بغداد ـ «القدس العربي»: حذّر الوزير السابق والسياسي العراقي، قاسم داود من خطورة بروز أجيال جديدة من الإرهابيين، بعد القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية»، وفيما انتقد قرار حكومة نوري المالكي في 2011، بإخراج القوات الأمريكية من الأراضي العراقية كونه كان السبب في «عشرات الآلاف من الشهداء» واحتلال ثلث البلاد، شدد على أهمية ربط قوات «الحشد الشعبي» بهيئة الأركان العامة في وزارة الدفاع، محذّراً في الوقت عيّنه من «سقوط» الدولة العراقية.
وشغل داود، الصديق المقرب لرئيس ائتلاف «الوطنية» إياد علاوي، عدّة مناصب، من بينها عضو الجمعية الوطنية، ووزير الدولة لشؤون الأمن الوطني (2004)، فضلاً عن كونه شارك ضمن صفوف المعارضة العراقية قبل عام 2003.
السياسي العراقي المخضرم، قال في لقاء موسّع مع «القدس العربي»، إن «داعش انتهى قبل عام ونصف العام، حتى قبل إعلان النصر»، معتبراً أن هذه النهاية «مرتبطة بفقدان التنظيمات الإرهابية سيطرتها على الأرض وتحولها إلى عصابات مشتتة تتم ملاحقتها».
وأضاف: «إعلان النصر النهائي يأتي بضرب بؤر التنظيم وتدمير هيكلية ما تسمى بالدولة الإسلامية، وضرب الحاضنات التي مكّنت هذه العصابات من أن تزدهر في المناطق التي سيطرت عليها»، مشيراً إلى أن «تنظيم داعش شُتت وانتهى، لكن هذه النهاية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظرة السياسية الحاكمة في الدولة العراقية. هذه النظرة تشمل طريقة التعاطي مع ملفات إعادة المهجّرين وإعمار المناطق».
وطبقاً للمصدر، فإن «الإرهاب يطور نفسه وتكتيكاته مع الوقت»، مرجّحاً في الوقت عينه «بروز أجيال جديدة وبتكتيكات وأشكال مختلفة وتحت مسميات أخرى. هذا يتطلب نضجاً في أداء القيادات السياسية، بالإضافة إلى حرص من قبل الحكومة للإسراع بعملية إعادة الإعمار، وتأهيل المهجّرين تربوياً واجتماعياً من تأثيرات الفكر البغيض».
وعن العمليات التي ينفذها التنظيم بين الحين والآخر، في الأنبار ونينوى وصلاح الدين وكركوك وغيرها، أكد أن «هذه العمليات ستستمر لكنها ستضمحل مع مرور الوقت. هي تعتمد على طريقة إدارتنا للأزمات، ومدى توفير البيئة الكاملة لتحصين أبنائنا في المناطق المحررة، ناهيك عن الجانب التربوي والإجتماعي والسياسي والاقتصادي. كل هذه العوامل من شأنها قطع الطريق أمام أي حاضنات جديدة».
اتفاقية أمنية
كذلك، تطرق السياسي العراقي إلى ملف التواجد الأمريكي في العراق، مبيناً أن «لا وجود لاتفاقية أمنية بين بغداد وواشنطن»، موضحاً أن «الاتفاقية انتهت صلاحيتها بخروج القوات الأمريكية وانسحابهم من العراق في 2011. هناك اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي من خلالها تتواجد القوات الأمريكية وقوات أخرى تحت عنوان التحالف الدولي لمحاربة داعش».
وزاد: «تواجد القوات الأجنبية في العراق أو خروجها، أمر متروك للحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة. يجب عليها إعطاؤنا صورة واضحة عن مدى وصول القوات العراقية إلى مرحلة من الجاهزية تمكنها من التعاطي مع أي طارئ قد يحصل».
وأكمل: «في عام 2011، القائد العام للقوات المسلحة في حينها (نوري المالكي) قال إن قواتنا وصلت إلى حد من الجاهزية حيث تستطيع أن تتعاطى مع حفظ الأمن في جميع أجزاء الدولة العراقية، لكن بعد فترة تفاجئنا بظهور هذه المجاميع الإرهابية بمسميات مختلفة. سابقاً كنا نتحدث عن القاعدة، ومن ثم داعش»، متسائلاً: «هل كنا على صواب عندما صدقنا القيادة العامة لقوات المسلحة حينها؟».
وتابع: «أتمنى أن لا تتكرر هذه التجربة اليوم، وعلينا أن نكون دقيقين في طرح صورة واضحة للشعب العراقي. لا يوجد أي عراقي وطني يرغب في أن يرى قوة أجنبية، مهما كانت، جنسيتها على أراضيه، لكن للضرورة أحكاما».
وبين أن «في حال رأت القيادة العراقية أننا لسنا في نقطة الاعتماد الكامل على النفس، فإن القوات الأجنبية ستبقى. خروج تلك القوات في حينها كبدنا عشرات الآلاف من الشهداء، ومليارات الدولارات للتعاطي مع احتلال شمل أكثر من ثلث مساحة البلد».
الإرهاب مستمر
وأكد أن: «خروج القوات الأجنبية أو بقاءها في العراق مشروط بموقف الحكومة، فإذا لم نكن جاهزين لذلك لماذا عليها المغادرة؟ أما إذا كنا جاهزين فنحن مؤيدون لخروج جميع القوات الأجنبية من أراضي العراق»، مشيراً في الوقت عيّنه إلى أن «الإرهاب مستمر في تطوير أساليبه».
وعن السعي الأمريكي لحل «الحشد الشعبي»، أوضح أن: «الحشد الشعبي هو قوة عراقية، نشأت خلال ظرف أمني معيّن، ثم بات أمراً واقعاً من خلال تشريع برلماني»، موضّحاً: «أنا أنظر إلى هذه القوة العسكرية أنها قوة عليها أن ترتبط بهيئة الأركان في وزارة الدفاع، هي وأي قوة أخرى تشكلت في (2004-2006). ينبغي أن تخضع جميعها لهيئة الأركان العامة». ودعا إلى إجراء» تعديل على تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي، يمكن من خلاله ربط قوات الحشد بهيئة الأركان العامة، حتى تكون جزءاً لا يتجزأ من القوة العسكرية العراقية».
رفض التدخلات الخارجية
تطرق السياسي العراقي، قاسم داود، إلى ملف تشكيل الحكومة، معرباً عن أسفه لـ«مرور أكثر من أربعة أشهر (منح عبد المهدي الثقة) والتشكيلة الوزارية لم تكتمل»، لافتاً إلى أن «الأحزاب السياسية الحاكمة ما تزال مصرة على أسلوب المحاصصة البغيضة التي أوصلتنا إلى هذا الدرك المتردي من العملية السياسية».
وأضاف: «يجب تحرير الحكومة والسلطة التنفيذية من تأثيرات الأحزاب السياسية التي حصلت على مقاعد برلمانية رغم شكوكي في سلامة ونزاهة الانتخابات (جرت في 15 أيار/ مايو 2018) السلطة التنفيذية يجب أن تكون مستقلة تماماً عن السلطة التشريعية. اليوم لا نلمس هذا الاستقلال، بل هناك تنافس وتصارع أحيانا على مقاعد السلطة التنفيذية، الأمر الذي أفرز عناصر غير كفوءة».
ومضى قائلاً: «السلطة التشريعية والأحزاب السياسية التي حصلت على مقاعد برلمانية، لا تتنافس على مصلحة البلد، بل إن هذا التنافس يتركز على المكاسب الذاتية للكتلة أو الحزب أو التحالف لتوزيع المغانم، حتى وصلت بنا الأمور إلى حد نرى فيه أن كل مرحلة انتخابية سابقة أفضل من التي تعقبها»، منوهاً أن «شيوع الفساد وفشل مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى عدم وجود هوية اقتصادية للبلد بعد مرور أكثر من 15 عاماً، أتى على هذه الخلفية».
وعبّر عن أسفه للحديث عن «بيع المناصب الوزارية بملايين الدولارات. لا توجد معلومات مؤكدة عن هذا الملف لكن نسمع عن وجود حالات»، مؤكداً أن «المحاصصة ليست لصالح البلد وأبنائه، بل إنها لمصلحة الأحزاب. النظام السياسي أثبت فشله، فالدولة العراقية مهزوزة وقد تسقط».
دعا داود إلى تبعية «الحشد الشعبي» لهيئة الأركان… وحذَّر من أجيال جديدة من الإرهابيين
وأضاف: «الإرادة الوطنية ستنتصر في النهاية. مطالب أهل البصرة ليست تعجيزية، فهم يريدون ماءً صالحاً للشرب، وكهرباء. الإصابات التي وقعت بسبب تلوث مياه البصرة تجاوزت الـ250 ألف حالة. لا يمكن استمرار الوضع هكذا في ظل عجز الحكومة والأحزاب السياسية»، لافتاً إلى إن «الجموع يجب أن تتحرك لفرض إرادتها». وزاد: «التظاهرات يجب أن تكون منظمة وتستطيع أن تطالب ببرامج واضحة حتى تغير الواقع. الشارع يجب أن يكون منظماً بنفسه، فلا وصاية على الشعب».
وعرج عضو اللجنة التنظيمية للمنبر العراقي، عن ظروف هذا التشكيل السياسي الجدي، قائلاً: «وجدنا هناك حالة من الرفض والانتقاد لدى الكثير من العراقيين بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، بشأن ممارسات السلطة السياسية الحاكمة»، منوهاً أن «المنبر العراقي أتى لكي يوحد جهود جميع الذين تحسسوا بكبر الممارسات السلبية التي تؤثر على الشعب».
وتابع حديثه بالقول: «إذا أردت أن تراجع على معاملة بسيطة في الدولة العراقية، ستبتلي بالروتين القاتل. مع كل حلقة من حلقات هذا الروتين عليك أن تدفع مبلغاً»، موضّحاً إن «معدل إنجاز المعاملة العراقية (في أي مؤسسة حكومية) يحتاج إلى 70 توقيعاً. أغلب هذه التواقيع لا تتم إلى بالدفع (رشوة). هذا فساد».
وأضاف: «انعدام الخدمات وغياب المؤسسات، جميعها أوصلت العراقيين إلى التذمر والغليان. وهنا أردنا صيغة لجمع المُعانين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية وخلفياتهم الدينية والعرقية. نحتاج إلى حشدهم وجمعهم تحت خيمة عراقية وطنية هدفها حماية العراق ومحاربة الفساد».
وأكد أن «في الوقت الحاضر لا نريد أن نسمي هذا التشكيل (المنبر العراقي) حزباً حتى لا نضيف رقماً جديداً على الأحزاب السياسية العراقية في الساحة، كما لا نريد أن نسميه تياراً أو تنظيماً اجتماعياً كما اتُهمنا»، ولفت إلى «تحول هذا التشكيل (مستقبلاً) إلى تنظيم سياسي».
وأقرّ أن «المهمة ليست سهلة، بكون إن الثقة لدى أبناء شعبنا بالتنظيمات وبالسياسيين تكاد تكون معدومة»، مبيناً أن «إياد علاوي (زعيم المنبر العراقي) انسحب من التشكيلات السياسية التي كان يرأسها (الأمين العام لحزب الوفاق الوطني، وزعيم ائتلاف الوطنية المنضوي في تحالف الإصلاح والإعمار)، وذكر إن المنبر العراقي يتسع لجميع العراقيين شريطة أن لا يكون هناك تورط بالفساد أو بالدم العراقي».
وزاد أن «أحد الشروط الأساسية للانضمام إلى المنبر العراقي هو التخلي على الخلفية السياسية والانضمام إلى المنبر بصفته الشخصية وباسمه الشخصي»، لافتاً إلى أن «علاوي أعلن انسحابه من الوفاق والوطنية، والكتل السياسية تعلم بتشكيل المنبر العراقي، وهي تراقب عملنا خصوصاً ونحن ما زلنا نسير على طريق التشكيل». وبشأن رأي المنبر العراقي بالتدخلات الخارجية في الشأن العراقي، أقر عضو اللجنة التحضيرية للمنبر بأن «التدخل الإيراني والأمريكي واضح، ونرفض جميع التدخلات الخارجية».
كما أشار إلى أن المنبر «يرفض أيضاً الصراع الأمريكي ـ الإيراني على الأراضي العراقية. لا نريد أن نجعل العراق نقطة انطلاق لضرب إيران أو أي دولة أخرى ولا نرغب بالانحياز لأي جهة على حساب جهة أخرى».