علم العراق ليس علم البعث او صدام وكلتا القيادتين الكرديتين قاتلتا نظام عبد الكريم قاسم في ظلهخطوة بارزاني هي لرد الاعتبار لسادته في واشنطن بعد هزيمتهم المنكرة في لبنان علي يد مقاتلي حزب الله
حاوره: ابراهيم درويشالحركتان الكرديتان لعبتا ادوارا تبادلية مع الانظمة العراقية المتعاقبة كان آخرها انزال العلم العراقي عن مؤسسات الدولة في شمال العراق الذي أثار ردود افعال غاضبة داخل وخارج العراق، اذ اعتبر قرار مسعود البارزاني حاكم الاقليم تعبيرا عن نزعة انفصالية وتهديدا لوحدة التراب العراقي الذي يتعرض لحملة تقسيم من القوي السياسية العراقية الجديدة. وقد اعتبر حـــــازم جواد، السياسي العراقي وأحد قادة حـــركة الثامن من شباط (فبراير) 1963 القرار خطوة خطيرة. “القدس العربي” استطلعت موقفه من هذا القرار وعدد اخر من القضايا التي تمس العلاقة العربية ـ الكــــردية وقياداتها السابقة والحاليــة في هذا اللقاء. ما هي قراءتك لقرار الزعيم الكردي مسعود البارزاني انزال العلم العراقي عن مؤسسات الدولة في شمال العراق؟ حينما كانت قلوبنا وعقولنا علي امتداد ساحات الوطن العربي مع لبنان الحبيب والقتال الاسطوري المشرف وصمود مقاومته في أمّ الملاحم بقيادة ابن لبنان والامة العربية البار السيد حسن نصر الله وجنود الله وبينما دوائر صنع القرار في الشرق والغرب ما زالت عاكفة علي دراسة آثار وتداعيات حرب لبنان الملحمية علي المنطقة العربية، وبينما ما تزال الوقفة الايرانية النووية السلمية تراوح مكانها بين اذعان ايراني مستحيل وضربة امريكية ـ صهيونية محتملة وانعكاسات ذلك علي منطقتنا العربية اضافة لحرب لبنان البطولية، في هذه الايام القدرية من تاريخ امتنا خرج علي الناس علنا السيد مسعود البارزاني وبعد يوم واحد من تقرير الكونغرس الامريكي الذي توقع نشوب حرب اهلية في العراق الجريح باعلان برزاني بامتياز يقرر فيه بطريقة اعتباطية واستعلائية تذكرنا بقرارات المستبدين الذين حكموا العراق انزال علم العراق ووجوب عدم نشره او رفعه في مناطق كردستان التي يتحكم فيها السيد مسعود البارزاني بمشاركة من السيد جلال طالباني الذي عين بحراب ودبابات الامريكيين رئيسا لجمهورية العراق والذي كان يطل علي الناس واجهزة الاعلام وعلم العراق بجانبه وكان يستظل به والقادة الكرد الآخرين منذ عام 1963 يوم حصل فيه الاشقاء الاكراد لاول مرة علي حقوقهم القومية والاعتراف الرسمي بها من قبل الانظمة العراقية التي تعاقبت علي حكم العراق منذ ذلك الحين. بفضل الاحتلال والقوي المحلية التي جندها تمت استباحة العراق والغاء الدولة العراقية ومؤسساتها السياسية والامنية والاجتماعية والقطاع العام ولن نجد في كتب التاريخ مثيلا لما يجري في العراق اليوم من نهب وسلب وقتل فاق ما فعله المغول ودويلات الخروف الاسود والابيض والمماليك والانكشارية. جري كل ذلك بدعوي اقامة الديمقراطية الامريكية. لذلك فان انزال العلم العراقي او ابداله هو تحصيل حاصل اقيم علي باطل وهو بذلك باطل شرعا ودينا وتراثا وقانونا.
الا ان توقيت هذا الانزال البارزاني وحملة الاباطيل والافتراءات وتزوير التاريخ العراقي هي الدافع لما نسطره الان، وكما قلت فان تقرير الكونغرس الربعي وخروج نصر الله لقتال الصهاينة المعتدين والنصر الذي تحقق في افشال اهداف العدوان الصهيوني كانا من ضمن دوافع السيد مسعود البارزاني لاعلان ذلك القرار آملا برد بعض الاعتبار لسادته بعد هزيمتهم المنكرة في لبنان التي صرفت السيدة كوندوليزا شهورا ثمينة في الاعداد والتخطيط لها عسي ان تساهم باخراج امريكا من الحفرة التي سقطت فيها في العراق بفضل المقاومة العراقية الباسلة وبذلك امتدت المقاومة المشتعلة من قاعدتها الدائمة في فلسطين الي لبنان والعراق وافغانستان وما زالت سورية والجمهورية الاسلامية الايرانية تشكلان الاحتياطي الاستراتيجي للمقاومة العربية الاسلامية لدحر العدوان الامريكي ـ الصهيوني ومشاريعه الشرق اوسطية الجديدة. هل من تقييم لموقف الحكومة العراقية من قرار البارزاني؟ كان جورج بوش في عجلة من امره لانهاء المقاومة اللبنانية في ساعات او ايام وبدأت طائراته العملاقة المحملة بالقنابل الذكية والعنقودية بالتحليق الفوري لانزال حمولاتها في فلسطين المحتلة لكي تحرق قنابلها العملاقة مدن وبلدات وقري جبل عامل وجنوب لبنان علها تنهي ورطتها وورطة ربيبتها اسرائيل، وكانت تلك الطائرات تتوقف في مطار مدينة مانشستر البريطانية ويرفض العمال الانكليز في ذلك المطار تقديم الخدمات لتلك الطائرات.
الا ان السيد نوري المالكي الذي اعلن اسمه الحقيقي قبل اشهر معدودة فقط كان ضيفا حميما يتناول الغداء والعشاء مع سيد البيت الابيض وجنرالاته ورجال استخباراته ويشيد بأداء قوات سيده في العراق من حرق المدن العراقية الي قتل الاطفال واغتصاب النساء ونهب حتي الاحجار منه ويستجديه بابقاء قواته في العراق من اجل اقامة الامن والديمقراطية والشرق الاوسط الجديد. لكننا نحمد الله ونشكر نصر الله وجند الله علي الاخفاق المرحلي الكامل لاهداف العدوان في لبنان وعلي فضح زور الغطاء الشيعي الذي استقتلت جماعات المنطقة الخضراء للتدثر به. وعاد المالكي خلسة الي مقره في المنطقة الخضراء كما خرج منه ولربما ان حفر ثمانين كيلومترا (80كم) من الخنادق حول العاصمة بغداد ستتيح له ولضباع المنطقة الخضراء حرية الحركة في المستقبل. لكن بارزاني يقول ان العلم الذي انزله هو علم حزب البعث وصدام حسين؟ كما قلت آنفا فقد رافقت قرار او مرسوم السيد البارزاني حملة من التضليل والاباطيل بشأن ذلك العلم منها علي سبيل المثال انه علم الرئيس صدام وحزب البعث وهو ليس كذلك كما سنوضح ومنها ان المظالم التي لحقت بالاخوة الاكراد وعمليات القمع والاضطهاد التي رافقتها تمت في ظلال ذلك العلم وليس ذلك صحيحا فقد قاتلت كلتا الزعامتين الكرديتين الواحدة ضد الاخري منذ عام 1965 بظل ذلك العلم وبأدوار تبادلية مع الانظمة المتعاقبة التي تدعم هذا الطرف بالمال والسلاح والاعلام مرة او الطرف الثاني في احيان اخري، كان آخرها الاصطفاف المخزي للبارزاني مع نظام الرئيس صدام عام 1996 واستنجاده به لتحرير اربيل والسليمانية من قوات الطالباني وحزبه.
وارتكبتا من المذابح والكبائر فيما بينهما اشد هولا وفتكا مما تعرض له الاشقاء الاكراد في خلافاتهم مع النظم العراقية المتعاقبة بدءا من ايلول (سبتمبر) 1961 في حربهم مع نظام المرحوم قاسم وحتي عشية بدء العمليات العسكرية الامريكية لاحتلال العراق عام 2003. ان هذه الحملة من التضليل للرأي العام الكردي بصورة خاصة زعمت ان سلطات مسعود البارزاني سترفع العلم العراقي الذي تم اعتماده في الاشهر الاولي لثورة تموز (يوليو) المجيدة عام 1958 وتناسي او تغابي السيد مسعود ان نظام المرحوم عبد الكريم قاسم شن اضخم حملة عسكرية في تاريخ العراق حتي ذلك الحين ضد والده المرحوم الملا مصطفي وقواته وعشيرته بدءا من شهر ايلول (سبتمبر) 1961 حتي نهاية نظامه الديكتاتوري في حركة الثامن من شباط (فبراير) 14 رمضان 1963). كانت قري وقصبات البارزانيين والموالين لهم تحرق يوميا بطائرات الميغ و الهنتر وحشد قاسم اكثر من ثلثي الجيش العراقي الدائم في اضخم حملة عسكرية شهدها العراق يساندها الالوف من ابناء العشائر الكردية اضافة لقوات الامن والشرطة ومتطوعو العشائر العربية وكانت اجهزة نظام قاسم الاعلامية من اذاعة وتلفزيون وصحافة تطلق لقب تشومبي العراق علي الملا مصطفي وتطالب برقيات التأييد التي كان يذيعها وينشرها الاعلام القاسمي بقطع رأس هذا التشومبي الانفصالي الذي امضي حياته في خدمة بريطانيا المحتلة للعراق منذ عام 1918 حتي عام 1958 كما كان يؤكد علنا عبد الكريم قاسم نفسه. وتشومبي هذا هو العميل الكونغولي المعروف الذي قام بفصل اقليم كاتانكا عن جمهورية الكونغو وقتل رئيسها الشرعي القائد الوطني لومومبا. وتم ذلك القتال القاسمي ـ البارزاني في ظل العلم الذي يحن اليه الان نجل الملا مصطفي فيقرر اعادة نشره ورفعه في شمال العراق فيا تري أهي بادرة اعتذار للمرحوم قاسم من تآمر والده عليه ام هي ادانة لحرب والده الظالمة لحكومة المرحوم قاسم؟ نترك تقييم ذلك للاخوة الاكراد انفسهم.
حركة شباط والاكراد ما هو موقف حركة 8 شباط من الملف الكردي بعد قاسم؟ لقد بادر النظام القومي الذي تسلّم السلطة يوم الثامن من شباط (فبراير) الي وقف العمليات العسكرية في شمال العراق فورا وصدرت الأوامر الي كافة قطعات الجيش من دار الاذاعة في الصالحية وليس من وزارة الدفاع التي كان المرحوم قاسم لا يزال متحصنا فيها واذاعت اذاعة بغداد سيلا من برقيات التهنئة والتأييد بالحركة المباركة من قبل الملا وحزبه البارتي الديمقراطي وشيوخ العشائر الاكراد والضباط والاداريين من الاخوة الاكراد ومن كافة نواحي العراق. وساهمت الحركة الكردية بثلاثة وزراء في حكومة الثامن من شباط (فبراير) التي اعلنت في حدود التاسعة من مساء ذلك اليوم واطلق سراح جميع السجناء والموقوفين والمبعدين الاكراد من معتقلات قاسم وسجونه.
لا بل ان النظام القومي العربي الجديد سارع وبدافع ذاتي وطني الي لأم وتضميد جراح الاخوة الاكراد التي ربما عانوها من نظام قاسم رغم انهم كانوا مصطفين معه ضد الحركة القومية العربية حتي نهايات عام 1960. اقول سارعنا بارسال وفد شعبي الي ناحية برزان مثلت في ذلك الوفد جميع القوي السياسية في الساحة العراقية آنذاك عدا حزب الشيوعيين طبعا الذي اصطف مع الدكتاتور قاسم وبالسلاح الي اليوم الاخير في نظامه وضم ذلك الوفد الشعبي الاساتذة فائق السامرائي الشخصية القومية المعروفة، وحسين جميل الشخصية الديمقراطية، وعبد الرزاق شبيب نقيب المحامين، والشيخ محمد رضا الشبيبي والعميد فؤاد عارف الكردي المستقل، واخوة آخرين لا تسعفني ذاكرتي الآن بذكر اسمائهم.
وبادر الملا ابو ادريس ومسعود باغتنام هذه الفرصة الذهبية التي جاءته من بغداد العروبة فأرسل وفده الرسمي لتقديم التهاني والتبريكات والقبلات للنظام القومي العربي الجديد بقيادة حزب البعث ولطرح المطالب الكردية الفئوية وكان الوفد برئاسة الاستاذ جلال الطالباني الذي سبق وعرفناه مع صاحبه الاستاذ حبيب محمد كريم منذ ايام النضال الوطني المجيد اعوام 1956 ـ 1958 وتجدد في الاسابيع الاولي من عمر ثورة 14 تموز (يوليو) المجيدة.
ونشط اعضاء وفد التهنئة الكردي بزيارة مقرات مجلس قيادة الثورة والوزارات والمؤسسات العراقية وهم يرتدون ازياءهم الكردية الزاهية والجميلة التي لم يكن يرتديها الملا مصطفي نفسه عندما عاد الي العراق من الاتحاد السوفييتي بعد ثورة تموز (يوليو) اثناء زياراته الي العاصمة بغداد.
كان وفد التهنئة والمفاوضة الكردي عام 1963 يقابل بالاحضان والترحاب اينما حل وتلبي وتنفذ مطالبه المناطقية بواسطة التلفون ولم نسمع كلمة نقد واحدة بحق البعث والحركة القومية والجمهورية العربية المتحدة ورئيسها العزيز جمال عبد الناصر. لا بل ان قيادة النظام الجديد اتخذت خطوة بعيدة عن المناورة والمخاتلة والضحك علي الذقون وتجسيدا لشعار الاتحاد العربي الكردي والاخوة العربية/ الكردية علي مر العصور والقرون فاتخذ القرار بضم الاستاذ جلال الطالباني ومن يريد اصطحابه معه الي الوفد العراقي الذاهب الي القاهرة بصحبة علي السعدي وصالح عماش وطالب الشبيب لتقديمه الي قائد الامة ومرجعها السياسي الرئيس جمال عبد الناصر مباشرة ليضعه في صورة الوضع الكردي خاصة والعراق عامة، وعبد الناصر هو الرئيس المقبل لدولة الوحدة الثلاثية مصر وسورية والعراق التي اعتمدت علمها ذا الثلاث نجمات في ميثاق (معاهدة) قيامها في يوم السابع عشر من نيسان (ابريل) 1963 الذي يقاتل اليوم بارزاني وطالباني لانزاله وتمزيقه ولم نسمع او نر في يوم ما من تاريخ العراق الحديث ان انزل علم العراق الملكي الذي كان في حرب مستمرة مع الاخوة الاكراد ولا علم نظام المرحوم قاسم الذي حارب الاكراد لمدة عامين علي الاقل ولاسباب تتعلق بدكتاتوريته وفرديته وحبه المفرط للذات وزعامته الاوحدية.
ناصر والاكرادومنذ ان قابل الاخ جلال الرئيس عبد الناصر بدأت علاقة حميمة بين الاستاذ جلال والحركة القومية الكردية والرئيس عبد الناصر والجمهورية المتحدة واجهزتها المخابراتية وتعين بموافقتنا الاستاذ شوكت عقراوي ممثلا دائما للحركة الكردية في القاهرة. وكان جلال يفاخر بتلك العلاقة لعقود قادمة ويعلن انه ناصري كردي لحين مغادرته بغداد يوم التاسع من اذار (مارس) 1970 بعد ان غدر بهم نظام البكر ـ صدام بعقده صفقة مع الملا مصطفي ومن وراء ظهرهم باعلان بيان الحادي عشر من اذار (مارس) 1970 وبعد علاقة حميمة مع النظام العراقي دامت حوالي السنتين. ولا اذيع سرا الآن عندما اذكر بأني نصحت الاستاذ جلال عندما زارني يوم التاسع من اذار (مارس) للاستعلام وتقديم النصح بأن عليه ان يغادر بغداد فورا مع اعضاء قيادته للعودة الي احضان زعيمه القديم قبل ان يذاع بيان 11 اذار (مارس) بيوم او يومين وقد اخذ جلال بنصيحتي وشكرني وقبلني وغادر والمرحوم الاستاذ ابراهيم احمد وبقية القادة دون علم النظام وبظلام الليل واقام لهم الملا مخــيما خاصا بهم في مقره بقرية كلالة.
أول مرة اعرف بحقوق الاكراد هل اعترفت حركتكم بحقوق الاكراد القومية والقانونية؟ يسجل التاريخ يا استاذ ابراهيم للدولة العراقية الحديثة التي تأسست في العشرينات من القرن الماضي ان حكومة الثامن من شباط (فبراير) (14 رمضان) كانت اول حكومة قومية عراقية واقليمية تعترف بحقوق الاكراد القومية وشرعت قانونا خاصا بذلك هو قانون اللامركزية الذي اقيمت بموجبه محافظة جديدة ثالثة هي محافظة دهوك واعترفت للاخوة الاكراد بحقوقهم الثقافية واعتماد لغتهم في المراسلات الرسمية في شمال العراق. ربما تكون هذه الانجازات متواضعة بمقاييس هذه الايام لكنها كانت اختراقا ضخما في الستينات من القرن الماضي وكان مقررا ان تكون البداية تعقبها انجازات اضخم في قادم الايام وبعد قيام جمهورية العرب الكبري من مصر وسورية والعراق وهو ما ستتحدث عنه بعدئذ.
وتطور هذا الانجاز الفريد في حينه الذي حصل فيه الاشقاء الاكراد لاول مرة علي حقوقهم القومية ضمن الكيان العراقي الحديث والاعتراف الرسمي بتلك الحقوق من قبل الانظمة القومية العراقية التي تعاقبت علي حكم العراق منذ ذلك الحين. وتلقي ذلك الانجاز الريادي الاول دفعة ثانية الي الامام بعقد اتفاق 29 حزيران (يونيو) 1965 بين قيادة البرزاني وحكومة المرحوم الاستاذ عبد الرحمن البزاز في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف القومي.
وكان هذان الاتفاقان مع ثالثهما الذي صدر في 11 آذار (مارس) 1970 التطبيق العملي المقنن لشعارات الاخوة العربية الكردية وشراكة العرب والاكراد الفعلية للعراق.
كل ما ذكرته لك الآن تم وانجز في ظلال علم دولة الوحدة الذي اعتمدته الجمهورية العراقية صباح 17 نيسان (ابريل) 1963 بعد ان اذيعت من القاهرة بشري التوقيع علي ميثاق ومعاهدة توحيد عواصم الفاطميين والامويين والعباسيين. ومن المحزن والمؤسف ان يقرر ابن الملا مصطفي وبتأييد من جلال الطالباني انزال هذا العلم ومنع رفعه بعد ان استبيح عراق الامة وركنها وعمودها وتم احتلاله وتدميره ونهبه من قبل قوي الاستكبار العالمي والصهيونية وكانت القيادات الكردية وللأسف مشاركة ومتواطئة مع تلك القوي الشريرة التي طعنت الاكراد قبل العرب بعد الحرب العالمية الاولي وكان علي الاخوة الكرد ان يتخذوا مثلا وقدوة من القائد العظيم صلاح الدين الايوبي الذي يفاخرون ويتباهون باصوله الكردية الاسلامية. الا ان صلاح الدين لم يحكّم الافرنج لا في دينه ولا دنياه بل جاهدهم لآخر يوم في حياته. من خلال حواري السابق معك عن ذكرياتك عن الشهيد فؤاد الركابي والان يبدو ان علاقتك بالاستاذ جلال متينة وحميمة، فهل بالامكان التحدث عنها بشيء من التفصيل فربما هناك فائدة في توثيقها؟ في عام 1956 قررت قيادة الحزب تمتين علاقة البعث بالاحزاب الوطنية الاخري لاقامة جبهة الاتحاد الوطني بعد ان اغلقت حكومة نوري السعيد والبلاط كافة الابواب والمنافذ بوجه اجراء اية اصلاحات داخلية وشددت من قبضتها البوليسية واغلقت الصحف وزيفت الانتخابات وحلت الاحزاب الوطنية، الاصلاحية وعقدت حلف بغداد الاستعماري، فاتفقت الاحزاب علي تشكيل الجبهة الطلابية الموحدة او قيادة الميدان كما يسميها البعض لبدء التعاون المشترك في المجال الطلابي الذي يشكل القاعدة الجماهيرية للاحزاب الوطنية وقد اختارني الحزب لتمثيله في تلك الهيئة المشتركة لكوني كنت مسؤولا عن مكتب الطلبة في حزب البعث الذي يشرف علي نشاط الحزب في جميع كليات ومعاهد جامعة بغداد والمدارس الثانوية وكان ثابت العاني يمثل الحزب الشيوعي وصادق الحسني حزب الاستقلال والمحامي رسمي العامل الوطني الديمقراطي وحبيب محمد كريم عضوا مراقبا ممثلا للحزب البارتي الديمقراطي الكردي وبذلك بدأت علاقتي الكردية منذ ذلك الحين وتسلق الاستاذ حبيب محمد كريم السلم الحزبي حتي وصل الي منصب نائب الملا مصطفي بعد انشقاق الاستاذ جلال عن الملا. لعبت تلك الهيئة دورا نشطا في احداث انتفاضة الشهرين التي اندلعت في عموم العراق لنصرة مصر والرئيس عبد الناصر اثناء حرب السويس المجيدة.
كنت احد الايام في مكتب المحامي رسمي العامل ممثل الحزب الوطني الديمقراطي عندما حضر من دون موعد الاستاذ حبيب محمد كريم ومعه شخصية كردية شابة واخذ ذلك الشاب يروي لنا احداث انتفاضة السليمانية لنصرة مصر وكيف ان الاخوة الاكراد كانوا يرفعون صور الرئيس عبد الناصر ويدعون له في المساجد ومن المآذن وكان هذا الشاب يتكلم العربية بحماس وتدفق وبلهجة محببة وكان هو الاستاذ جلال الطالباني.
والتقيت به بعد سنتين من ذلك اللقاء بعد قيام ثورة 14 تموز (يوليو) المجيدة حيث حضر مع الاستاذ ابراهيم احمد رئيس الحزب (قبل وصول الملا من منفاه) والضابط الكردي نوري امين للتباحث مع الحزب حول الوضع السياسي آنذاك واحتمالات انضمام العراق الي الجمهورية العربية المتحدة.
الطريف في هذه القصة اننا اكتشفنا بعد سنين ان المحامي رسمي العامل كان يعمل مخبرا في الشرطة السرية العراقية (التحقيقات الجنائية) ورغم علم المرحوم عبد الكريم قاسم واحتفاظه بشريط مسجل لمدير التحقيقات المرحوم بهجت العطية يذكر له فيها اسماء الوكلاء السياسيين ورسمي العامل احدهم، فان قاسما منح امتيازا له لاصدار صحيفة سياسية يومية باسم المستقبل تمجد زعامته الاوحدية وجمهوريته الخالدة حتي اليوم الاخير من نظامه.
تلك هي خلفية علاقتي بالاستاذ جلال التي تعززت بمرور الايام وعندما ترأس جلال الوفد الكردي المفاوض عام 1963 اتاحت تلك العلاقة لي بالبوح للاستاذ جلال بما كان يطمح به قادة النظام القومي بقيادة البعث من حلول جذرية للمسألة القومية الكردية في ظل دولة الوحدة الوشيكة الولادة، وكان ذلك الحل يتضمن اقامة اقليم كردي علي غرار تسمية الاقليم الشمالي والاقليم الجنوبي اثناء الوحدة المصرية السورية او قيام جمهورية كردية ذات حكم ذاتي ضمن حدود واطار الجمهورية العربية المتحدة (بأقطارها الثلاثة) وكان المأمول ان تُضم امارة الكويت بعلاقة اتحادية مع المتحدة في المستقبل المنظور بعد قيامها.
بالاضافة الي ايماني القديم بوجود امة كردية تامة لها الحق بتقرير مصيرها الا انني اؤمن كذلك ان اشكالات الدولة الكردية العتيدة لا تكمن مع العرب بل مع الاخرين من دول اقليمية ودول كبري.
كما كنت ابغي من اقتراحي هذا ان ابدد هواجس الاخوة الاكراد من الاتجاه العروبي القومي وقيام دولة الوحدة لكي يصوتوا لقيامها حين يجري الاستفتاء علي قيامها. كما اردت ان اجنب قيادة الرئيس عبد الناصر المشاكل الداخلية العراقية وان لا تكون تلك المشاكل عبئا عليه وعلي دولة الوحدة واهم مشكلتين داخليتين كانتا آنذاك في العراق هما المشكلة الكردية والحزب الشيوعي السري الذي عادي التيار القومي وبعنف منذ الايام الاولي لثورة تموز حتي نهاية نظام قاسم.
وعلي هذا الاساس نصح الاخ جلال بأهمية تمتين علاقتهم بالرئيس عبد الناصر فهو الرئيس والمرجع القومي لدولة الوحدة القادمة وتوطيد علاقتهم به سيساعد كثيرا في التغلب علي الصعوبات والحساسيات المتعلقة بتنفيذ خطة (الاقليم الكردي) خاصة ان هناك تيارات شوفينية متعصبة داخل التيار القومي في العراق وكذلك في المؤسسة العسكرية العراقية واقتناع وقبول الرئيس عبد الناصر بتلك الخطة سيذلل الكثير من العقبات بما له من وزن وحجم وتأثير.
وهذا ما تم فعلا كما ذكرت سابقا وعين عقراوي ممثلا دائما في القاهرة وكان هناك اتصال دائم به من قبل اجهزة المخابرات العربية بعلمنا وموافقتنا.
ما ذكرته الان وما سيرد في سياق هذه المقابلة وثقه الاستاذ جلال نفسه مرتين علي الاقل في السنين الاخيرة وكانت الاولي بحديث مطول مع الاستاذ غسان شربل رئيس تحرير جريدة الحياة في التسعينات والثانية في حديث لجلال مع صديقه الدكتور المرحوم علي كريم سعيد في كتابه العراق البيرية المسلحة الطبعة الاولي عام 2002. ولماذا اذن اندلع القتال بينكم وبين الحركة الكردية في حزيران (يونيو) عام 1963؟ لربما كانت تلك المكاشفة والمصارحة (عن الاقليم الكردي) مع الاستاذ جلال سببا في افتعال حادث مضيق سبيلك الذي اغتيل فيه عدد من ضباط وجنود الجيش العراقي، دونما استفزاز من اي نوع كان والذي اعترف الاستاذ جلال بعد سنين من ذلك الحدث انه كان مدبرا من قبل الملا مصطفي وربما بتشجيع من بعثة الموساد الصهيوني المتواجدة في شمال العراق منذ ذلك التاريخ المبكر (حزيران/يونيو 1963) ليكون سببا من بين اسباب اخري في افشال واحباط قيام جمهورية العرب الكبري من مصر وسورية والعراق وجري استغلال التوتر بين قيادة الثامن من اذار (مارس) في سورية والرئيس عبد الناصر فأخذ الجانب الكردي يغالي في البعض من مطالبه.
كان ذلك المركز الصهيوني في شمال العراق الذي يقوده ضابط برتبة رائد ومن اصل يهودي ليبي ولم يعلم به نظام المرحوم عبد الكريم قاسم ولا نظام الثامن من شباط ولا مخابرات الجمهورية العربية المتحدة التي تعتبر من الاجهزة النشطة بمعايير تلك الايام. واول من نبهنا عن ذلك التعاون البرزاني ـ الاسرائيلي هو الاستاذ جلال بعد صراعه الذي تفجر مع الملا ثم اقامته في بغداد منذ عام 1965 لحين مغادرته بغداد في آذار (مارس) 1970 عشية اعلان اتفاق الحكم الذاتي.
كان الثوار الاكراد ينكرون تلك العلاقة بالعدو الصهيوني بعد ان بدأ جلال وابراهيم احمد والمنشقون الاخرون عن الملا عام 1965 بالحديث عن تلك العلاقة وفضحها في الاوساط العربية، الا انها انكشفت الي العلن في السنين الاخيرة عندما اصبح اعلانها والتصريح ببعض تفاصيلها واجبا قوميا، لتعزيز العلاقة وتوطيدها مع الولايات المتحدة الامريكية من اجل الانقضاض علي الدولة العراقية وتفليشها. فأقر بها الدكتور محمود عثمان بتصريحات علنية وصحافية في لندن واعترف انه والملا مصطفي البارزاني كانا ضيفين دائمين عند العدو الصهيوني منذ الستينات من القرن الماضي وتلك جريمة خيانة عظمي يعاقب عليها بالاعدام في العراق وفق النصوص القانونية السائدة منذ العهد الملكي الي يومنا هذا.