريقين يتشكل منهما المجتمع. وهذا التمزق الظاهر في البنية السياسية لللبنانيين انعكس خيبة أمل قاتلة لدي بطلة الفيلم التي روت هواجسها من وطن قائم علي تطاحن أفكار وأهواء وطائفية، وتطلعاتها نحو وطن تحلم به مثالياً يحقق العيش الكريم لكل فئاته. بين تعبيرات ندين وهواجسها والمشهد الذي نقلته الكاميرا كان ثمة تعبير صامت أشد بلاغة من النطق يشي بما آلت اليه الأحوال وما سيكون عليه المشهد الآتي علي المدينة. هذا الوثائقي الذي اعتمد الحدث الآني ليبني عليه سيرة وطن مشحون انطلق من شخصيات وحالات انسانية واقعية لها أفكارها وأبعادها السياسية والاجتماعية الساخنة جداً. وهي ان كانت توصف بالساخنة منذ أشهر مضت، فهي حالياً يمكن أن توصف وكأنها في حالة غليان الأمر الذي يؤكد صحة قراءة المخرجة لخلفيات وأبعاد الحال السياسي الداخلي في لبنان وانعكاساته علي تشكيل خطاب الشباب حتي قبل أكثر من سنة من الزمن المتشظي الذي نعيشه حاليا. فيلم مي المصري المتواصل علي مدي 79 دقيقة يحمل حبكة درامية رغم نسقه الوثائقي. فهو ينطلق من واقعة الاستشهاد الأليمة للرئيس رفيق الحريري وهي قمة الدراما في الحبكة السينمائية، ليتنقل لاحقاً بين خيبة وأخري تعبر عنها شخصية الفيلم الأساسية ندين. ويتصاعد هذا المد الدرامي عندما يتقرر فض مخيم الحرية وعودة الشباب كل الي منزله. البعض وجد في تلك العودة كأن فصلاً نضالياً من حياته ختم علي تحقيق النصر، في حين أن القسم الأكبر وجد نفسه يراوح مكانه لا بل تراجع الي الخلف. فهذا المخيم برأي هؤلاء كان مطية وصل عليها بعض السياسيين. فالطائفية تحولت الي مذهبية تستشري في أوصال المجتمع. والحقيقة التي طالب بها الجميع لم تكن سوي كذبة كبيرة. وفي هذا السياق قدمت مي المصري العديد من المشاهد الرمزية التي جسدت الواقع. وبلسان شباب المخيم تساءلت ندين ان كان السياسيون الذين كانوا يرتادون المخيم تباعاً عم يستهبلونا؟ وتساءلت مع زميلة لها لماذا انفك المخيم من دون الغاء الطائفية السياسية؟ فكان الرد بأن الطائفية السياسية لم تكن من أهداف المخيم. وهنا ازداد تراكم الاسئلة فيما نطقت به ندين وما أضمرته من تساؤلات. مع ندين كان الوقع الدرامي لفيلم مي المصري في حال من التصاعد. وهذه البنية الدرامية أكدت عمق التمزق الوطني، ومدي تجذر الخيبة في نفوس الشباب. أما المشهد الدرامي الأشد تعبيراً فكان في خاتمة الفيلم الذي كان عبر النار التي أحاطت بتمثال الشهداء في وسط بيروت والذي تزامن مع توثيق الفيلم لبدء العدوان الاسرائيلي في 12 تموز الماضي.
حينها أكدت مي المصري رؤيتها بما تلعبه اليد الاسرائيلية من دور في الساحة اللبنانية الهشة، كما ألمحت الي دور ما لها في اغتيال الرئيس الحريري. يوميات بيروت: أكاذيب وحقائق قالت فيه مي المصري أن السياسيين قادوا الشباب الي خيبة أمل، وهم جعلوا منهم علي مدي أشهر أرقاماًُ يتلاعبون بها وفق أهوائهم. لقد قال الشباب اللبناني بأنهم وقعوا ضحية المتعطشين للسلطة الذين يريدون للوطن أن يبقي ضمن الأسر الطائفي، لا بل الأسر المذهبي المتجذر أكثر فأكثر. ببساطة تامة وصلتنا فكرة مي المصري التي قدمت تقطيعاً مترابطاً ومقنعاً لعين المشاهد وفكره. وهي لونت شريطها هذا بالكثير من الحيوية التي جذبت المشاهد. لكن النهاية كانت خيبة أمل وسحق لأحلام مجموعة كبيرة من الشبان الذين تمثل ندين نموذجاً منهم، والذين تبنت المخرجة أفكارهم بالنهاية لأنها أفكار تحلق فوق الطوائف والمذاهب المعشعشة في هذا الوطن الهش. هذا الفيلم يشكل نقلة مهمة في سجل مي المصري السينمائي، وفيه بدت شديدة الوضوح في التعبير عبر الصورة ومن خلال الأفكار.