السيد أمن

حجم الخط
1

المُهلة الاخيرة التي لم تكن‪…‬ مثال ملموس للقيادة الواثقة لـ «سيد أمن» حدث مرة اخرى بين ليل يوم الاربعاء وصباح الخمسي. بعد تردد والتلوي اتخذ أخيرا بنيامين نتنياهو القرار الصحيح حين قرر منع ذهاب الوزراء واعضاء الكنيست الاسرائيليين إلى الحرم. قرر أن يكون حكيما وليس صادقا في محاولة لصب المياه الباردة على اللهب. لقد استمع للاردنيين والسعوديين ومستشار الأمن القومي ورجال «الشباك» والشرطة وفهم. وفي الليل قيل إن القرار يتعلق باعضاء الكنيست والوزراء الاسرائيليين فقط.
لكن عند طلوع الشمس في الصباح، يوم جديد وقيادة جديدة. بدأ وزراء البيت اليهودي يصرخون وبدأ نشطاء اليمين والسموترتشيين بالتهديد وقبل الظهيرة تراجع بيبي بخزي. وقال إنه كان يقصد اعضاء الكنيست العرب ايضا. من الخسارة أنه لا يمكن جمع مئات آلاف الحجارة التي سقطت في المدن في الصباح وكشفت عورة «سيد أمن» مثل الحبر الاسود على الورق الابيض.
ما الذي لم يفعله للحفاظ على الهدوء. فهو «معلم» و»مرشد» و «أول من يكتشف» والويل لمن يحاول تشويش صورة هذه القيادة وقول الحقيقة البسيطة، إنه خائف ولا يمكنه اتخاذ القرار.
وعندما يتخذ القرار يتراجع ويحوله، وعندما يحوله يسرع باحثا عن شيء يختبيء وراءه. في عملية الجرف الصامد اختبأ وراء الجيش، حيث قام بالتسريب من جلسة الكابنت. لست أنا من يخاف الدخول إلى غزة بل بني غانتس. ولو كان الامر يرتبط بي لكنا أسقطنا منذ زمن حكم حماس، كما وعدت. ببساطة هم لا يعطوني ويُمسكونني. هذا التسريب تسبب بالضرر الامني، والرقابة طلبت من المستشار القانوني للحكومة التحقيق في الموضوع، لكن يبدو أن المستشار منشغل جدا.
هذا الاسبوع تم الامساك به مرة اخرى «متلبسا». أنا أريد البناء في المناطق، قال لوزراء الكابنت، لكن هذا غير ممكن بسبب الأمريكيين.
وأحضر إلى الكابنت المحامي الخاص به، الذي هو وزير الخارجية الفعلي اسحق مولخو الذي أخاف الوزراء بسيناريوهات فظيعة حول الرد الأمريكي المتوقع إذا ما أعلنت اسرائيل الآن عن أي بناء جديد. «جون كيري يترك لي رسائل في الهاتف»، قال مولخو. «الأمريكيون لن يستخدموا الفيتو ضد اقتراح فرنسا إذا قمنا بالبناء الآن». ما الذي تعرفونه، مولخو يردد ما يقوله كيري، لكن الاخير يستمر بالتهديد. وقد تزامن مع سيناريو مولخو الفظيع في الكابنت تسريب للقناة 2 يقول إن الأمريكيين وضعوا مهلة أخيرة.
فجأة بيبي يعطي اعتبار للأمريكيين. لقد بصق على الرئيس سنوات، وضربه على رأسه، ذهب إلى واشنطن وخلط الكونغرس، حاول اقالته في الانتخابات، لا يعود للاتصال به وفجأة «هناك مهلة أخيرة»، لكن توجد هنا مشكلة صغيرة اخرى. في هذه الحالة ايضا أشرقت الشمس في اليوم التالي وكان يوم جديد ومعه متحدث وزارة الخارجية في واشنطن وقال بصوته إنه ليس هناك مهلة أخيرة. لا وجود لأمر كهذا. وتبين مجددا أن بيبي يبحث عن شيء أو أحد للاختباء وراءه. لـ «سيد أمن» لا يوجد أمن ليقرر بنفسه. فهو يحتاج إلى شماعة والى من يخيفه أو يلزمه، وإلا فانه سيتورط مع أورين حزان.
شيء آخر قاله نتنياهو في الكابنت: إذا قمنا بالبناء في القدس الآن فمن شأن هذا الحاق الضرر بالتعويضات الأمريكية على الاتفاق النووي مع إيران. كان عدد من الوزراء لم يصدقوا ما سمعوا. لقد حذروا رئيس الحكومة على مدى اشهر في موضوع «التعويضات الأمريكية». رؤساء الاذرع الأمنية يتوسلون أمامه لوقف المعركة الصبيانية والغبية مع الرئيس وأن يفهم أن اللعبة قد انتهت، ويبدأ في الحديث عن التعويضات وتحسين قدرة اسرائيل، وإلا فان القطار سيفوته. لكن نتنياهو رفض ذلك. لا يمكن لشيء أن يلحق الضرر بالتعويضات الأمريكية، قال، حتى لو حاربنا ضد الاتفاق النووي حتى اللحظة الاخيرة. ففي النهاية سنحصل على ما نسحقه. وها هو الآن يخاف على مصير التعويض المثيولوجي، ويحرص على احترام الأمريكيين والسير على أطراف الاصابع. فجأة تعلم الأدب وحسن السلوك.
من الواضح أن هذه خدعة تهدف إلى التشويش على الحقيقة. إنه ببساطة يخاف. يخاف من قول الحقيقة للجمهور، ويخاف من اتخاذ القرارات بنفسه والدفاع عنها، وهو لا يقدر على القول للجمهور إننا نجلس داخل برميل بدأ بالاشتعال، لذلك لا يجب الفحص في وضع كهذا من الذي على حق، بل من هو الحكيم. وببساطة نصب الماء البارد. ليس لنا ميزة اختيار الماء البارد. فأي مياه باردة نجدها يجب علينا صبها على اللهب. ليهدأ أوري اريئيل قليلا، وليهتم في الوقت الحالي بأسعار البندورة والدجاج. وكل هذا لا يقوله بيبي. إنهم الأمريكيون والاوروبيون والفلسطينيون. هم وليس هو.
«سنحارب الإرهاب بتصميم كما حاربناه دائما»، أعلن والعلم من خلفه في مقابلات تلفزيونية متسرعة، وهكذا يبدو الامر في مكتبه.
متى حاربت الإرهاب بتصميم يا بيبي؟ في غزة؟ في أحداث النفق، حيث زحفت بسرعة إلى واشنطن لعناق ياسر عرفات؟ لقد تذكرت هذا الاسبوع هيلانا راف إبنة الـ 15.5 التي ذهبت في 24 أيار 1991 إلى المدرسة في شارع جابوتنسكي في بات يم وقُتلت بسكين على يد مخرب من الجهاد الإسلامي يسمى فؤاد عبد الهادي العمرين. فهل يعرف أين هو فؤاد هذا؟ لقد تحرر من السجن في صفقة شليط قبل اربع سنوات بالضبط. بيبي أطلق سراحه. لقد حارب الإرهاب بأقوال حازمة وافعال ضعيفة، وها هو يفخر بذلك.
إن حرب السكاكين تلك التي كانت ذروتها قتل هيلانا راف أدت إلى تغيير الحكم. ولأول مرة في تاريخ اسرائيل تسبب التدهور الامني بفائدة لليسار وضرر لليمين. بعد قتل هيلانا راف بشهر جرت الانتخابات وخسر اسحق شمير وفاز اسحق رابين. هذا بالضبط ما يخيف بيبي، مصيره الشخصي وليس مصيرنا.

ملاحظتان استفزازيتان

٭ من أين جاءت هذه الفوضى؟ نعم هناك القليل من العنف، لكن ما الجديد في هذا؟ لو جاء هذا الاسبوع كائن فضائي لكان اقتنع بعد سماع العويل أننا أمام مذبحة. لقد حدثت عملية اطلاق نار فظيعة وتم الكشف عنها بسرعة. وعملية طعن شديدة في شارع هغاي وهناك موجة شباب مع السكاكين. هل هذا يبرر الحملة الإعلامية والانفعالات في الشبكات الاجتماعية والفوضى السياسية والهستيريا القومية؟ ألم يقوموا بذبحنا على مر الاجيال؟.
في هذه المرة على الاقل نعرف، ونحن نستطيع الدفاع عن أنفسنا. في ميزان الذبح الحالي نحن متفوقين كثيرا. الفلسطينيون يدفنون الاموات أكثر منا، اطفال ونساء أكثر، واعتقد أنهم يولولون أقل. هذه الدولة ما زالت أكثر أمنا من جميع الدول المحيطة بها. أنا اشعر هنا بالأمن أكثر من أي يهودي في أي دولة في اوروبا وفي كل مكان وكل زمان. ومن اجل مواجهة اوضاع كهذه (كان لنا الكثير من الاوضاع الاصعب) يجب الحفاظ على الهدوء، وهذا ما ينقصنا.
٭ الكراهية. جزء اساسي من عويل الاسبوع كان حول مظاهر الكراهية من الفلسطينيين. وقد كانت الذروة في قصة اديل بينيت، أرملة اهارون بينيت، من العملية في شارع هغاي في البلدة القديمة، التي ركضت طول الطريق ولم يساعدها أحد. ما يفاجئني أننا نتفاجأ من كراهيتهم لنا. هل يوجد من يعتقد أن الفلسطينيين يجب أن يحبوننا؟ إنهم يضبطون أنفسهم كل مرة فلا يعانقوننا ويقبلوننا ولا يقدمون الورود؟.
أحد الامور القليلة الدقيقة التي قالها اهود باراك في سيرته السياسية كان أنه لو كان فلسطينيا كان سيتجند في احدى التنظيمات الإرهابية. بالنسبة له هذا إرهاب، ولكن بالنسبة لهم هذه منظمة للتحرير القومي. صحيح أنهم برابرة مستعدون لتفجير أنفسهم بين الاطفال، ولديهم مشكلة اخلاقية ويرون ذلك كل صباح في أنحاء الشرق الاوسط، لكن هذه هي الحال. لقد حاولنا، لكن لا يمكن تغييرهم. السويديون يصممون على البقاء في السويد، وكذلك العرب هنا.
لو حاول كل اسرائيلي وضع نفسه مكان الفلسطيني العادي لكان فهم لماذا يكرهوننا. نقطة اولى: إنهم ليسوا يهودا، ولا يؤمنون بالتوراة.
ومن ناحيتهم فان الكوشان الذي لدينا على ارض اسرائيل غير صحيح، ولديهم كوشان خاص بهم موقع من نبيهم. للأسف الشديد هذا هو الوضع في كل العالم. لا يوجد الكثير من اليهود، لذلك لا يوجد من يقتنع بالوعد الالهي لنا. وحتى لو وضعنا الفلسطيني العادي وأغلقنا عليه في دير مدة شهر مع تسيبي حوطوبلي فهو لن يغير رأيه. فخطاباتها المتأججة بأن ارض اسرائيل اعطيت لشعب اسرائيل، لن تثير انطباعه ولا انطباع العالم.
تعالوا لنواصل: لو عشنا هنا مئات السنين لكانت الحاضرة اليهودية صغيرة. في أحد الايام قرر اليهود العودة. ومنذ ذلك الحين يستعيدون بشكل تدريجي اراضيهم. نعم لقد ربحوا ذلك بمصداقية. هم قالوا لا في كل مرة قلنا فيها نعم (قرار التقسيم مثلا)، وبالنسبة لهم فان وطن آبائهم أُخذ منهم بمنهاجية وعلى مر جيلين. بدأوا عملية اوسلو في ظل وجود 40 ألف مستوطن، وبعد عشرين سنة هناك 400 ألف. الحكومات الاسرائيلية تتحدث عن السلام وتستمر في الاستيطان. على جميع التلال من حولهم تطل المستوطنات وتنبثق عنها البؤر والبؤر الاخرى، بعضها على اراض خاصة وبعضها يصادرها الجيش وهي تتحول إلى مستوطنة فيما بعد.
في القدس، الفلسطيني العادي يرى الحركة باتجاه الحرم ويسأل نفسه الاسئلة. في الماضي كانت مجموعة صغيرة تذهب وهي خائفة إلى الحرم، وبعد ذلك ظهر غرشون سلمون الذي كان غريبا وغير عقلاني مع مجموعة من المجانين. بعد ذلك كبرت المجموعة واتسعت وزادت قوتها، وبدلا من بضعة عشرات أصبحوا بضع مئات وبعد ذلك بضع آلاف. وبدأ يظهر السياسيون، اوري اريئيل بتصريحاته العدائية والاحلام والاحاديث عن بناء الهيكل، أما الفلسطيني العادي الذي هو ايضا هستيري ويتعرض لغسل الدماغ من قبل نماذج مثل الشيخ رائد صلاح، يقتنع أنهم يريدون سرقة الحرم منه.
في شرقي القدس حيث يوجد سكان ولا توجد مواطنة أو خدمات أو بنية تحتية أو جواز سفر أو دولة وحكومة، يطل المستوطنون مثل الفطر بعد المطر السام في سلوان وفي كل بيت فارغ أو يتم تفريغه حيث الهدف الاساسي لليهود هو استمرار الاختلاط مع السكان الفلسطينيين والاستمرار في دق الاوتاد في قلب المناطق الفلسطينية والتواجد ورفع الإعلام والرقص. وبعد ذلك نسأل باستغراب «لماذا يكرهوننا».
حسب رأيي يمكنهم كراهيتنا أكثر. والى جانب اللامبالاة الفلسطينية في شارع هغاي كان الفلسطيني الذي أنقذ اليهود المتدينين من اللنش في الآونة الاخيرة بالقرب من الحرم الابراهيمي، اضافة إلى عشرات الحوادث المشابهة حيث يخطيء الاسرائيليون ويدخلون إلى القرى والمدن الفلسطينية، وتقوم الاجهزة الأمنية الفلسطينية أو المواطنين الفلسطينيين بانقاذهم.
هذا لا يعني أنني اؤمن بالتوصل إلى السلام معهم غدا صباحا. ولكن في المقابل يبدو لي أن الطريق الحالية التي تزيد من الاحتكاك الدموي، والتي تستمر في الضم الزاحف في محاولة لبلع أكثر مما يتحمله الجسم، ستؤدي إلى الكارثة. يجب الانفصال على الفلسطينيين.
يجب علينا فصل هذه الاوزان عن جسدنا لأننا لن نطفوا وهم معنا. في المرتين اللتين حلم فيهما اليهود المتطرفين باقامة امبراطورية، انتهى الامر بالخراب. يوجد هنا عالم في الخارج وهو لا يعترف بسيطرتنا على شعب آخر. هذه الحقيقة لن تتغير حتى لو انتقل بينيت ليسكن مع فرانسوا اولاند، الرئيس الفرنسي، وهمس في أذنه بلغة فرنسية قوية.
يتعلم نتنياهو الآن على جلده بالطريقة الصعبة أنه لا توجد اختصارات للطريق ولا توجد وجبات بالمجان. كان يمكنه الحصول على الشرعية الدولية لو كان اتخذ قرار تجميد البناء خارج الكتل الكبيرة مثلا، لكنه خاف. نعم لقد عدنا إلى نقطة البداية.
فخوفه ألقى بنا في اتجاه اليمين والآن يلقي بنا باتجاه اليسار. وبين هذه الزعزعات لا يقول الحقيقة للجمهور، وفي النهاية سنتعلم جميعا على جلودنا حقيقة الواقع ونضطر للتوقف عن الكذب على أنفسنا ونبدأ في قول الحقيقة لأنفسنا. ربحنا كراهية الفلسطينية بمصداقية. ليس عندهم أي سبب ليحبوننا، ولأننا لن نحبهم قريبا، فان هناك خيارين: الاستمرار في الاختلاط والاحتكاك إلى الأبد أو محاولة الانفصال.

بن كسبيت
معاريف 9/10/2015

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية